أثار الوزير السابق ابراهيم شمس الدين قضية وضع اليد الفعلي على جامع "الإمام الصادق" والمنشآت التابعة له، وذلك في عدد من المؤتمرات الصحفية، آخرها في 7 آب 2017. وفحوى القضية أن المجلس الشيعي الأعلى أعلن بعض الأماكن التي تملكها "الجمعية الثقافية الخيرية" برئاسة شمس الدين وقفيات تابعة له، ومن دون المرور بآليات الاستملاك أو مراعاة حقوق الملكية بأي طريقة كانت. وكان لا بد للمفكرة أن تتابع هذه القضية، لجهة مسّها بأحد أكثر الحقوق ترسخا في الدستور ومنظومة حقوق الإنسان، وهو حق الملكية. ورغم تجنبنا الأبعاد السياسية للقضية، سرعان ما ظهرت لنا مسألة لا تقل أهمية قوامها القوة الفعلية التي بإمكان المراجع الدينية ممارستها لدى الإدارات العامة للدولة. فبدل أن تؤدي هذه الإدارات دورها في ضمان التزام هذه المراجع بأحكام القانون، تراها تحلل لها أي تصرف ترغب به مهما كان منتهكا لهذه الأحكام. وهذا ما تود المفكرة إبرازه في هذا المقال. وهي إذ تؤكد منعا لأي تأويل احترامها لجميع الطوائف والمرجعيات الدينية، فهي في الآن نفسه تبقى ملتزمة بالدفاع عن الحقوق الأساسية في وجه أي سلطة تستبيح عن قصد أو غير قصد هذه الحقوق (المحرر).  

 

أول فصول هذه القضية تمثل في المرسوم رقم 20/2011 الصادر عن مجلس الوزراء موقعاً باسم "نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عبد الأمير قبلان" في تاريخ 16/8/2011. وقد آل هذا المرسوم إلى وضع كل المساجد والمصليات وما شابهها من دور العبادة والتي تدخل ضمن نطاق سلطة وقف الطائفة الإسلامية الشيعية أوقافاً خيرية عامة لهذه الطائفة. كما أكد على وجوب قيدها على اسم وقف الطائفة الإسلامية الشيعية. وقد تبع هذا القرار مرسوماً آخر، فبتاريخ 1/12/2016 أصدر قبلان القرار رقم 21/2016 اعتبر فيه جميع العقارات المستعملة كمدافن لعموم أبناء الطائفة الشيعية في جميع القرى والمدن اللبنانية أو التي تخصص لاستعمالها، والتي تدخل ضمن نطاق سلطة وقف الطائفة الشيعية أي في القرى التي يسكنها مسلمون شيعة، أوقافاً عامة لهذه الطائفة، وتخضع لسلطة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

ورغم نشر الوثائق المذكورة أعلاه في الجريدة الرسمية، لم تلقَ آنذاك أي تعليق إعلامي. ولم يتنبه لها الرأي العام إلا بعدما سعى المجلس الأعلى إلى وضع المرسوم موضع تنفيذ فيما يتصل بالأماكن التي تشغلها الجمعية الثقافية الخيرية في محيط حرج بيروت. وآخر الأخبار الإعلامية في هذا الصدد تمثل في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس هذه الجمعية الوزير السابق ابراهيم شمس الدين (وهو نجل الإمام الراحل محمد شمس الدين) في 7 آب 2017 للحديث عن النزاعات القضائية القائمة بينه وبين المجلس بهذا الخصوص. وقد رفع شمس الدين في مؤتمره المذكور نبرة الكلام متحدثا عن "استيلاء المجلس على حقوق الغير وإقصائهم باستعمال الشعار الديني". وقد غمز شمس الدين خلال حديثه إلى الأبعاد السياسية للإجراءات المتخذة، متحدثا عن استهدافه بشكل خاص على خلفية معارضته لسياسة رئيس مجلس النواب نبيه بري. وإذ أدلى في مؤتمره الصحفي بأن عناصر "تابعة لعين التينة" تقوم بالتعدي على مجمع الإمام شمس الدين، وتدخله عنوة ليلاً ونهاراً وتهدد وتشتم"، أوضح أن مدعي عام بيروت قد رفض قبول شكاوى محامي الجمعية، خصوصا التي رفعها ضد حسين عبد الأمير دمشق وهو المكلف بتطبيق إجراءات الوقف على أبنية الجمعية. ولم يتسنّ لنا التأكد من هذه المعلومة الخطيرة من مرجع محايد.

