قرابة انتهاء الحرب الأهلية في أوائل تسعينات القرن الماضي، بدأت تدريجيا ظاهرة استقدام عاملات أجنبيات للخدمة المنزلية، وظهر معها "نظام الكفالة" وما يسمح به من انتهاكات. وانطلاقا من هذا الواقع المؤلم ومن التزام المفكرة القانونية بتخصيص حيز كبير من عملها لدرس العلاقة بين الفئات المهمشة والقضاء، تم التعاون مع منظمة العمل الدولية سنة 2013 لمتابعة قضايا عاملات المنازل الأجنبيات أمام القضاء بشكل نتوخاه منتظما وممنهجا. فالقضاء هو المرجع المخوّل للبت في النزاعات التي تنشأ بين الأشخاص في واقع حياتهم اليومية، وهو علاوة على ذلك الجهة التي بوسعها، اذا أرادت وتسنى لها نشر أعمالها والتعليق عليها أن تكون ساحة لمراجعة مجتمعية ذاتية ومتواصلة للآراء والمواقف المسبقة ومعها لظواهر الظلم والسلطوية والافتئات من الحقوق الأساسية للفئات الأضعف. ويسرنا اليوم أن نعيد إطلاق هذا التعاون وفق الروحية نفسها (المحرر).

 

بدأت القضية موضوع التعليق في سنة 2012 حين تقدمت سيدة لبنانية لدى النيابة العامة بشكوى ضد العاملة البنغالية لديها، ادّعت فيها أنها "فرت" من عندها منذ أكثر من تسعة أشهر وأنها تأخرت عن إبلاغ السلطات العامة بسبب إجرائها عملية جراحية. وبخلاف ما يجري في العادة، تمّ استدعاء "الكفيلة" للاستماع إلى أقوالها: فتبين من التحقيق معها أنها أبرمت عقد استخدام مع العاملة الأجنبية بعد تنازل كفيلتها الأولى عنها. بعد انتهاء صلاحية إقامة العاملة في لبنان، تخلفت "الكفيلة" عن تجديدها. وبررت "الكفيلة" ذلك بوجود استحالة بفعل صغر منزلها الذي هو مجرد غرفة ناطور في طابق أرضي لبناية. وأهم ما كشفه التحقيق الذي أجراه الأمن العام مع المدعية، هو أن الإدعاء كاذب بمعنى أن العاملة كانت طوال الفترة الماضية تعمل لدى الغير بمعرفة المدعية (وربما لمصلحتها) مما ينفي واقعة الفرار وأنها هي التي لم تقم بأي إجراء لتجديد إقامتها أو لإبلاغ الأمن العام بفعل صغر منزلها. وعند سؤالها فيما إذا تقاضت منها مبلغ مالية، أفادت الكفيلة أن العاملة سلمتها مبلغا ماليا قدره 600 د.أ لشراء بطاقة السفر، لتعود من ثم لتدّعي أن المبلغ سُدّد لتسوية وضعها. كما أجابت بالإيجاب عند سؤالها إذا كانت ما تزال تحتفظ بجواز سفرها. وتبعا لذلك، وفي موقف لافت، ادّعت النيابة العامة على "المدعية" على خلفية اختلاق جرم وافتراء ومسؤوليتها في عدم تجديد إقامة العاملة لديها، كما ادّعت على العاملة على خلفية مخالفة قانون الأجانب (تغيير نوع عملها دون إعلام وزارة العمل وتغيير مكان إقامتها دون إبلاغ الأمن العام اللبناني وعدم تجديد إقامتها). وقد جرت الدعوى بغياب العاملة التي لم يستمع إلى أقوالها قط ولا يعرف فيما إذا كانت في لبنان أم غادرته. وبتاريخ 29 أيار 2017، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في بيروت حكما بإدانة المدعى عليهما بالجرائم المدعى بها. ويلحظ أن عقوبة الكفيلة من جراء الجرائم المدعى بها حددت بمائة ألف ليرة لبنانية، فيما بلغت عقوبة العاملة ثلاثمائة ألف ليرة لبنانية.

وهذه القضية هامة من حيث الأضواء التي تلقيها على خمس ممارسات من شأنها إلحاق أضرار كبيرة في حقوق العاملات:  

1- تطور ظاهرة الكفالة الوهمية

يعمد عدد من الأشخاص بتسجيل عاملات على أسمائهم على أن يعملن لدى أشخاص آخرين. وقد يتم ذلك من باب التساهل مع العاملة ولكن في أحيان أخرى من باب الاستغلال. وفي هذه الحالة، تصبح رابطة الكفالة الوهمية رابطة استغلال قد تتوفر فيها شروط العمل القسري، أحد أشكال الإتجار بالبشر. وفيما يسجل إيجابا سؤال الكفيلة عمّا إذا تقاضت من العاملة أموالا، لا نلحظ في القضية المذكورة أي مسعى لاستكشاف حقيقة هذا الرابط رغم كثرة التناقضات في كلام "الكفيلة"، بخصوص الغاية من المبلغ المسدد إليها.     

