بتاريخ 20 أيلول 2017 أقر مجلس النواب مشروع قانون تجريم التعذيب، بعد إدخال مجموعة من التعديلات عليه[1]. وجاء إقراره بهذه الصيغة بعدما تمت مناقشته خلال جلسة سابقة عقدت في 17 آب، عبّر خلالها عدد من النواب عن قبولهم لممارسات التعذيب في الحالات التي تكون فيها عبارة عن "كف أمني"[2]. وتطرح بشكل منتظم تساؤلات كثيرة حول جدية الدولة اللبنانية في مناهضة التعذيب. في هذا السياق، قابلت المفكرة القانونية الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في لبنان، عبد السلام السيد أحمد، لسماع رأي المفوضية بالواقع اللبناني على مستوى مناهضة التعذيب . تجدر الملاحظة الى أن المقابلة كانت يوم 20 أيلول، قبل ساعات من إقرار اقتراح قانون تجريم التعذيب الذي كان تقدم به النائب غسان مخيبر. ويلحظ أن الغالبية النيابية انتهت إلى حذف المادة المتصلة بنقل صلاحية النظر في جميع قضايا التعذيب إلى المحاكم العدلية وبتجاوز الإذن السمبق لملاحقة المشتبه بهم بالتعذيب، علما أن  المادة 15 من قانون اصول المحاكمات الجزائية تجعل المحاكم العدلية صالحة في حال التعذيب المرتكب من الضابطة العدلية فقط. ومن المعلوم أن إبقاء المحكمة العسكرية صالحة للنظر في جرائم تتجاوز ما هو متعلق صرفا بالعسكريين  هو أمر لا ينسجم مع التزامات العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية الذى صادق عليه لبنان، كما يهدد بنسف حق ضحايا التعذيب بالمشاركة في إجراءات التحقيق والمحاكمة ومعه الحد الأدنى من شفافية هذه الإجراءات. وقد سبق أن نبهنا    للغموض الذي شاب  قضيتي الاعتداء على سجناء رومية ووفاة أربعة موقوفين[3] لدى الجيش في ظروف غامضة في أواخر حزيران الفائت (المحرر).

1- كيف تقيمون لبنان في مجال مناهضة التعذيب؟

"لبنان بلد يدرك أهمية حقوق الإنسان، وقد كان رائداً في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لكن فيما يتعلّق بموضوع التعذيب، لا يزال واقع لبنان لا يتناسب مع إلتزاماته الدولية في هذا المجال[4]. فعلى الرغم من إقرار القانون المنشئ للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والمتضمن للجنة الوطنية للوقاية من التعذيب، الصادر في  تشرين الأول 2016، لم تتم حتى اللحظة تسمية أعضاء هذه الهيئة. أما على صعيد تجريم التعذيب، فلا يوجد حتى اللحظة سوى مشروع قانون تجريم التعذيب ويصادف أنه معروض اليوم على الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت عليه.

من جهتنا نرى أن هناك دواع للقلق من ممارسات التعذيب المستمرة التي تحصل في لبنان. وبعيداً عما إذا كانت ممنهجة كما تصنفها لجنة مناهضة التعذيب أم فردية كما تقول الدولة اللبنانية، تبقى الحقيقة بأن ممارسات التعذيب منتشرة في مخافر الأجهزة الأمنية، وصدر مؤخراً تقريران يثبتان الأمر[5]. ويعود ذلك الى كون البعض في لبنان يعتمد الاتجاه التقليدي  الذي يعتبر الإعتراف دليلا أساسياً، ما يجعل التعذيب وسيلة للوصول إلى الاعتراف. هذا القلق يتفاقم بالنسبة إلى المتهمين بالإرهاب والتحريض على هذه الأعمال.

2- ما رأيكم بمشروع قانون تجريم التعذيب المعروض اليوم على مجلس النواب، وبالنقاشات التي دارت في جلسة 17 آب حول هذا المشروع لا سيما لناحية:

- إعتبار التعذيب مقبولاً متى هدف لحماية الأمن الوطني.

- رفض مثول العسكري أمام المحاكم العادية والتخوف من إلغاء القضاء العسكري؟

نحن كمفوضية شاركنا في وضع مشروع قانون تجريم التعذيب، وهذه النسخة منسجمة مع تعريف الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. نحن نفترض أن تقر كما هي لوجود توافق سياسي عليها في ظل مشاركة جميع الأطراف في مناقشتها. أما في حال عدم إقرار مشروع القانون كما أقر في اللجنة، فالأمر سيطرح إشكالية سببها تراجع الإرادة التي تم التعبير عنها في مجال مناهضة التعذيب.

وقد يطرح الهاجس الأمني كذريعة لنسف الضمانات اللازم توفرها لمناهضة التعذيب. وهذه الذريعة ليست مقتصرة على لبنان، فما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث أيلول 2001 وما يحدث الآن في بريطانيا، خير مثال على ذلك. لكن تراجع الدول الكبرى على صعيد هذه الضمانات لا يمكن أن يبرر تراجع الدولة هنا. نحن لا ننكر أهمية قيام الدولة بعمليات استباقية بهدف حفظ الأمن. لكننا نقول أن مكافحة الإرهاب لابدّ من أن تتم في إطار إحترام حقوق الإنسان بما في ذلك حقوق المشتبه بهم.

