في إطار بحث المفكرة الدائم عن السبل الممكنة لجبه ثقافة التدخل في القضاء، نخصص هذه الورقة البحثية  لاشكالية غير تقليدية في خطاب إصلاح القضاء، هي اشكالية حرية القضاة في التعبير والتجمع وتأسيس جمعيات. ففيما يتفق الجميع أن مقتضيات الوظيفة القضاء تفرض تقييد هذه الحريات، فإن الخلاف يقع حول المسائل المحيطة بها، ومن أبرزها: ما هي القيود الجائزة عللا هذه الحريات المضمونة دستوريا؟ وكيف يمكن تبريرها؟ والأهم، هل أن المسألة تتصل باعتبارات الحرية وحسب، أم أيضا بوظيفتها؟ وبكلام آخر، هل لهاتين الحريتين وظيفة معينة في إصلاح القضاء أو في دعم استقلاله؟ وهذا الجانب من المسألة فرضته تجارب قضائية عدة، شكلت فيها جمعيات القضاة عاملا مركزياً في تعزيز استقلال القضاء والفرص في إقرار إصلاحات قضائية، في دول أوروبية كفرنسا وإيطاليا أو عربية كتونس والمغرب. وما يزيد المسألة إلحاحا في لبنان هو وجود مقاومة رسمية لهذه الفكرة من قبل الهيئات المشرفة على القضاء التي غالبا ما تبرر مواقفها بمقتضيات موجب التحفظ وبالتركيبة الطائفية للمجتمع اللبناني، كل ذلك في موازاة توجه النظام السياسي الحالي إلى مضاعفة أساليب وطرق التدخل في القضاء.

وكان القضاة أطلقوا خلال أطول اعتكاف خاضوه في 2017 احتجاجا على تعدي السلطة التشريعية على صندوق تعاضد القضاة، وعمليا على الضمانات المالية لاستقلاليتهم. إلا أن هذا الاعتكاف الذي بدأ بقرار من مجلس القضاء الأعلى انتهى بقرار أحادي منه، من دون أن يكون للقضاة كلمة في ذلك. وفور وقف الاعتكاف، انفتحت ورشة التشكيلات القضائية بضغط من القوى السياسية المهيمنة، وانتهت بكارثة قضائية تمّ بموجبها تطييف المراكز القضائية الهامة بشكل شامل وتخصيصها للقضاة الواردة أسماؤهم على لوائح هذه القوى. فأدرك القضاة من جهة مدى وهن مجلس القضاء الأعلى وعجزه عن مواجهة الهيمنة السياسية، وفي الوقت نفسه ضعف التحركات الجماعية للقضاة التي ليس لها طابع مؤسساتي دائم.

 ويجدر التذكير أن مؤسسي المفكرة، نزار صاغية وسامر غمرون، كانا نشرا في 2009 دراسة بعنوان: "التحركات الجماعية في لبنان" ضمّت توثيقا لتجارب منسية من تحركات القضاة اللبنانيين في فترة (1969- 1982). وقد لاحظ الكاتبان في مستهل الدراسة أن "مراجعة الخطاب الاصلاحيّ للقضاء في زمن ما بعد الحرب تظهر بوضوح تركيزا على الإصلاحات التي تضعها الدولة أو مؤسّساتها الرسميّة فيما يظهر القاضي دوما محلا لإصلاح يتلقّاه دون أن يكون له أيّ دور فاعل فيه. والواقع أن هذا التوجه لم يكتف فقط بتهميش "التحرّكات القضائية الجماعيّة" كآليّة من شأنها الإسهام في إصلاح القضاء، إنما أيضا –وهنا الغرابة- بطمس ذاكرة القضاء بهذا الشأن، وتحديدا بما يتّصل بالتحرّكات الواسعة التي شهدها في العقود السابقة للطائف".

وكانت المفكرة نشرت أوراق بحثية هي الآتية: