بتاريخ 10/10/2017، صدر مرسوم التشكيلات والمناقلات القضائية، وهو يشكل خطوة إضافية في بسط السلطات السياسية هيمنتها على القضاء وأعماله. وبانتظار نشر تحليل كامل لمضمون المرسوم، يهم المفكرة إبداء الملاحظات والمواقف الآتية: 

  • أن المسار الذي أخذه وضع التشكيلات المذكورة كشف عن هيمنة سياسية شبه كاملة على مجمل المراكز القضائية الهامة، سواء اتصلت بالقضاء الواقف أو قضاة التحقيق أو الحكم، وذلك بمعزل عن أي معايير موضوعية. وأسوأ ما في الأمر هو أن القوى السياسية توافقت على أن يتولى كل منها تسمية القضاة في المراكز العائدة للطوائف التي تمثلها من دون أي تدخل من القوى الأخرى، مما أدى إلى تسييس القضاء وتطييفه. وعليه، برزت ثلاث لوائح: سنية وضعها فريق الرئيس سعد الحريري لملء المراكز االقضائية الهامة المخصصة للسنة، ومسيحية وضعها فريق الوزير جبران باسيل لملء المراكز القضائية الهامة المخصصة للمسيحيين، وشيعية وضعها فريق رئيس مجلس النواب نبيه بري لملء المراكز القضائية المخصصة للشيعة. وقد حصل هذا الأمر بعدما كانت القوى السياسية نفسها انقضت على صندوق تعاضد القضاة لتجريدهم من ضمانات مالية أساسية لاستقلاليتهم،    
     
  • أن مجلس القضاء الأعلى بات في ظل هذه الممارسات بمثابة علبة بريد أو شاهد زور على نقل القضاة وفق هوى السياسة، وعاجزاً تالياً عن أداء الوظيفة التي انوجد من أجلها وهي السهر على استقلال القضاء وحسن أدائه. ويجدر التوضيح هنا من باب الإنصاف في تحديد المسؤوليات، أن دور المجلس ما كان لينحسر على هذا الوجه خلافاً لأحكام تنظيم القضاء العدلي، لو لم تُفهمه القوى السياسية جيداً أن أي تجاهل أو ممانعة لمطالب القوى السياسية سيؤدي إلى وضع فيتو على مشروع التشكيلات (إجهاضه) تماماً كما حصل خمس مرات من قبل في الفترة الممتدة من 2010-2017، من قبل قوى سياسية عدة،
       
  • أخطر من ذلك، هو مفعول مسار هذه التشكيلات على القضاة في ظل تعاظم دور المرجعيات السياسية وسقوط متراس "مجلس القضاء الأعلى". ففيما يجدون أنفسهم عراة ومستفردين أكثر من أي وقت مضى، فإن تطييف عملية التسمية ستحدد لكل منهم مرجعية حكمية على ضوء طائفته، بحيث يتم إفهامه بوضوح كلي أن ارتقاءه المهني مرتبط بمدى قربه من هذه المرجعية أو ولائه لها. وعليه، يرجح في ظل واقع كهذا أن يرضخ مزيد من القضاة لهذه المنظومة بكل فجاجتها في اتجاه التطبيع معها، وأن تتكاثر تالياً أعداد القضاة الذين يرتادون دواوين هذه المرجعيات بمناسبة أو من دون مناسبة، لإعلان مبايعتهم أو انسجامهم معها أو امتنانهم لها أو على الأقل لمهادنتها، مع ما يستتبع ذلك من انقلاب تام في تصورهم لأخلاقيات القضاة وللوظيفة القضائية. فالقاضي الناجح "الواصل" لا يكون في ظل نظام كهذا القاضي المستقل والعادل الذي يجهد في حماية الحقوق والحريات، إنما القاضي المنسجم والموالي للقوى السياسية والذي يروم في المقام الأول حماية مصالح القوى التي ينضوي تحت لوائها وينجح في استحواز اهتمامها.
     

وفي موازاة هؤلاء، سيجد القضاة الذين ما يزالون يصمدون بوجه هذا "الطاعون" أنفسهم في حال تهميش وربما تنكيل وإحباط، بمعزل عن كفاءتهم ونزاهتهم. وسيجدون تالياً أنفسهم محل ضغوط متواصلة ودعوات مبطنة، أحياناً من داخل عوائلهم (أزواجهم وأولادهم)، للخروج من تصورهم للأخلاقيات القضائية ومن "كبريائهم"، للالتحاق بركب المرجعيات السياسية والتخلي عما بقي من استقلال للقضاء، ترسيخاً للتطبيع الكامل مع ممارسات استتباع القضاء.

وعليه،

وبالنظر إلى خطورة الحدث الهائلة والتي هي أشبه بعملية سطو منظّم على القضاء،

ودعماً لصمود ما بقي من قضاة مستقلين،

وإذ تستهجن المفكرة صدور مرسوم التشكيلات القضائية والممارسات التي انبنى عليها بأشد العبارات،

فهي تعلن الآتي:

  • تذكر رئيس الجمهورية ميشال عون بقسمه الذي نص على تحرير القضاة من التبعية السياسية، وتدعوه للقيام بكل ما لديه من صلاحيات لوضع حد لهذه الممارسات، صونا للدستور ولمبدأ فصل السلطات ولحماية حقوق المواطنين وحرياتهم، وفي كل الأحوال لطمأنة القضاة والمواطنين كافة لعدم تكرارها مستقبلاً،
     
  • تدعو جميع القوى الاجتماعية الحية إلى فضح هذه الممارسات ومحاربتها بشتى الوسائل السلمية، دفاعاً عما بقي من استقلال القضاء وتمهيداً لتكريس ضمانات حقيقية له،
     
  • تتعهد بالقيام بخطوات عدة لمكافحة هذا المرسوم بكل ما يتوفر لها من وسائل سلمية وفضح هذا التعدي الجسيم على استقلال القضاء، وتالياً على حريات وحقوق كل مواطن.