يمتنع محامو بعلبك عن حضور الجلسات منذ نهار الإثنين الفائت تاريخ 16 تشرين الأول 2017 أمام المحاكم كافة في محافظة بعلبك- الهرمل. وتأتي هذه المقاطعة كردة فعل على التشكيلات القضائية الأخيرة التي أنقصت عدد قضاة بعلبك بدلاً من زيادته. وكان المحامون تلقّوا وعوداً بهذا الشأن من نقيب المحامين في بيروت أنطونيو الهاشم جراء اعتصام نفذوه أمام قصر العدل في بعلبك في تموز الماضي. النقص المستمر في عدلية بعلبك منذ سنوات طويلة آل إلى تراكم الملفات، حيث أنها ما عادت تتسع في خزائن قصر العدل. وفي هذا الصدد، يؤكد مفوض نقابة المحامين في بعلبك المحامي دريد ياغي أنه عدا محاضر الضبط المتراكمة، يوجد 3500 دعوى جزائية في الأدراج، كما 7270 شكوى. بالإضافة إلى 15100 دعوى نظرت فيها النيابة العامة ووقفت هنالك ولم يتم تحويلهم إلى مراجعهم. علاوة على ما تقدم، يوجد نحو 500 شكوى للمطالعة كما 637 ملف لدى الهيئة الاتهامية.

أمام هذا الواقع، آلت التشكيلات القضائية الأخيرة إلى الإجحاف في عدلية بعلبك إذ تم تعيين "قاضٍ منفرد مدني واحد يتولى ستة أقسام وهي المالية والعقارية والإيجارات والأحوال الشخصية والأمور المستعجلة والتنفيذ. وهذا القاضي نفسه ينظر في محكمتي الهرمل ورأس بعلبك في ستة أيضاً في كل منها، ليصبح ناظراً في 18 قسما. والأزمة الفعلية هي أن هذا القاضي مضطر أن ينتقل 60 كلم بين بعلبك والهرمل. وقد عبر للمفكرة بعض  المحامين عن امتعاضهم من نقل القاضي المنفرد المدني السابق في بعلبك علي سيف الدين، إذ أنه "كان منتجاً وهو الوحيد الذي تمكن من إنهاء جميع ملفاته في 6 أقسام". والواقع هذه التشكيلات تتناقض تماما مع الجداول المنظمة في سنة 2007 بشأن المراكز القضائية الواجب ملؤها والتي تلحظ إنشاء 11 قسما في محافظة بعلبك الهرمل (8 في بعلبك- دير الأحمر و3 في الهرمل-رأس بعلبك)، بحيث يصل النقص في الطاقات القضائية المنتدبة إلى أقسام هذه المحافظة إلى ما يزيد عن 80% بالنسبة إلى ما يجب أن تكون عليه.

جدول توضيحي بالشغور والنقص في الطاقات القضائية

 

بعلبك –دير الأحمر

الهرمل- رأس بعلبك

الأقسام

2 منتدبين (أي يعملون نصف دوام)

1 منتدب  (أي يعمل نصف الدوام)

الجداول

8 (كاملي الدوام)

3 (كاملي الدوام)

نسبة الشغور في المراكز القضائية

75%

66%

نسبة النقص في الطاقات القضائية

87,5%

83,33%

 

 

وفيما تلحظ هذه الجداول إنشاء غرفتين ابتدائيتين و3 غرف استئنافية في بعلبك، فقد تم تشكيل غرفة استئنافية واحدة في هذه المحافظة ولم تنشأ أي غرفة ابتدائية فيها.  

يعتب المحامون على نقابتهم بشكل عام وأيضا على نواب المنطقة. ونظراً للمطالبات المتعددة منذ سنوات لتحسين النظام القضائي في بعلبك التي لم تلق جواباً، يجد المحامي أحمد وهبي أن "المقاطعة هي الحل الوحيد المتبقي أمامنا". ويتلاقى رأي وهبي مع رأي المحامي جاد رزق، إذ يقول "نحن في بلد ديمقراطي وهذه الوسائل مقتنعون بها". يشير رزق إلى أن "الظروف الاستثنائية لمدينة بعلبك لم تتم مراعاتها في التشكيلات القضائية"، وذلك بدليل أن "هذه التشكيلات لم تؤدّ إلى حل المشكلة في محافظة بعلبك-الهرمل". كما يشدد رزق على أن "المعايير المتبعة في هذه التشكيلات ليست واضحة أيضاً".

من ناحية أخرى يلفت المحامي مهدي عاصي إلى تضرر المواطن بشكل مباشر من سوء التنظيم القضائي. وذلك يتمثل بفعل أمرين: "عدم وجود صندوق مالي وعدم وجود محكمة جنايات في بعلبك". فبذلك، يكون سكان "الهرمل مضطرين أن يعبروا مسافة تقارب الثلاث ساعات للوصول إلى زحلة لتقديم شكاويهم، أو لدفع الرسوم القضائية".

المقاطعة لتحقيق مطالبنا

مقاطعة حضور الجلسات مستمرة إلى حين تحقيق عدة مطالب، بعضها يتصل بالتشكيلات القضائية وبعضها الآخر بأمور استراتيجية. فبالنسبة للتشكيلات، يطالب المحامون بتكليف قاضيين في كل من الجزائي والمدني يضافان إلى القاضيين الحاليين. كما يطالبون بتكليف محاميين عامين وقاضي تحقيق ينظر في منطقة بعلبك الهرمل. بالإضافة إلى ذلك، "الإيعاز بجلوس محكمة الجنايات في البقاع بإحدى غرفتيها للنظر في الدعاوى العائدة لبعلبك الهرمل". و"إنشاء صندوق مالي في العدلية لتيسير أمور المحامين والعامة".

أما بالنسبة للمطالب الاستراتيجية، يشدد المحامون على أمرين أساسيين: الأول وضع خطة لإنشاء قصر عدل يليق بالقضاء وأهل بعلبك". والثاني "تعديل قانون التنظيم القضائي أو اقتراح قانون لتنفيذ قانون إنشاء المحافظة الصادر بالمرسوم رقم 522/2003".

الدولة تخلت عن بعلبك

تعاني بعلبك من حرمان حقيقي من نواحٍ متعددة خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تتمتع بها. لهذه الناحية، يؤكد المحامي ياغي أن "محافظة بعلبك-الهرمل تبلغ مساحاتها نحو 28 بالمئة من مساحة لبنان". بالتالي فإن "الدولة اللبنانية تخلّت عنها ولم تعطها فرصة للنهوض كونها مدينة ذات طابع عالمي". يوضح ياغي أنّ "أبرز الحرمان هنا يكمن في الأمن والقضاء"، كذا وأنّ "العجز في عدد القضاة في بعلبك لا يتناسب مع حجم المنطقة كما مع ظروفها الأمنية". خصوصاً وأن "التشكيلات الأخيرة عينت 8 قضاة ثلاثة منهم بالتكليف، أي يعملون كقضاة أصيلين في محاكم أخرى". لذلك، يقارن ياغي بين عدد القضاة في بعلبك وعددهم في زحلة بالقول إن "محكمة الجزاء وحدها في زحلة تحتوي على عدد قضاة يوازي العدد الموجود في عدلية بعلبك بأكملها". كما أن تخلّي الدولة عن بعلبك بالنسبة لياغي يكمن في مجالات أخرى. إذ يؤكد أنه "من النادر أن نرى تفتيشاً بأي شكل من الأشكال هنا إن كان ماليا أو قضائيا". ويضيف ياغي "حتى مفهوم دولة القانون غائب هنا إذ أن السلطة موجودة أحياناً لكن ليس الدولة. القانون في بعلبك لا يسري إلا على المعتر. المجرمون وتجار المخدرات وسارقو السيارات دائماً ما تؤمن لهم الحماية".

محافظ من دون محافظة

منذ إنشاء محافظة بعلبك-الهرمل في 2003 بموجب المرسوم 522 لم يتم إصدار المراسيم التطبيقية المكملة لهذا المرسوم. وذلك لأجل تعديل القوانين الإدارية لاستحداث مصالح لكل الوزارات ومنها قانون التنظيم القضائي. فمن شأن هذا الأخير تحسين الإنتاجية القضائية في بعلبك-الهرمل خصوصاً من ناحية زيادة عدد القضاة واستحداث محكمة جنايات وغيرها. يؤكد ياغي أن الرهان كبير على هذه المراسيم إذ أنه يرفض أن تكون "محافظة بعلبك-الهرمل التي أنشئت بفعل نضالات طويلة أن تكون تابعة قضائياً إلى زحلة بسبب المسافة البعيدة بين المنطقتين". كما يؤكد ياغي أن بعلبك-الهرمل هي محافظة بالشكل فقط، إذ أنه يوجد نحو ثلاثة موظفين إلى جانب المحافظ، أي بمعنى آخر يوجد محافظ دون محافظة". يقول إنه “منذ 14 عاماً لم تعمل الدولة على تنظيم المحافظة. فاليوم لا يوجد رؤساء مصالح وإدارات عامة، إنما اقتصر الوضع على رئيس مصلحة الصحة فقط" مشيراً إلى أنه "عُين بالتكليف".

نهار الجمعة غدا، يسعى المحامون في بعلبك إلى الاجتماع مع فعاليات المنطقة عند الساعة الرابعة عصرا لمناقشة التشكيلات القضائية الأخيرة والإهمال المتمادي الذي يطال بعلبك الهرمل على المستويين القضائي والإداري. ويذكر أن وفداً منهم قد اجتمع أمس مع رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد الذي أبدى تفهما ووعد ببذل الجهد.