تحت عنوان "أصوات بحر العيد"، تم تقديم عرض سمعي بأصوات شبان وشابات من مدينة صيدا وذلك نهار السبت 21/10/2017 في قاعة مطعم طاولة، مقابل الميناء-المدينة القديمة صيدا. والعرض هو من تنظيم مجموعة الدكتافون بالتعاون مع مؤسسة هينرش بل بمشاركة  الشبان والشابات من صيدا وقد تم تقديمه في إطار مميز جداً، ربما هي المرة الأولى التي يتم فيها تقديم معلومات تهدف إلى "معرفة ما حدث ويحدث لشاطئ المدينة" بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن الرتابة المعهودة في لقاءات ومحاضرات تتناول الأملاك العامة .

على درج عتيق داخل المدينة القديمة، صعد العديد من أبناء صيدا وخلافهم من الزوار والناشطين من مختلف المناطق، حتى وصلوا إلى المطعم، وهناك وجدوا أنفسهم في قاعة أثرية الطابع، كراس واسعة قديمة وضعت عليها الفرش مغطاة بقماش من الخشخاش، أمام نوافذ عتيقة بالقرب منها وضعت سماعات، كل واحدة منها تروي قصة منطقة عتيقة كانت فيما مضى مساحة عامة متاحة أمام الناس وكيف تبدل حالها بعدما تم وضع اليد عليها تدريجيا في خطة بدت مدروسة ومعدة سلفاً.

من الكنايات، إلى الشاطئ الأولى، فبحر العيد، واسكندر باي وغيرها من الأماكن التي تختزن تاريخ مدينة صيدا وثقافة أهلها، كلها تعرفنا عليها وعلى التبدلات التي طرأت عليها  من خلال شبان وشابات قصّ كل واحد منهم حكايتها عند نافذة معينة في تسجيل تفاعلي بإمتياز، حيث يطلب إلى المستمع أن يغمض عينيه ويبدأ مرحلة من التخيل تمتد عند كل نافذة نحو الخمس دقائق يستمع خلالها إلى جانب صوت المؤدي إلى خرير المياه وحفيف أوراق الأشجار وزقزقة العصافير وأصوات الأرجوحات.

عندما يقال "شاطئ صيدا" أول ما يتبادر إلى أذهاننا كورنيشها البحري وربما قلعتها البحرية والميناء. إلاّ أن باقي المساحات العامة البحرية فيها قد تبدو غريبة عنّا ولكنها تسكن في ذاكرة كل صيداوي. الشاطئ الذي يعد لدى البعض "فرصة ذهبية لإنجاز مشاريع تطويرية واستثمارية تأخذ شكل مرافئ وفنادق ومرافق سياحية ومواقع استراتيجية على كتف البحر المتوسط". هو للعديد من الناس "مكان لأهم المساحات الطبيعية والتاريخية والمشتركة في المدينة. وفي هذه المخيلة تتزاحم أيضاً المشاعر الرومانسية المرتبطة بجمال البحر وشاطئه الشاهد على قصص قديمة وجديدة تحاكي العلاقة الحميمية لسكان المدينة مع رمال الشاطئ وصخوره ومياهه". كما تحمل هذه المخيلة "أبعاداً حقوقية أساسية متمثلة بحق سكان المدينة بالتواجد والإستفادة والتمتع بهذا المكان العام. فالبحر هو مصدر رزق لكثير من أصحاب الدخل المحدود من الصيادين وأصحاب المراكب السياحية الصغيرة وغيرهم. والشاطئ الصيداوي كان دائماً المكان المجاني والمفتوح لجميع سكان هذه المدينة وضواحيها...".

وإلى جانب العرض السمعي، حصل زوار المعرض على كتيّب بعنوان "مشي ت دليك" يذكر كل ما استمع اليه الزوار. هو نتاج عملية بحثية وكتابة جماعية أسهمت في إعداده الهيئات المنظمة. وقد انطلقوا من خلال مبادرة ارتكزت على المساحات المشتركة والمجتمعية في صيدا، تحديداً على الساحل والتحولات التي يشهدها. فيما الهدف من هذا العمل هو "تسليط الضوء على أهمية التراث الثقافي والممارسة الاجتماعية في صنع المدينة، على أمل أن يكون بمثابة منصة لتبادل الأفكار وإطلاق مناقشات عامة متعلقة بمستقبل صيدا".

وعن الأسلوب المميز في عرض إشكالية المساحات العامة المنهوبة تحدثت الفنانة تانيا خوري قائلةً: "نحن بمجموعة ديكتافون نعمل على ربط الفن بالبحث المديني، وقد اجتمعنا أنا والمهندسة عبير سقسوق للقيام بعروض تفاعلية يكون الجمهور جزءاً منها ويناقش الإشكاليات التي تحصل في الأماكن العامة. ولأن الفن المعاصر في لبنان يرتكز إجمالاً في العاصمة بيروت، نحن نحاول أن نتناول المشاكل التي تطال اللبنانيين بشكل عام وألا ينحصر ذلك في العاصمة. عملنا على صيدا وخلال ستة أشهر قمنا بورشات عمل شارك فيها شباب وشابات فعرضنا لطبيعة عملنا وتشاركنا معهم معنى الفن التفاعلي وماذا تعني العروض الحية وكيف يتم إجراء بحث مدني يجمع ما بين التاريخ الشفوي الذي يتداوله الناس إضافة إلى التاريخ الموثق والخرائط الجوية وغيرها. ثم خصصنا نهارا لـ event في كنايات البحر وهو مكان عام في أول صيدا شارك فيه الحضور من الناس بعروض تفاعلية وعروض حية. نحن ما نسعى إليه في ديكتافون هو خلق مساحة نقاش بين الناس تستمر بعد انتهاء العرض. اخترنا ان نحول النصوص إلى قطع صوتية بالامكان مشاركتها على الانترنت أو بالاماكن العامة حتى يأتي الناس ويستمعوا إليها أو أن يستمعوا إليها في بيوتهم فضلاً عن الكتاب حتى تبقى النصوص وتستمر لما بعد العرض.