وما يعزز الحديث عن وجود استهداف، هو احتمال حصول انتقائية ذات طابع سياسي في تطبيق هذا المرسوم أو على الأقل في استعجال تطبيقه وفقاً لما لفت إليه مصدر مطلع على سياسيات المجلس. وقد استبعد المصدر أن يتم تطبيقه على الأبنية الدينية التابعة لجهات نافذة في الطائفة الشيعية. وقد حاولت المفكرة التواصل مع جهات أخرى للاستيضاح حول هذه المعلومة إلا أن الجميع رفض الحديث بالقضية. ولدى سؤال المفكرة لمحامي المجلس ضياء الدين زيبارة عن هذ الأمر، أشار إلى أن المرسوم قد وضع موضع التطبيق على الأبنية التابعة للجمعية الخيرية الثقافية كما على مسجد الصفاء التابع للجمعية الإسلامية الخيرية العاملية حتى الآن. وأكد أن المجلس سيستكمل الإجراءات في وقت لاحق دون تمييز.

حقوق الجمعية الخيرية الثقافية: الانتهاكات المدعى بها

بالعودة إلى تفاصيل النزاع، يفيدنا شمس الدين أن الجمعية الثقافية الخيرية كانت استحصلت في العام 1983 على موافقة بلدية بيروت بإشغال أقسام من العقار 1925 من قبيل التسامح لمدة 99 عاماً، على أن تعود الإنشاءات المقامة عليه من قبل الجمعية إلى بلدية بيروت دون أي مقابل. منذ ذلك الحين، أنشأت الجمعية على العقار المذكور مجموعة من الأبنية، من بينها مسجد الإمام الصادق والمعهد الفني الإسلامي كما أنها هي التي تتحمل كامل تكاليف تشغيلها. وهو يرى أن هذه الحقوق تم التعرض لها من خلال ثلاثة أساليب مخالفة للقانون:

الأول، وقف من دون ملك. هنا يرى شمس الدين أن "كون العقار مملوكا من بلدية بيروت وأن حقوق الجمعية يتصل فقط في الإيجارة الطويلة يجعل من غير القانوني وقفها كما حصل". وبسؤال المحامي زيبارة عن هذا الأمر، لم يدلِ هذا الأخير بأي حجة قانونية، مكتفيا بالقول بأن وقف المنشآت المذكورة تم بوصية من الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهي وصية حررها بنفسه قبل وفاته بتاريخ 28/6/2000. وبمراجعة نسخة هذه الوثيقة المسلمة إلينا من المحامي زيبارة، يتبين بالفعل أن الإمام أصدر بموجبها صكا جاء فيها حرفيا الآتي أنه أوقف  "متقرياً إلى الله تعالى مبنى المسجد الجامع الإمام الصادق عليه السلام ليكون مسجداً، كما وقفت مركز المؤتمرات الواقع تحته للغايات المثبتة في الوثيقة المرفقة، وجعلت لنفسي الولاية المطلقة ما دمت حياً على المسجد الجامع ومركز المؤتمرات المشيد على العقار 1925 المزرعة، وجميع ما يتعلق به من الأبنية والساحات والحدائق على نحو يشمل جميع التصرفات بما في ذلك بصب الولي عليه بعد وفاتي ووضع نظام الولاية للأولياء المتعاقبين من بعدي".