2- عدم تجديد إقامة العاملات رغم بقائهن في لبنان

الممارسة الثانية التي تضيئ عليها هذه القضية تكمن في استسهال عدد من أصحاب العمل عدم تجديد إقامات العاملات رغم بقائهن في لبنان، تفاديا للأكلاف. ويزيد احتمال حصول هذا الأمر في حالة الكفالة الوهمية، في حال لم تعد "الكفيلة" تجد مصلحة في ذلك أو في حال وجدت أن كلفة تجديد الإقامة هي أكبر من المنافع الناجمة عن ذلك. وغالبا ما يحصل ذلك من دون إعلام العاملة التي تصبح في وضع غير نظامي في لبنان، ومن دون تمكين هذه الأخيرة من القيام بذلك لأسباب عدة، منها عدم حيازتها لجواز سفرها. وتبعا لذلك، تتعرض العاملات للاحتجاز والمعاقبة والترحيل لأسباب خارجة عن إرادتهن، وهي أسباب تقارب حالة القوة القاهرة في الكثير من الحالات. وفيما سعت المدعية إلى التحرر من المسؤولية الجزائية الناجمة عن عدم تجديد الأوراق من خلال ادّعاء فرار العاملة، فإن إجراءات التحقيق معها تميّزت إيجابا في عدم التسليم بهذا الادعاء وصولا إلى إثبات أنها وافقت تماما على عملها لدى آخرين وأنها كانت على تواصل معها، وأنها تاليا شريكة في جرم عدم تجديد الإقامة. ويرجح أن يكون التدقيق في صحة الوقائع حصل بفعل تأخر المدعية في تقديم شكوى الفرار، وأنه ما كان ليحصل لو تم في ظروف أخرى. فضلا عن ذلك، فإن غياب العاملة عن الدعوى حرمها وحرم المحكمة من إمكانية مناقشة مدى مسؤوليتها في هذا الشأن، على خلفية توفر شروط القوة القاهرة، فصدر بحقها الحكم غيابيا.

3- اختلاق الجرائم والإفتراء بحق العاملات

المسألة الثالثة التي يضيئ عليها هذا الحكم هي الممارسة المزمنة والمنتشرة في أوساط أصحاب العمل باستسهال الافتراء أو اختلاق جرائم بحق العاملات لتحقيق مصلحة ما، قد تكون التملص من موجباتهم تجاهها أو تجاه السلطات العامة كما سبق بيانه أو استرداد الكفالة المودعة منهم لدى مصرف الإسكان. ومن أكثر هذه الافتراءات انتشاراً، الادّعاء على العاملة بالفرار وبالسرقة، علماً أن المدعية قدمت شكوى بالفرار فقط في هذه القضية. وهنا تميّز عمل النيابة العامة ومن بعدها المحكمة في الحكم على الكفيلة بالافتراء واختلاق جرم الفرار على أساس المادة 402 من قانون عقوبات. ومن هذه الزاوية، يشكل هذا الحكم سابقة هامة لردع أصحاب العمل الذين يقدمون ضد العاملات شكاوى بالسرقة من دون أن يتوفر لديهم أدنى دليل، على نحو يضع حدا لظاهرة الافتراء هذه. ويشار إلى أنه حتى اللحظة، ورغم كثرة الأحكام المتصلة برد دعاوى السرقة وبإعلان براءة العاملات، فإننا لا نجد أي دعوى افتراء على هذا الأساس.   

4- عدم تناسب العقوبة مع خطورة الجرم

أن العقوبة المقررة على الكفيلة عن كل ما تقدم هي مائة ألف ليرة لبنانية. وأمام الأفعال المرتكبة أعلاه، يجدر التساؤل فيما إذا كانت هذه العقوبة تتناسب مع خطورة الممارسات المرتكبة والتي من شأنها أن تعيق عمل السلطات العامة وتحرمها من إمكانية تتبع أوضاع الأجانب في لبنان وأن تضع العاملات في أوضاع هشاشة تسهل عمليا الإتجار بهن. ولإدراك ذلك، يكفي أن العقوبة تصل إلى ثلاث سنوات فيما يتصل بمخالفة شروط الإقامة  وإلى ستة أشهر بما يتصل بالإفتراء. هذا من دون التطرق إلى الجرائم الأخرى التي يمكن أن تكون ارتكبت وإن بقيت غير مثبتة بفعل النقص في التحقيقات وغياب العاملة. وما يزيد الأمر قابلية للنقد هو إنزال عقوبة قدرها ثلاثمائة ألف ليرة لبنانية بحق العاملة. 

5- الاستمرار في استخدام عبارة "فرار" و"هروب"

تمّ استخدام عبارة "فرار" أكثر من مرة في التحقيقات وفي الحكم. فقد وردت تسع مرات في التحقيقات الأولية، ومرة واحدة في الحكم. ويصعب فهم هذه الكلمة خارج حالات الاستعباد: ففقط في هذه الحالة، يشكل ترك العامل مكان عمله فرارا، أما في علاقات العمل، فيشكل هذا الفعل استقالة أو إنهاء لعقد العمل بإرادة العامل. وعليه، الاستمرار في استخدام هذا الوصف إنما يعكس تصورا اجتماعيا يتخيّل في عمقه علاقات العمل المنزلي على أنها علاقات استعباد. أن يعبّر ناس عاديون عن هذا التصور هو أمر مقلق، لكن أن يصدر هذا الوصف عن أجهزة رسمية أو عن قضاة فهو أمر يتنافى مع مقدمة الدستور والإعلان العالمي المذكور فيه، وقوامه أن الناس متساوون وأحرار.

محتوى هذه الوثيقة هو حصراً من مسؤولية المفكرة القانونية ولا يعكس بأي شكل من الأشكال آراء  الجهة الداعمة. تم إنتاج هذا المقال في إطار برنامج "العمل بحرية" الذي تنفذه منظمة العمل الدولية  ووزارة التنمية الدولية البريطانية.

  نشر هذا المقال في العدد 51 من مجلة المفكرة القانونية