من المتفق عليه دوليا، أن من أهم معايير استقلال القضاء الأساسية هو عدم جواز نقل القاضي إلا برضاه وربط ارتقائه المهني بمعايير موضوعية. من يدرس الحالة اللبنانية، لا يسعه إلا موافقة هذا الرأي. فغياب هذه الضمانات في هذا البلد جعل التشكيلات والمناقلات القضائية (فيما بعد التشكيلات) الهاجس الأول للقضاة وفي الوقت نفسه إحدى حلبات المساومة والتصارع بين القوى السياسية لغاية تعزيز قوة تدخلها في القضاء. ومن يتابع الشؤون القضائية، يعلم يقينا أن سنة 2017 شهدت تجاذبا بالغ الدلالة في هذا المضمار، تجاذبا بدأ في سعي قضائي إلى رفع يد القوى السياسية عنها وانتهى إلى فرض هيمنتها عليها بالكامل. وفرض الهيمنة السياسية على التشكيلات القضائية ليس جديدا بحيث غالبا ما اتسمت مشاريع التشكيلات المنجزة أو المجهضة بالتسييس. الجديد هنا يتمثل في أمور ثلاثة: الأول، مشهدية هذه الهيمنة على نحو يزيل كل ستر بشأن تبعية مجلس القضاء الأعلى وانحسار دوره، الثاني إشهار هذه الهيمنة في نفس السنة التي شهدت أوسع حراك قضائي وأطول اعتكاف في تاريخ القضاء، والثالث، وهو الأخطر، انخراط طيف كبير من القضاة في الممارسات المعتمدة، بما فيهم القضاة الذين مثلوا لفترات نماذج عن القضاة المستقلين والإصلاحيين، مما يفتح الباب لمزيد من التطبيع مع هذه الممارسات، وإن تضمنت "جرعة زائدة" في تسييس القضاء. وسنعمد في هذا المقال إلى تظهير الخطوات العشر التي تم القيام بها والتي نحتت المشروع الأخير للتشكيلات ومعها القضاء على صورة النظام السياسي.

وقبل المضي في ذلك، يجدر التوضيح بأن القول بتسييس القضاء لا يعني بالضرورة سوء التعيينات الحاصلة. وهذا ما ألمح إليه وزير العدل سليم جريصاتي في حديثه إلى النهار حيث أشار إلى أن تسييس التشكيلات لم يترافق مع فسادها (4 تشرين الأول 2017). إنما هو يعني إرساء – أو بالأحرى تدعيم وتطوير- سوابق من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من تسييس القضاء وجعل الأداء القضائي جزءا من تطور أداء السلطات السياسية، فيسوء ويتحسن بقدر ما تسوء أو تتحسن السلطات السياسية تماما كأي مرفق عام آخر، ومن دون أن يكون قادرا في أي حين على محاسبة هذه السلطات أو على تشكيل رافعة في إصلاح شؤون الدولة أو ضمان حقوق المواطنين.

سقوط مقترح تعديل آلية التشكيلات القضائية

أول المعاول المستخدمة في مجال التشكيلات القضائية في هذه السنة، تمثل في رد اقتراح القانون بتعديل آليّة وضعها وتحديدا المادة 5 من قانون التنظيم القضائي. وكان النائب روبير غانم قدّم هذا المقترح بالتنسيق مع رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد بهدف تكريس قدرة هذا المجلس في حسم مشروع التشكيلات القضائية من خلال تجريد السلطة التنفيذية من إمكانية تعطيلها. وقد تم رده تبعا لتدخل رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير العدل سليم جريصاتي في الهيئة العامة للمجلس النيابي المنعقدة بتاريخ 18/1/2017، وإذ طلب الحريري آنذاك مهلة شهرين لدرسه وتقديم اقتراح بديل، انقضى أشهر منذ ذلك الحين من دون أن يبدر عن الحكومة أي موقف بهذا الخصوص. ومع التسليم بأن التعديل المقترح يستدعي ملاحظات جدية على خلفية المشروعية الناقصة لمجلس القضاء الأعلى المعين في غالبية أعضائه من السلطة التنفيذية، فإن إعراض الحكومة عن البحث عن بدائل ضامنة لاستقلال القضاء يعكس إصرارا على تسييس القضاء وعلى الأقل غياب أي إرادة إصلاحية في هذا المجال.