وعند مراجعة السيد شمس الدين بهذه الوثيقة، اعتبر أنه ليس بإمكان المجلس الاستناد إليها للأسباب الآتية:

أولاً، "أن إيقاف هذه المنشآت غير شرعي إذ أنه يشترط في الوقفية أن يكون مالكاً للعين الموقوفة، عدا عن أن الإمام الراحل لا يمكنه أن يعلن وقفية الأبنية منفرداً". يتابع "لكن إن سلمنا جدلاً أن الإمام أوقفها فهو لم يوقف المنشآت المذكورة بصفته الرئاسية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بل بصفته الولي على الجمعية الخيرية الثقافية... وهو بأية حال لم يشر في الوصية على أن الوصي على الوقف سيكون المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بل الأولياء المتعاقبين من بعده". إضافة إلى ما تقدم، يؤكد شمس الدين أن "صك الوقفية لم يوضع موضع التنفيذ، والا لكان تم قيد المباني المذكورة لدى السجل العقاري بأنها وقف".

وبمراجعة رجل دين طلب عدم ذكر اسمه حول صحة أسناد القضية، أوضح أنه "يستوجب على الواقف أن يكون مالكاً للبناء والأرض في الوقت نفسه. وعليه، لا يصح إطلاقا إنشاء وقفية على عقار غير مملوك كما هي حال العقار الذي تشغله الجمعية الثقافية الخيرية". وقد أردف تعليقا على وثيقة الإمام أن هذا الأخير "لم يحدد الجهة التي ولاها إدارة الوقف بل أشار إلى الأولياء المتعاقبين من بعده. وفي هذه الحالة، يكون الأولاد هم ورثة الولاية على الوقف وذلك بتحديده عبارة "الأولياء المتعاقبين من بعدي". ثم يتساءل الرجل عن سبب إعلان الإمام الراحل الوقفية على أرض لا يملكها مفترضاً أن يكون الإمام قد اعتبر أنه استملك الأرض مع مرور الزمن.

ثانياً، يرى شمس الدين أن صلاحيات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مناطة في تنظيم شؤون الأوقاف وليس وضع جميع الأوقاف تحت سلطته. وهو يرى أنه لو كان للمجلس الشيعي الأعلى صلاحية في المحافظة على الأوقاف التي أوقفت أصلاً للمجلس لذا فإن الواقف هو الذي يحدد الولي على الوقف وليس المجلس، وبالتالي تعود شؤون إدارة الوقف إلى المتولي عليها. من ناحية أخرى يستند شمس الدين الى قانون تنظيم شؤون الطائفة الشيعية الذي يشير في المادة الثانية منه إلى أن من مهام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تنظيم أوقاف الطائفة وإحيائها والعناية بها فقط. بالتالي يشير إلى أن "القرار رقم 21/2016 صادر عن مرجع غير مختص، إذ أن نقل الملكية العقارية يعود إلى السلطة القضائية". كما يعتبر شمس الدين أنه لا صلاحية للمجلس لمصادرة الملكية الخاصة عبر إقرار تقييد عقارات تابعة لملكيات خاصة باسم أوقاف الطائفة الشيعية، كما لا يخوله القانون 72/67 (تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية الشيعية) ذلك، إذ تحصر المادة الثانية من القانون نفسه التي يستند اليها القرار مهمة المجلس الإسلامي تنظيم الأوقاف فقط وليس نقل ملكيتها. لذلك فإن القرار رقم 21/2016 لا يقع ضمن إطار تنظيم الأوقاف".

ثالثاً، يعتبر شمس الدين أن ولاية القرار صدر عن مرجع كانت منتهية ولايته عند إصدار القرار 20/2016، إذ يرى أن "رئيس المجلس الحالي الشيخ عبد الأمير قبلان قد أصدر القرار بصفته نائب رئيس، إذ أن ولاية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى منتهية منذ أكثر من 15 عاماً، كذلك بالنسبة الى الهيئتين التشريعية والتنفيذية". لهذا يعتبر شمس الدين أن "القرار باطل".

استملاك أم تنظيم أوقاف؟

تؤكد المادة 15 من الدستور اللبناني أن "الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن ينزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون ويعد تعويضه منه تعويضاً عادلا". حين سألنا محامي المجلس عنه عن كيفية توفيق القرارات مع المادة 15، أشار إلى أن هذه المادة لم تدخل في حسبان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي يستند إلى قانون تنظيم شؤون الطائفة الشيعية.