أما لناحية عناصر الأمن والعسكريين، فلا بد من التذكير أنهم تحت القانون وليسوا فوقه. وهم بالتالي كأي موظف عام، تجب مساءلته عندما يخرق القانون. فيما يتعلق بالتعذيب بشكل خاص، لايمكن التذرع بأوامر الرؤساء، ما يعني أن تعذيب مواطن أو مشتبه به،  يجب أن يؤدي إلى محاسبة مرتكبه قضائياً بشكل مباشر.

بالنسبة للمحكمة العسكرية، توجد إشكالية قديمة تعود لعام 1997: وقتها قدم لبنان تقريره أمام لجنة حقوق الإنسان المكلفة بمراقبة  مدى التزام الدول الموقعة على العهد الدولى   للحقوق المدنية والسياسية. وقد لحظت اللجنة آنذاك في توصياتها ضرورة تضييق صلاحيات القضاء العسكري. بهذا المعنى، يمكن أن ينظر القضاء العادي في المسائل المتعلّقة بالتعذيب، بحيث يستفيد المدعى عليه من ضباط وعسكريين وعناصر أمن من كل الضمانات التي يتمتع بها المتقاضي المدني أمام هذه المحاكم.  

اختصاص القضاء العسكري في لبنان من الأمور التي تشعر لجنة مناهضة التعذيب بالقلق. وقد أوصت اللجنة بمنع المحكمة العسكرية من محاكمة المدنيين لاسيما الأطفال. ويفترض أن يبت لبنان بهذه التوصية قبل تقديمه تقريره  لـ 2018. ونحن نأمل أن تستجيب الدولة اللبنانية لهذه التوصية.

3- حصلت في 30 حزيران عملية مداهمة للجيش اللبناني لمخيمات اللاجئين السوريين في جرود عرسال. ما هو تعليقكم على مسار التحقيقات التي حصلت في هذا الشأن وكيفية تعامل الدولة اللبنانية مع الأمر؟

أصدرت إثر وفاة أربعة موقوفين وقتها بياناً طلبت فيه من السلطات المعنية إجراء تحقيق مستقل حيادي على وجه السرعة. ومن خلال تواصلنا مع الجيش والجهات العدلية المختلفة علمنا أنه تم الشروع بإجراء التحقيق ونحن لا نزال حتى اللحظة بإنتظار النتائج التي لم تظهر.

فخلال ثلاثة أشهر مرت كان لابدّ من صدور نتائج التحقيق. أما لناحية التقرير الذي أنهته لجنة الأطباء المعينة من قبل المحكمة العسكرية، فلا بد أن يتم نشر نتائجه كتفسير للرأي العام، ويجب أولاً السماح لأهالي الموقوفين والضحايا الاطلاع عليه. وهكذا، في حال ثبت وجود مخالفات، تتم محاسبة المسؤولين. الأمر نفسه حدث بالنسبة لفيديو التعذيب في سجن رومية. فبعد مرور 3 سنوات على الحادثة، لم نرَ نتائج التحقيقات التي قيل انها فتحت. نشر نتائج هذه التحقيقات هو الوسيلة الوحيدة للتأكد من جدية لبنان في مناهضة التعذيب.

4- ما هي توصياتكم للسلطات اللبنانية فيما يتعلق بموضوع التعذيب؟

يجب على الدولة أن تقوم بتفعيل لجنة تضع خطة لتطبيق التوصيات التي تلقاها لبنان من لجنة مناهضة التعذيب منذ عام 2013 وما تلاها من توصيات لاسيما لناحية الأمور القانونية والمحكمة العسكرية وظروف الاحتجاز. لكن في حال وجود عقبات أمام التحسينات الأساسية، فهناك أشياء بسيطة يمكن تنفيذها مباشرةً دون اللجوء إلى البرلمان، ومنها إجراء تحقيقات شفافة، وتجهيز غرف التحقيقات بالكاميرات والسماح للمحامين بحضور التحقيقات الأولية. فمناهضة التعذيب يصب في مصلحة لبنان ولا يؤدي الى تقويض  الأمن فيه أو إضعاف معنويات الجيش أو قوى الأمن  والهدف فى نهاية المطاف هو حماية المواطنين وصيانة حقوقهم.

 

نشر هذا المقال في العدد 51 من مجلة المفكرة القانونية


[1] - مراجعة: رانيا حمزة "مخيبر يسجل إنجازه الثالث في أقل من سنة، مجلس النواب يعاقب التعذيب شرط شرط مراعاة المحكمة العسكرية"، 20/9/2017
[2] - رانيا حمزة: "نقاشات معيبة في مجلس نواب لبنان: التعذيب عمل أمني ومن دونه على الدنيا السلام"،18/8/2017
[3] - المفكرة القانونية، "قضية الموقوفين المتوفين خلف أبواب العسكرية... أي مصداقية بعد غسكات محامية الدفاع؟"، 25 تموز 2017
[4] - وقع لبنان عام 2005 إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللانسانية أو المهينة، كما إنضم عام 2008 الى  البروتوكول الإختياري الملحق بالإتفاقية، الذي يلزم الدولة الطرف بإنشاء لجنة وطنية لمناهضة التعذيب.
[5] - تقرير خاص قامت به لجنة مناهضة التعذيب في نيسان 2013 وصدر ملخص عنه.  وبعد نقاش مع السلطات اللبنانية حول الزيارة والنتائج التي اظهرها التقرير، سجل لبنان تحفظات على نشر التقرير كاملاً، فنشر ملخص موسع نوعاً ما حول نتائج الزيارة، وتضمن المللخص التقرير الذي قدّم للجمعية العامّة عام 2014.