وزير الأداء القضائي

المعول الثاني المستخدم في هذه السنة تمثل في مجاهرة وزير العدل جريصاتي بتدخله الضروري في مراقبة العمل القضائي، ضمانا لحسن الأداء القضائي. وقد بلغ هذا التوجه أوجّه، حين استساغ جريصاتي إجراء مكالمة هاتفية مع رئيس محكمة جنايات بيروت بالانتداب هاني عبد المنعم حجار، طالبا منه الاستعجال ببت قضية جورج الريف مبررا طلبه بأنها من ضمن الملفات الساخنة hot files التي يضعها على مكتبه ويتابعها شخصيا عن كثب. ولم يجد الوزير حرجا في سياق هذه المكالمة في استحضار إرادة رئيسي الجمهورية والحكومة وتذكير القاضي بقرب وضع التشكيلات القضائية. وما ميّز هذا التدخل الوزاري هو مشهديته، حيث أنه جرى تسجيله بالصوت والصورة ومن ثم بثه على شاشات التلفزة، من دون أن يكون للقاضي المتصل به علم بذلك. وقد أدت مشهدية هذا التدخل إلى تظهير وزير العدل مظهر الحريص على حسن أداء القضاء والقاضي مظهر التابع الذي يتعين الضغط عليه لحمله على القيام بمهامه، وشكلت من هذه الزاوية مادة ترويجية لدور الوزارة في الاستماع لشكايات الناس ولتشريع تدخلها (ومن خلالها تدخل السياسي) في العمل القضائي، بخلاف القانون الذي يولي هذه المهمة لهيئة التفتيش القضائي. وقد ذهب الوزير من خلال مداخلة على برنامج otv أبعد من ذلك بتاريخ 28 حزيران 2017، في اتجاه إعطاء غطاء نظري لهذه الممارسات على أساس المادة 66 من الدستور التي تنيط بوزير العدل مهمة الإشراف على حسن سير المسار القضائي. "المادة 20 من الدستور تتكلم عن استقلالية الوظيفة القضائية أي عندما يختلي القاضي مع علمه، مع ضميره، مع قلمه، مع فكره، مع حريته، ويخط بيده حكماً قضائياً، لا يتدخل أحد. بالمقابل، إذا رأى وزير العدل، في كل مجريات المحاكمة، أن هنالك ثمة تأجيلا أو تسويفا أو تأخيرا أو أعذارا فإنه يتدخل... وزير العدل "منو شاهد ما شفش حاجة".

القاضي موظف ونص...

خلال التسعينات، برز خطاب تشريعي هدفه تمييز القاضي (ولو خطابيا وشكليا) عن الموظفين العامين. وقد تكلل هذا الخطاب في فصل سلسلة رتب ورواتب القضاة عن سلسلة رتب ورواتب هؤلاء، على نحو يسمح برفع رواتب القضاة لتقريبها من رواتب أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية. وابتداء من 2014، برز خطاب نيابي معاكس تماما. وقد تمثل ذلك في إصرار عدد من النواب في تضمين سلسلة رتب ورواتب الموظفين العامين بنودا متصلة بالقضاء، أهمها البند الذي يكلف الحكومة إعادة النظر في تقديمات صناديق التعاضد، بما فيها صندوق تعاضد القضاة. وبدل أن يستغل المشرع فصل السلاسل ليرفع رواتب القضاة، لجأ إلى تعديل رواتب موظفين في الفئتين الأولى والثانية لتصبح رواتب بعضهم أعلى من رواتب القضاة على نحو يعكس نظرة دونية للوظيفة القضائية. وقد ترافق ذلك مع خطاب يتهم القضاء بنقص الإنتاجية. ورغم اعتكاف القضاة قرابة شهرين احتجاجا على هذين الممشيين، ما برحت السلطة السياسية على موقفها في هذا الشأن. 