في مقابل ذلك، يشرح زيبارة أن الأوقاف اللبنانية تخضع للشريعة الإسلامية، إذ أنه "لا يوجد نص قانوني يفند طبيعة الأوقاف وشروطها". ولا يتوانى زيبارة عن إشهار القانون العثماني الخاص باستملاك الجوامع الشريفة والمؤسسات الخيرية وما فوقها وتحتها وكائن في حرمها (صادر في 25/6/1328)، والذي يؤكد في المادة الأولى منه أنه "يحق لنظارة الأوقاف أن تستملك ما هو كائن فوق وتحت الجوامع والمؤسسات الخيرية المربوطة بنظارة الأوقاف وما في حرمها ومشتملاتها". وهو يشير إلى أنه يبرزه كنموذج للتدليل على أهمية الأوقاف منذ أيام الاحتلال العثماني وأن هذا النص لم يعدل منذ ذلك الحين. إلا أن التدقيق في هذا القانون يظهر أن مادته الثانية تؤكد بصريح العبارة أن المعاملة تجري في هذا الشأن "وفقاً لقانون الاستملاك". 

ومن هنا، يتبين أن هذا القانون لا يزيد شيئا سوى إعطاء نظارة الأوقاف حقا بالمطالبة بأن يتم استملاك الجوامع والمؤسسات الخيرية المربوطة بنظارة الأوقاف لصالحها، على أن يتم ذلك وفق آليات قانون الاستملاك، أي تبعا لتسديد تعويض عادل. هنا يكمن التناقض في إصدار المراسيم التي تتعارض مع النظام العام، إذ أن المرسوم رقم 20/2011 أعطى صلاحية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى باستملاك منشآت وقفية دون أن يلحظ أيا من آليات الاستملاك بما فيها آليات التعويض لأصحابها.

ويذهب زيبارة الى أبعد من ذلك، ليقول إن "الجمعيات الخيرية التي أسسها مسلمون شيعة تخضع أيضاً لسلطة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى". وهو يقول: "الجمعية الخيرية الثقافية أنشئت بموجب ترخيص صادر عن وزارة الداخلية، كما هي تخضع حكماً لولاية المجلس الإسلامي الشيعي". ولهذه الناحية، يقول إن “المجلس سمح بتعيين شمس الدين رئيساً على الجمعية إكراماً لوالده". وهو بذلك يقر للمجلس ليس فقط وضع اليد على أملاك الجمعية، إنما على إدارة الجمعية نفسها على نحو يتعارض تماما مع قانون الجمعيات 1909 والمادة 13 من الدستور التي تقر بحق المواطنين كافة بتأسيس جمعيات وبإدارتها بحرية. 

تلاعب بالمصطلحات بهدف زيادة المنشآت الموقوفة؟

 بهدف وضع المرسوم موضع التنفيذ، أصدر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 10/7/2015 القرار رقم 10/2015 الخاص بوقفية مسجد الإمام الصادق (ع) المشاد على العقار 1925 منطقة المزرعة العقارية. ولم يكتف القرار بما كان أدخله المرسوم ضمن الوقفية من أبنية، بل أضاف إليها وقفية مركز المؤتمرات المشاد تحت المسجد وجميع ما يتعلق به من الأبنية والساحات والحدائق. وقد صادقت المحكمة الجعفرية في بعبدا على القرار بتاريخ 4/8/2015، لتحيله إلى السجل العقاري ليتم تدوينه على الصحيفة العينية.

ولدى الاستفهام من محامي المجلس ضياء الدين زيبارة عن هذه القضية وكيفية توسيع تعريف الأبنية الموقوفة، أفادنا هذا الأخير أن القرار يستند ليس فقط على المرسوم إنما أيضا على الوثيقة المحررة من الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين والمشار إليها أعلاه.