وعن الأصوات التي سمعها الناس قالت: الناس التي قامت بتسجيل صوتها هي المجموعة الشبابية التي عملنا معها ولا واحد منهم هو مؤدي محترف إنما كانت أصواتهم ويخبرون القصة. وكل واحد منهم تحدث عن الموقع الذي اختاره وعمل عليه وبنى معه علاقة طويلة.    

وعن هذا العرض، تحدث منتج العرض عبد الرزاق حمود وهو أحد الشبان الذين شاركوا في الأعمال البحثية وقال: هو بحث اجتماعي تم العمل عليه منذ نحو السنتين عن شاطئ المدينة والمساحات العامة فيها التي اختفت، وقد حولناه اليوم إلى قطعة صوتية حتى يصل أكثر إلى الناس.

أما الهدف الأساسي، فهو تسليط الضوء على المساحات العامة وتناول تاريخها، فالعديد من هذه المساحات اختفت اليوم ليس لأسباب طبيعية وإنما لأن هناك مشاريع معينة شيدت مكانها. فيما كانت هذه المساحات من النسيج الصيداوي وليست مجرد public space وهي التي أسهمت في تطوير السكن في صيدا. اليوم بات هناك ندرة في المساحات العامة والفضاءات العامة في المدينة لذا ما نحاول القيام به هو الضغط لإيجاد مساحات عامة جديدة تشبه النسيج الصيداوي الذي كان موجوداً والثقافة culture الصيداوية التي كانت موجودة". وتابع حمود: "الدراسة قامت بها مجموعة من ديكتافون بالتعاون مع مجموعة من الشباب والشابات الناشطين الصيداويين وعددهم 7 وهم يعيشون في المدينة وأرادوا الإسهام في هذا المشروع. وهذه الخطوة جاءت بعد ورشة عمل شارك فيها هؤلاء الأشخاص تم خلالها تحديد المساحات والفضاءات العامة وعلى ضوء ذلك اختار كل واحد منهم المكان الذي وجد نفسه خلاله والذي بناء عليه تم القيام بالبحث. حتى أن الكتيّب  تم إعداده  بأسلوب وكتابات الشباب والصبايا وفيما بعد  تحول الى قطعة صوتية بأصواتهم".

وبسؤاله إن كان البحث قد استوفى جميع المساحات العامة المنهوبة في صيدا أجاب حمود بالنفي فقال:"كلا إنما جاء الاختيار بناء على اقتراح الشباب والشابات. وربما هناك المزيد من المساحات وربما لا، لكن بكل الأحوال قمنا بتسليط الضوء على أهم المساحات التي كانت موجودة في تاريخ المدينة. فأي شخص يسأل عن المساحات العامة سيذكر واحدة منها".

وعن تفاعل الناس مع هذا النشاط قال:"الناس فرحون بهذه الفكرة والتعليق الأول كان أن هذا العمل يؤرخ حقبة  من التاريخ الصيداوي الجميل. وكما كان هناك طلب من قبل البعض أن يتم تحويل العرض إلى المدارس حتى يتمكن التلاميذ سيما الأطفال الذين لم يسمعوا من قبل عن هذه الأماكن أن يتعرفوا عليها".

وختم معتبراً أن الرسالة من هذا المشروع هي "تسليط الضوء على أهمية المساحات العامة والفضاءات العامة التي يجب أن تكون موجودة في كل مدينة. وأهمية الحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية لأي مدينة وأي مساحة موجودة وأن يتم في كل المشاريع التنموية التي تخطط للمدن، الأخذ بعين الإعتبار النسيج الاجتماعي الحقيقي للمدينة وأن تكون هذه المساحة لجميع الناس وألا تكون لفئة معينة على حساب فئة أخرى. وأن يتم المحافظة على الهوية الاجتماعية والثقافية لأي مدينة. كما لا بد من احترام وتقديس الحق في المساحات العامة إذ اليوم نعاني من شرخ بين الطبقات الاجتماعية نتيجة عدم وجود مساحات عامة مشتركة".

في ختام إحدى المقطوعات الصوتية، تطلب الشابة من المستمعين أن يتخيلوا بعد كل ما سمعوه صورة شاطئ صيدا مثل ما يحبون أن يروه وتدعوهم إلى طلب المعرفة بكل ما جرى ويجري به وأن يكونوا جزءاً من المفكرين في بدائل يقترحونها لتصل إلى المعنيين، ربما يجدون صدى لأصواتهم.