تهديد القيادات القضائية

المعول الرابع تمثل في تهديد القيادات القضائية ليس فقط بخسارة مراكزها ولكن أيضا بإمكانية ملاحقتها على خلفية تورطها في أعمال فساد، ما لم تؤدّ الأدوار المطلوبة منها في إنجاز التشكيلات القضائية. وقد تمثل التهديد الأول في عزل رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر عن منصبه بقرار سياسي في خضم الاعتكاف القضائي، بما يعكس رسالة ضمنية لسائر المسؤولين القضائيين باحتمال عزلهم بالطريقة نفسها، بمبرر أو من دون مبرر. وما يزيد من قابلية الأمر للنقد، هو أن وزير العدل عزا في إحدى مقابلاته التلفزيونية هذا العزل لتعارض شخصية صادر مع نهج العهد، رافضاً إعطاء أيّ أسباب موجبة واضحة بخلاف أحكام قانون الوصول إلى المعلومات. وهذا التصريح يعكس عمليا تصوّرا بوجوب ملء المسؤوليات القضائية الهامة بقضاة "منسجمين" مع نهج العهد، فيعين العهد قضاته تماما كما يعين وزراءه أو مستشاريه على حد تعبير القاضي الراحل نسيب طربيه[1]. أما التهديد الثاني والذي وإن صعب الجزم بصدوره عن جهة سياسية أو استخباراتية معينة، فإنه بدا أكثر مباشرة وفعالية. وقد تمثل هذا التهديد في تسريب أنباء إلى الإعلام عن تقديم شكوى جزائية وتأديبية ضد رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد، على خلفية دوره في محكمة الأوقاف. وقد ترافق الإعلان عن هاتين الشكويين مع اتساع الحديث عن قرب تغيير رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام التمييزي سمير حمود. بعد أيام قليلة من تسرب هذه الأنباء، عاد مجلس القضاء الأعلى عن قرار الاعتكاف الاحتجاجي للقضاة من دون الحصول على أي نتيجة عملية، وتم الإعلان بشكل شبه فوري عن مباشرة العمل على مشروع التشكيلات القضائية.  

ضرب الحراك القضائي: فرّق تسد

احتجاجا على الانتقاص من الضمانات المالية للقضاة وبالأخص من تقديمات صندوق تعاضدهم وتجاوز رواتب بعض موظفي الفئتين الأولى والثانية رواتب القضاة، أعلن مجلس القضاء الأعلى الاعتكاف القضائي مرتين خلال سنة 2017. ويُشار إلى أن توجه المجلس إلى المواجهة ما كان ليحصل لولا الغضب العارم في أوساط القضاة ونشوء رأي عام قضائي. وفيما استمر اعتكاف آذار بضعة أيام، تحول اعتكاف تموز-آب إلى أطول اعتكاف في تاريخ القضاء اللبناني. وبمناسبة الاعتكافين، طوّر القضاة وسائل التواصل بينهم، من خلال مجموعتي واتساب واللتين انتهوا إلى تسميتهما "نادي قضاة لبنان" في أواسط شهر آب. وتبعا لتسهيل التواصل الإلكتروني، نظّم القضاة عريضة وقعها 352 قاضيا؛ وقد طالبت بوضع مشروع قانون يكرس استقلال القضاء وخصوصا لجهة تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى بوسائل ليس للسلطة التنفيذية أي تأثير عليها، وتكريس مبدأ عدم جواز نقل القاضي إلا برضاه. ورغم قوة هذا الحراك، قرر مجلس القضاء الأعلى بشكل أحادي، ومن دون التشاور مع القضاة، الرجوع عن الاعتكاف تحت وطأة التهديدات ليسارع إلى فتح ملف التشكيلات القضائية كما سبق بيانه. وقد أدى هذا التطوّر إلى قلب مزاج القضاة واهتماماتهم ومستوى تضامنهم بشكل كامل: فحلّت الخشية من انتقام السلطة السياسية أو توخي رضاها محل الجرأة في المطالبة باستقلال القضاء عنها، والأهم، تراجع التضامن المستجدّ بين القضاة إلى حال من الفرقة والتنافس لاعتلاء المناصب. وعليه، شهد المراقبون ما يشبه انقلابا حقيقيا في المشهد القضائي، بعدما استحالت خلال أيام أطول حالة اعتراضية دفاعا عن استقلال القضاء وحقوقه في مواجهة القوى السياسية إلى ورشة يقودها مجلس القضاء الأعلى في تماهٍ تام مع هذه القوى نفسها. كل ذلك في ظلّ انقسام القضاة واستفرادهم.    