وتجدر الإشارة إلى تغيّر التوصيفات التي أسبغها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على المباني المحيطة بالمسجد، مما يطرح تساؤلات إضافية حول مدى قانونية هذه القرارات. ففيما اقتصر المرسوم على المساجد والحسينيات والمصليات وما شابهها من دور عبادة، نص القرار الرئاسي الصادر في 2015 على اشتمال الوقفية المنشأة، المسجد المسمى "جامع الإمام الصادق (ع) ومركز المؤتمرات الواقع تحته وجميع ما يتعلق به من الأبنية والساحات والحدائق. ليعود رئيس المجلس ويحدد في قرار ملحق صادر بتاريخ 6/3/2016 بتكليف حسين عبد الأمير دمشق متابعة الأعمال الوقفية التنفيذية والإجرائية الخاصة بوقفية الأبنية، على أنها تشمل علاوة على ما تقدم، مبنى الحوزة الدينية وقاعة الاحتفالات الكبرى. المستغرب أن المديرية العامة للشؤون العقارية اعتمدت بتاريخ 15/5/2017 عند تسجيل الإشارة على الإفادة العقارية مصطلح النادي الحسيني والحوزة الدينية إلى جملة المنشآت الموقوفة. وقد صرح الوزير السابق شمس الدين للمفكرة بأن "هذا المصطلح يشير إلى قاعة الاحتفالات والتي تستعمل لنشاطات متنوعة كالإفطارات وتخريج الطلاب وتقبل تعاز ونشاطات أخرى".

وبسؤال المفكرة للمحامي زيبارة عن السند لاعتبار أن قاعة المؤتمرات حسينية، يجيب "إن كان يقام فيها مجالس عزاء يعني أنها حسينية". وبخصوص تصنيف المبنى الآخر بأنه حوزة دينية، علما أنه استخدم لسنوات لإسكان الطلاب وفقاً لشمس الدين، يقول زيبارة، "الحوزة موجودة وقد خرجت مئات رجال الدين وأن الإمام كان قد أوقفها هي أيضاً بموجب صك وقفية آخر"، بالتالي رفض أية ملاحظات على استخدام هذه الأبنية لوظائف أخرى. وهنا، يعلق شمس الدين على تغير الأماكن الموقوفة في القرارات المتعاقبة بقوله أنّ "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يتعمد اللعب على المصطلحات من أجل إيجاد المبررات القانونية لتطبيق أحكام الوقفية على مبان ليس لها صفة دينية من الأساس".

من ناحية أخرى، يرى زيبارة أن عقد التسامح بين الجمعية وبلدية بيروت "يتعلق بالمدرسة والمعهد الفني الإسلامي وهؤلاء لم نقترب منهم". وبالعودة للقرار رقم 202 الصادر عن المجلس البلدي في تاريخ 15 كانون الأول 1983 يتضح أن الجمعية الخيرية الثقافية كانت قد طلبت من بلدية بيروت بتاريخ 26/12/1979 تأجيرها قسم من العقار لإقامة مؤسسات ثقافية وتعليمية عليه على أن تعود ملكية هذه الأبنية إلى بلدية بيروت بعد انقضاء مهلة 99 عاماً. بالتالي، وافقت البلدية في المادة الرابعة من هذا القرار على أن تشغل الجمعية الخيرية الثقافية أقساما من العقار. وفي وقت لاحق، أي بتاريخ 20/10/1999، كانت الجمعية حصلت على موافقة بلدية بيروت بترخيص الانشاءات المقامة على العقار 1925، وتبين أن الإنشاءات المقامة على العقار وفقاً لهذا الترخيص هي: مسجد، معهد تدريب فني، قصر إقامة، قاعة محاضرات واحتفالات ومدرسة ثانوية ومبنى سكني داخلي ومطعم ومطبخ ومكاتب. بالتالي يكون هذا الترخيص لا يتوافق مع ما جاء على لسان زيبارة.

