درجت العادة في لبنان أن يقوم المدير العام في الوزارة بلفت انتباه الوزير أن هذه المعاملة أو هذا التدبير ينطوي على مخالفة قانونية فيعمد الوزير كي يتجاوز الاعتراض إلى إرسال المعاملة أو التدبير مجددا إلى المدير العام مذيلة بعبارة "مع الإصرار والتأكيد" أي ان الوزير يطلب صراحة من إدارته القيام بإجراءات مخالفة للقانون وهو على علم تام بذلك. والظاهر أن قيام مجلس النواب بإقرار موازنة سنة 2017 دون إقرار قطع الحساب يندرج ضمن هذا السياق. فقد سبق للمجلس الدستوري في قراره رقم 5 تاريخ 22 أيلول 2017 أن أعلن صراحة "أن عدم اقرار موازنة عامة سنوية للدولة وعدم وضع قطع حساب لكل سنة يشكلان انتهاكا فاضحا للدستور". فمجلس النواب بإقراره الموازنة دون قطع الحساب يخالف الدستور مع التأكيد والإصرار دون الاكتراث بالمادة 87 من الدستور التي تنص بشكل لا يقبل اللبس بأن "حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة".

وقد تضمنت أحكام الموازنة المادة التالية: "على سبيل الاستثناء ولضرورات الانتظام المالي العام، يُنشر هذا القانون وعلى الحكومة إنجاز عملية إنتاج جميع الحسابات المالية المُدقّقة منذ 1993 حتى سنة 2015، ضمناً خلال فترة لا تتعدّى السنة اعتباراً من تاريخ نفاذ هذا القانون". وهكذا يكون مجلس النواب قد برر مخالفة الدستور استثنائيا كما برر التمديد لأكثر من مرة. فإذا وضعنا صحة هذا التبرير جانبا وما إذا كانت شروط الظرف الاستثنائي متحققة بالفعل، هل يحق لمجلس النواب إقرار قانون يحتوي على أحكام تخالف مباشرة وصراحة قرارا سابقا للمجلس الدستوري؟ بتعبير آخر، هل يستطيع مجلس النواب إقرار أحكام سبق للمجلس الدستوري أن أبطلها؟

وبالحقيقة ليست المرة الأولى التي يعمد فيها مجلس النواب إلى تجاهل قرارات المجلس الدستوري. فقد عمد مؤخرا أيضا إلى إقرار قانون الضرائب الذي عُرف "بسلسلة الرتب والرواتب" مجددا مع بعض التعديلات البسيطة، بعدما قام المجلس الدستوري بإبطاله في القرار رقم 5 تحديدا. أمام هذا الواقع، لا بدّ لنا من طرح سؤال هام يتعلق بقيمة قرارات المجلس الدستوري أي القوة القانونية للقضية المحكوم بها.

نصَّت المادة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري على ما يلي:"تتمتَّع القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري بقوّة القضية المحكمة وهي ملزمة لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائيّة والإداريّة. إنّ قرارات المجلس الدستوري مبرمة، ولا تقبل أيّ طريق من طُرق المرارجعة العاديّة أو غير العاديّة". وقد كررت المادة 52 من نظام المجلس الدستوري الداخلي الأمر عينه فأعلنت التالي: "تتمتع قرارات المجلس الدستوري بقوة القضية المحكوم بها، وهي ملزمة لجميع السلطات العامة، وللمراجع القضائية والإدارية، وتنشر في الجريدة الرسمية".

علماً أن حجية القرار لا تتعلق فقط بالفقرة الحكمية بل أيضا تشمل الحيثيات والأسباب التي استعرضها المجلس الدستوري في متن القرار. وهذا ما ذهب اليه المجلس الدستوري الفرنسي في أكثر من قرار له[1].

فقرارات المجلس الدستوري تتمتع بحجية مطلقة وتنتج مفاعيلها تجاه الجميع (erga omnes). صحيح أن قرار المجلس الدستوري بإبطال قانون ما هو ملزم لجميع سلطات الدولة لكن السؤال الأهم هو معرفة ما إذا كانت حجية هذا القرار تنسحب على الأحكام القانونية المماثلة السابقة أو اللاحقة عليه. بتعبير أدق في حال قام المجلس الدستوري بإبطال نص معين هل يشمل هذا الإبطال سائر القوانين التي تتضمن نصا مماثلا أو ان مفعول الابطال ينحصر فقط في القانون المطعون فيه؟

وقد طرح هذا الموضوع على المجلس الدستوري الفرنسي الذي رأى ان حجية القرار لا تنسحب في المبدأ على قانون جديد في حال تمت صياغة النص بشكل مغاير لكن هذه الحجية يمكن التذرع بها إذا كان موضوع القانون الجديد هو ذات موضوع القانون الذي سبق وأن أصدر المجلس الدستوري قرارا بشأنه حتى لو كانت صياغة النص مختلفة:

« Considérant que si l'autorité attachée à une décision du Conseil constitutionnel déclarant inconstitutionnelles des dispositions d'une loi ne peut en principe être utilement invoquée à l'encontre d'une autre loi conçue en termes distincts, il n'en va pas ainsi lorsque les dispositions de cette loi, bien que rédigées sous une forme différente, ont, en substance, un objet analogue à celui des dispositions législatives déclarées contraires à la Constitution »[2].