تطييف المراكز القضائية

بخلاف الإعلان عن نبذ الاعتبارات الطائفية في إعلان الناجحين في مباريات الدخول إلى معهد الدروس القضائية (وهو المدخل الرئيسي إلى القضاء)، شكلت الطائفية سمة دائمة في توزيع المراكز القضائية الحساسة كرئاسة المحاكم العليا أو النيابات العامة أو دوائر التحقيق. وقد أدت حدة الانقسام السياسي (ذات الطابع الطائفي) إلى توسيع دائرة التطييف. ومن أهم الشواهد على ذلك، زيادة علامة الشفهي في مباريات الدخول إلى المعهد ابتداء من 2014 مع ما يستتبع ذلك من تحكم أكبر بالنتائج. ومنها أيضا زيادة مطردة في عدد المراكز القضائية المحفوظة طائفيا. وهذا ما نقرؤه في عدد من المقالات الصحفية المنشورة والتي عزت تأخر التشكيلات القضائية إلى إصرار حركة أمل على زيادة حصة الطائفة الشيعية في المراكز القضائية في محاكم بيروت وجبل لبنان[2]. وبالطبع، التطييف الحاصل على هذا الوجه غالبا ما يترافق مع إعطاء زعيم الطائفة المعنية حق تسمية القاضي المرشح لملء هذه المراكز المحفوظة، وذلك من ضمن القضاة الأكثر قربا منه.   

اللوائح الثلاث: لكل زعيم جماعته

بعد الاتفاق على مبدأ وضع التشكيلات، وبهدف تعزيز حظوظ نجاحها، تم التوافق على إرساء أسس تعاون وثيق بين مجلس القضاء الأعلى والقوى السياسية وهي بشكل خاص التيار الوطني الحر وتيار المستقبل وحركة أمل. فعدا عما تمثله هذه القوى من تنوع طائفي، فإن مرسوم التشكيلات القضائية لا يصدر إلا بتوقيع رؤساء ووزراء تابعين لهذه القوى (رئيس الجمهورية ووزيري العدل والدفاع الوطني من التيار الوطني الحر والرئيس الحريري من المستقبل ووزير المالية من حركة أمل). وقد تم الاتفاق إذ ذاك على أن تتقدّم هذه القوى بثلاث لوائح تتناول كل منها المراكز القضائية المخصصة لكل من الطوائف الكبرى الثلاث (المسيحيين، السنة والشيعة) التي تمثلها. وتبعا لذلك، شكل تطييف المراكز القضائية ليس فقط عاملا أساسيا سمح لكل فريق سياسي بتعيين قضاة مقربين منه وفق المعادلات التي اتفق عليها، ولكن أيضا أداة لتضييق احتمالات تنازع الفرق السياسية المعنية حول التعيينات القضائية. فلكل زعيم أن يعين قضاة في المراكز العائدة لطائفته، وعليه بالمقابل أن يحترم حقوق سائر الزعماء في القيام بالشيء نفسه، من دون أيّ تدخل.