فرضية الاستهداف السياسي

مدير حوزة الإمام السجاد العلمية الشيخ محمد علي الحج، صرح للمفكرة أنه "لا بد من ضبط الأوقاف إذ أننا نلحظ حالة تفلت في الطائفة". وعن المرسوم رقم 20/2011 يرى الحج أنه "لم ينفذ إلا على المعارضين الشيعة". "فلم يطبق إلا على منشآت يديرها وزيران سابقان من خارج الثنائية الشيعية" وفقاً لتقديره. فبالإضافة إلى منشآت الجمعية الثقافية الخيرية، يذكر الحاج تنفيذ المرسوم على مسجد الصفاء-العاملية الذي تملكه الجمعية الخيرية الإسلامية العاملية في منطقة رأس النبع، علما أن الوزير السابق محمد يوسف بيضون هو الذي يتولى إدارتها. وهنا يسأل الحج: "لماذا لم يتم استملاك عشرات المساجد التي تخضع لولاية حزب الله تحت اسم البقيات الصالحات، كما عشرات المجمعات الدينية والمساجد على كافة الأراضي اللبنانية؟" ويضيف: "التساؤل نفسه بالنسبة للمؤسسات والمساجد التي تقع تحت رعاية جمعية المبرات الخيرية، كما تلك الخاضعة لحركة أمل". لذلك يرى أن "تلك المؤسسات والمساجد أكثر أهمية من عقارات محدودة يديرها شمس الدين".

على خط مواز، يوضح الحج أن للمجلس الإسلامي الحق في استصدار هكذا قانون لضبط الساحة الدينية وإدارة أوقافها، لكن ذلك مناط بأن تكون إدارة المجلس قانونية وتتمتع بالشرعية التامة. لهذه الناحية يشير الى أن ذلك "لا يتأتى إلا بإجراء انتخابات عامة بشكل دوري كل 6 سنوات عملاً بالمادتين 8 و9 من قانون تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية الشيعية". ويضيف الحاج أنه "من المفترض أن يكون المجلس مؤسسة أبوية تمارس دورها الأبوي على أبناء الطائفة وتوحيدهم لا تفريقهم، كما هي حال بكركي". 

تقلبات محافظ بيروت والفتوى البدعة

موقف محافظ بيروت شهد انقلابا. ففي البدء، اتخذ المحافظ زياد شبيب موقفا مؤيدا للجمعية فتدخل إلى جانبها في دعوتين قدمتهما أمام القضاءين العدلي والإداري. إلا أن المحافظ عاد عن هذا الموقف بموجب كتاب أرسله بتاريخ 12 أيار 2017 إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، أشار فيه بأنّ لا مانع لديه من تسجيل الوقفية على المباني والمنشآت الدينية القائمة على العقار 1925 وضمن المساحات المخصصة لهذه الغاية على ألا تشمل الوقفية بأي شكل من الأشكال أرض العقار وملكية بلدية بيروت لهذا العقار. وبناء على هذا الكتاب، عدل أمين السجل العقاري في 15 أيار 2017 الإشارة الموضوعة على العقار بحيث باتت تتضمن "دون التعرض لملكية البلدية في كامل العقار".

ورغم وضوح هذا الكتاب، لم تتراجع البلدية رسميا عن مطالبها التي ضمنتها في طلبات تدخلها أمام القضاء. وقد نفى مصدر قانوني في بلدية بيروت أن يكون محافظ بيروت زياد شبيب قد سمح بإعلان الوقفية على أبنية غير دينية في مجمع شمس الدين. فالبلدية سمحت "بإيقاف المباني الدينية إذ أنها لا تدير المساجد والمدافن". وقد عزز المصدر موقف بلدية بيروت بتأكيده على أن المجلس البلدي قد أرسل كتابا إلى هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل للاستيضاح حول نقاط معينة تتعلق في هذه القضية.

وبالفعل، حصلت المفكرة على نسخة من الكتاب الذي وقعه المحافظ بنفسه، والذي أرسله إلى وزير الداخلية طالباً منه أخذ رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل عن رأيها فيما يتعلق بطلب الجمعية الخيرية الثقافية الرجوع عن الكتاب رقم 7364 الذي أرسله المحافظ إلى المجلس الشيعي. وقد طرح المحافظ عدة مسائل في كتابه لوزير الداخلية تأتي في سياق صون بلدية بيروت لحقوقها في ضوء أربعة أمور أساسية، والتي تنطوي كلها في سياق توجه لتهرب بلدية بيروت من الاعتراف بأية حقوق للجمعية الثقافية. فيسأل المحافظ: هل من الجائز تخصيص عقار تملكه البلدية لصالح جهة غير رسمية ولوجهة استعمال ليست من المرافق العامة؟ ثم يظهر توجه المحافظ إلى تعديل قرار التخصيص بسؤاله عما إذا كان "التخصيص لمدة طويلة (99 عاماً) يعتبر تنازلاً عن الملكية ما يستدعي تطبيق الأصول ذات الصلة ويستبعد معه مبدأ المجانية؟".