صحيح أن هذه الحجية تنسحب في هذه الحالة على النص المشابه لكن هل هذا يعني أن هذا النص يعتبر باطلا حكما؟ بالحقيقة لا توجد إجابة واضحة في الفقه الدستوري إذ لا يمكن إبطال نص دون قرار صريح صادر عن مرجع مختص كون هذا الأمر قد يهدد الاستقرار التشريعي ويفتح الباب أمام تأويلات مختلفة. وقد ذهب البعض أنه يتوجب على مجلس النواب إلغاء جميع النصوص المشابهة والمخالفة بشكل صريح للدستور وفقا لتفسير المجلس الدستوري. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما يعمد مجلس النواب إلى إعادة اقرار القانون عينه الذي أبطله المجلس الدستوري ما يشكل تحديا مباشرا لهذا الأخير ويفتح الباب أمام مواجهة ذات محاذير سياسية.

جراء ما تقدم، إذا كان من الناحية النظرية يعود لمجلس النواب اقرار تشريعات مخالفة صراحة لقرار سابق للمجلس الدستوري فلهذا الأخير أيضا أن يبطلها مجددا لكن ذلك رهن تعرض القانون للطعن. فما هو الحل في حال لم يتم الطعن بقانون جديد سبق للمجلس الدستوري وإن أبطله؟ بالحقيقة، أجاب مجلس الشورى الدولة اللبناني على هذا السؤال وتقدم باجتهاد متقدم جدا في أول الأمر ومن ثم عاد وتراجع عن موقفه[3].

ففي قرار صدر سنة 2001 أعلن مجلس شورى الدولة صراحة التالي: "ان قرارات المجلس الدستوري هي إذن ملزمة للقضاء كما للسلطات العامة. وهذا يعني أنّ إبطال المجلس لنصّ تشريعي لا يؤدِّي فقط إلى بطلان هذا النصّ، بل ينسحب على كلّ نصّ مماثل أو قاعدة قانونيّة مشابهة للقاعدة التي قضى بإبطالها، سواء كانت متزامنةً مع قرار المجلس أو سابقةً له، وذلك لتعارضها مع أحكام الدستور أو مع مبدأ عام يتمتَّع بالقيمة الدستورية لأن هذه القاعدة تكون قد خرجت من الانتظام العام القانوني بصورة نهائيّة بحيث لا يستطيع القضاء، سواء القضاء العدلي أو الإداري أن يطبق نصاً مخالفاً للقاعدة أو للمبدأ الذي أقره المجلس الدستوري وذلك احتراما لمبدأ الشرعيّة وخاصّة لمبدأ تسلسل أو تدرُّج القواعد القانونيّة" (قرار رقم 71 تاريخ 25/10/2001، ص. 21).

لا شك أن هذا الاجتهاد هو تطور مهم جدا كونه يمنح القضاء بشكل عام والقضاء الإداري بشكل خاص القدرة على رفض تطبيق أي نص قانوني مماثل لنص سبق وأعلن المجلس الدستوري إبطاله. وهو يؤدي أيضا إلى الحد من نظرية القانون الحاجب (loi écran) والتي تفضي إلى منع القضاء الاداري من إعمال رقابته على عمل إداري مخالف للدستور في حال كان تطبيقا لقانون معين.

لكن مجلس شورى الدولة عاد وتراجع عن هذا الاجتهاد فأعلن في قرار له صادر عن مجلس القضايا التالي: " وبما أنّه ولئن كانت قرارات المجلس الدستوري مُلزمة لسائر السلطات العامة، فإنّ مفاعيلها تنحصر بالنصّ القانوني الذي كان موضع طعن أمام المجلس الدستوري، ولا تتعدّاه إلى سائر النصوص الأخرى" (قرار رقم 672 تاريخ 12/7/2010).

وهكذا نكون قد عدنا إلى نقطة البداية علما أن المسألة مطروحة اليوم أمام مجلس الشورى بفعل المراجعة الجديدة التي تقدم بها كل من شربل نحاس ونجاح واكيم وغادة اليافي والتي يطلبون فيها تعيين هيئة اشراف على المال العام استنادا لقرار المجلس الدستوري رقم 5. فهل سيقدم مجلس شورى الدولة على إحياء اجتهاده القديم؟

 


[1] Décision numéro 62-18 L du 16 janvier 1962, http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil-constitutionnel/francais/les-decisions/acces-par-date/decisions-depuis-1959/1962/62-18-l/decision-n-62-18-l-du-16-janvier-1962.6400.html: « Considérant, d'une part, qu'aux termes de l'article 62 in fine de la Constitution : "les décisions du Conseil constitutionnel s'imposent aux pouvoirs publics et à toutes les autorités administratives et juridictionnelles" ; que l'autorité des décisions visées par cette disposition s'attache non seulement à leur dispositif mais aussi aux motifs qui en sont le soutien nécessaire et en constituent le fondement même »
[2] Décision n° 89-258 DC du 8 juillet 1989, http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil-constitutionnel/francais/les-decisions/acces-par-date/decisions-depuis-1959/1989/89-258-dc/decision-n-89-258-dc-du-8-juillet-1989.8648.html
[3] عن هذا الأمر، يراجع طارق المجذوب، أي أثر لقرارات المجلس الدستوري أمام القضاء الاداري؟ (قرار مجلس القضايا رقم 672 تاريخ 12/07/2010 نموذجا)، المفكرة القانونية، المفركة القانونية، العدد 13، كانون الثاني 2013.