ويكون لمجلس القضاء الأعلى فيما بعد أن يبدي بعض الملاحظات على هذه اللوائح، على خلفية ما قد يتوفر لديه من معلومات حول كفاءة القضاة المقترح تعيينهم أو مناقبيتهم أو ما قد تفرضه آلية التشكيلات من ضرورات أو عوائق. ويتماشى هذا الأمر من حيث المبدأ مع قناعات رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي كان صرح في وقت سابق بحضور "المفكرة" وعدد كبير من القضاة أن لا مشكلة في مراعاة طلبات الجهات السياسية إذا لم يكن هنالك ملاحظات على القضاة المقترح تعيينهم. إلا أن بعض الأسماء وما تسرب من وقائع يوحي بأن المجلس وافق على أسماء واردة في اللوائح حتى في الحالات التي شابها إشكالات كبرى (كأن يكون القاضي المعين في مركز عالٍ محالا إلى المجلس التأديبي في مخالفات خطيرة قد تستوجب عزله). وتجدر الإشارة إلى أن ممانعة المجلس في الأخذ بالأسماء المقترحة بدت ممكنة أو ربما واجبة حين تناولت إحدى اللوائح عرضا أسماء من طوائف أخرى. وهذا ما حصل مثلا حين أوردت لائحة التيار الوطني الحر اسم قاضية غير مسيحية بفعل خصوصية معينة، فلم يأخذ باسمها إلا بعد نقاش طويل حول أحقية التسمية على هذا الوجه. وإذ استنسبت هذه اللائحة إبداء الرأي في تعيين قضاة شيعة لمراكز على سبيل التمني، فإن القيمين على التشكيلات رفضوا الأخذ بهذا الرأي بالكامل جملة وتفصيلا، حرصا على روح التوافق و احتراما لمقتضيات المحاصصة.     

مبدأ المداورة: الزعامة للسياسيين وليس للقضاة

في معرض دفاعه عن مشروع التشكيلات، أدلى الوزير جريصاتي أنه اعتمد مبدأ المداورة في النيابات العامة وقضاة التحقيق ورؤساء المحاكم، في كل قصور العدل في لبنان."لم يعد من جزر أو مراكز قوى... وأحدا لن يقول سأتمتع سعيدا في موقعي. ففي القضاءين الواقف والجالس في الجنايات والجنح حلت المداورة بنسبة عالية وبمعايير ثابتة. كان هدفي منذ تسلمي مهامي في وزارة العدل إعادة الحيوية إلى الجسم القضائي ولم أجد إلى ذلك سبيلا إلا بالمداورة. وأعتبر نفسي أنني نجحت في اقتراحها على مجلس القضاء منذ بداية ولايتي وانتهت بموافقته عليها بتعهد خطي منه باعتمادها". وهذا المبدأ يعني أن لا يبقى قاض في المركز القضائي أكثر من فترة معينة درءا لتحول مركزه إلى "إمارة قضائية"، بمعنى أنه يتوجب نقله إلى مركز آخر عند انقضاء فترة زمنية معينة. وبخلاف ما أوحى به جريصاتي من خلال نسبة مبدأ المداورة إلى ذاته، فإنه شكل منذ سنوات لازمة في خطاب التيار الوطني الحر، بدليل أن وزير العدل الأسبق شكيب قرطباوي ذهب إلى حد تضمينه في مسودة مقترحه لتعديل قانون تنظيم القضاء العدلي. ولربما يجد التمسك بهذا المبدأ مبرره الأساسي في كون التيار الوطني الحر طارئا على نظام المحاصصة نسبيا، مما يجعله بحاجة إلى تغييرات واسعة في المراكز الإدارية والقضائية لتعيين مقربين منه. ومن دون التقليل من أهمية المداورة، لا بد من إبداء ملاحظتين اثنتين:

  • أن الإعلان عن هذا المبدأ أتى في موازاة زيادة عدد المراكز المحفوظة للطوائف وتعزيز أحقية القوى السياسية بملئها، بمعنى أن المبدأ ينطبق على أشخاص القضاة فيمنع عليهم تحويل مراكزهم إلى إمارات شخصية لهم من دون أن ينطبق على الطوائف أو على القوى التي تعينهم، والتي هي تبقى مطلقة اليد لتحويل هذه المراكز إلى إمارات تتحكم بها،
     
  • أن القوانين الناظمة للقضاء في الدول الديمقراطية تتبنى "المداورة" إجمالا ليس كمبدأ إنما كعامل تخفيف للسلبيات التي قد تنجم عن اعتماد المبدأ الأساسي الذي هو مبدأ عدم نقل القاضي إلا برضاه. فيضمن للقاضي عدم نقله من مركزه إلا برضاه، على أن يصبح نقله ممكنا بعد انقضاء فترة معينة (مثال: خمس أو سبع سنوات..). أما أن يتم اعتماده من دون مبدأ النقل، فذلك يعني تعرية للقضاء وجعلهم في أوضاع أكثر هشاشة.   