ثم سأل عما إذا كان للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الحق في وضع يده على منشآت الجمعية بالنظر إلى وجهة استعمال بعض أبنيتها كأماكن لممارسة الشعائر الدينية، ليلحق كلامه بسؤال عما إذا كان ذلك يستدعي تعديل قرارات التخصيص في هذا الاتجاه. إضافة الى ذلك، يسأل عما إذا كان قرار المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يتعارض مع قرار التخصيص الذي يشترط عودة الملكية إلى المالك وهو بلدية بيروت.

قضائياً

منذ بدء هذه القضية، قدمت الجمعية الخيرية الثقافية حتى الآن خمسة دعاوى بواسطة ثلاثة محامين مختلفين:

  • الدعوى الأولى، أمام المحكمة الجعفرية في بعبدا بتاريخ 15/12/2015 والتي تعترض فيها الجمعية على قرار المحكمة الجعفرية بإسباغ الحكم الشرعي على منشآت الجمعية.
  •  الدعوى الثانية وهي طلب إبطال قرار المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى رقم 10/2015 والتي تقدمت بها الجمعية أمام مجلس شورى الدولة ولاحقاً طلبت بلدية بيروت التدخل بالدعوى. إلا أن مجلس شورى الدولة رد طلب الجمعية، وأيضا طلب تدخل بلدية بيروت معللاً ذلك بعدم الاختصاص. الأمر الذي استدعى الجمعية الى إعادة طلب المحاكمة بتاريخ 1/5/2016. ويظهر من الأوراق التي قدمتها بلدية بيروت أنها تؤيد الجمعية في طلب إبطال القرار المطعون به على خلفية أنه "يجب أن يكون الموقوف مالاً مملوكاً للواقف: لا يصح الوقف إلا إذا كان المال الموقوف ملكاً باتاً للواقف حين إنشاء الوقف[1]...". وقد رأت البلدية أنه "من جهة المال الموقوف: يشترط في المال الموقوف: أن يكون للواقف، على غرار بيع مالك الذي يعتبر باطلاً، وتثبت الملكية في الأراضي الممسوحة وفقاً لقيود السجل العقاري[2]".
  • الدعوى الثالثة والتي رفعتها الجمعية الخيرية الثقافية أمام القاضي المنفرد في بيروت الناظر في قضايا العجلة، بتاريخ 11/4/2016 مطالبة بـ "وقف وإزالة التعدي عن أملاكها من قبل عناصر الجهة المدعى عليها". وقد عادت بلدية بيروت وتدخلت في هذه الدعوى وفقاً لما أشار إليه شمس الدين.
  • الدعوى الرابعة المقدمة أمام مجلس شورى الدولة، حصلت تبعا لانقلاب موقف محافظ بلدية بيروت، وهي تهدف إلى الطعن بالكتاب الذي أرسله المحافظ الى مجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالموافقة على الوقفية مع مراعاة حق البلدية بالملك.
  • من ناحية أخرى، أكد شمس الدين أن الجمعية تقدمت بطعن أمام مجلس شورى الدولة بالقرار رقم 21/2016 والذي أصدره المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لإدخال مدافن عموم الطائفة الشيعية ضمن الأوقاف التابعة لسلطة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

 

 

 


[1] الحقوق العينية العقارية الأصلية، جزء 2، الصفحة 243، الرقم 435، إدوارد عيد.
[2] الوسيط في القانون العقاري، الجزء الثالث، بيروت 1998، الصفحة 789، عفيف شمس الدين.