 

التشكيلات القضائية ضمن سلة أوسع

إلى كل ما تقدم، نقلت بعض وسائل الإعلام توجه بعض القوى السياسية إلى إدخال موضوع التشكيلات القضائية في مساومات سياسية شملت الرزمة الضريبية وقانون الموازنة العامة وحساب القطع[3]. وهذا الأمر يشكل مؤشرا إضافيا على مقاربة الزعامات السياسية للتشكيلات على أنها إحدى أوراق التفاوض على مائدة المساومات الوطنية.

انخراط متزايد للقضاة في ممارسات تسييس التعيينات القضائية 

المعول العاشر تمثل في الانخراط المتزايد للقضاة في ممارسات تسييس التعيينات القضائية. فلوائح الأحزاب وفق ما تسرب منها من أسماء، لم تقتصر على القضاة المندمجين حزبيا، إنما أفردت مساحات هامة لقضاة عُرفوا في محيطهم بنزعتهم الاستقلالية ونزاهتهم وكفاءتهم وانخراطهم في الحراك القضائي. وإذ تعكس هذه الخطوة توسّعا في تعريف القاضي المحسوب على طرف سياسيّ، فإنها في الوقت نفسه تعكس درجة أعلى من التطبيع مع هذه الممارسات. فتتحول هذه الممارسات من ممارسات دخيلة (شاذة) على النظام القضائي إلى ممارسات "طبيعية" ملازمة له مع ما يستتبع ذلك من نتائج على صعيد النظام السياسي الاجتماعي ككلّ. وتبعا لذلك، ينتظر أن نشهد في الفترة القادمة تجارب قضائية جديرة بالمراقبة والدرس. فمن جهة، سيتحول العمل القضائي بالنسبة إلى العديد من القضاة إلى مساحة للتوفيق بين المبادئ التي غالبا ما أبرزوها في خطابهم القضائي (ضميرهم وأخلاقياتهم المهنية) وانسجامهم الاضطراري المستجدّ مع القوى التي كان لها الفضل في ارتقائهم المهني، وفي غالب الظن مساحة للتفاوض شبه اليومي مع هذه القوى. ومن جهة أخرى، قد لا تكون الأمور أسهل للقضاة الذين ما يزالون يحفظون مسافة معينة إزاء القوى السياسية عملا بفهمهم للأخلاقيات القضائية، متحملين بذلك مخاطر تأخر ارتقائهم المهني؛ والذي سيجدون أنفسهم هم مدعوين بشكل شبه يومي، وأحيانا من داخل عوائلهم، للخروج من "كبريائهم" أو "طهرانيتهم" أو"تزمتهم الأخلاقي" (القوسين للإشارة إلى ما قد يجابهون من نعوت)، في اتجاه البحث عن سند سياسي.

من أجل هؤلاء، وكي لا تسقط العدلية كلها في براثن السياسة، قد يكون الموقف الأكثر بلاغة في هذا الوقت هو أي خطاب أو تدبير يرفض التطبيع مع ممارسات كهذه.    

نشر هذا المقال في العدد 51 من مجلة المفكرة القانونية

 


[1]  المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته، إقالة رئيس شورى الدولة خلافا لخطاب القسم: "الحاكم لا يأتي بقضاته كما يأتي بوزرائه ومستشاريه، موقع المفكرة القانونية، 8 آب 2017.
[2]  الأخبار، 5 حزيران 2017. و5 تشرين الأول 2017.
[3]  الأخبار 5 تشرين الأول.