بتاريخ 07/10/2017 دخل قانون رئاسة النيابة العامة بالمغرب حيز التنفيذ[1]، وأصبحت مستقلة رسميا عن وزارة العدل، وتابعة حصريا لرئاسة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.

حدث على درجة كبيرة من الأهمية لارتباطه بأحد أبرز المطالب التي رفعها الحراك القضائي بالمغرب مند إقرار دستور 2011، وأيدته منظمات المجتمع المدني، رغم بعض الاعتراضات عليه.

رئيس النيابة العامة الجديد المحامي العام بمحكمة النقض محمد عبد النباوي حدد في منشوره الأول الموجه إلى كافة قضاة النيابة العامة[2] أهم ملامح السياسة الجنائية التي سيشرف على تنفيذها، حيث ركز فيه على ضرورة تحسين ظروف استقبال المتقاضين، وأهمية التواصل مع الرأي العام ومع المجتمع المدني، وترشيد الاعتقال الاحتياطي وكل الإجراءات التي قد تحد من الحقوق والحريات[3].

تحسين ظروف الاستقبال والتواصل مع الرأي العام لرسم صورة جديدة للنيابة العامة :

أولى منشور رئيس النيابة العامة الجديد اهتماما كبيرا بضرورة تحسين ظروف استقبال المتقاضين وسرعة تقديم الخدمات لهم، والنجاعة في تنفيذ القرارات، كما شدد على أهمية التواصل مع الرأي العام وفعاليات المجتمع المدني لمواجهة الإشاعات والأخبار المختلقة والكاذبة أو لتصحيحها، وذلك تكريسا للمبدأ الدستوري المتعلق بالحق في الوصول إلى المعلومة، ولتنوير الرأي العام الوطني والدولي كما يتم تداوله في وسائل الإعلام أو في الوسائط الاجتماعية. وذلك من غير الإخلال بمقتضيات القانون المتعلقة بقرينة البراءة وحماية حرمة الحياة الخاصة وعدم خرق سرية الأبحاث والسر المهني.

أولويات السياسة الجنائية .. الاعتقال الاحتياطي استثناء

حدد رئيس النيابة العامة ملامح السياسة الجنائية التي سيعمل على تنفيذها، وتقوم أساسا على ضرورة حماية الحقوق والحريات الفردية من جهة وترشيد الاعتقال الاحتياطي، فضلا عن مواجهة الجرائم التي تمس النظام العام، وضرورة الاهتمام بالفئات المهمشة.

حماية الحقوق والحريات

دعا رئيس النيابة العامة إلى ترشيد استعمال الآليات القانونية الماسة أو المقيدة للحريات[4] وذلك باستعمالها فقط في الحالات التي تدعو إليها الضرورة، وفقاً للقانون ودون تجاوز أو تعسف مع مراعاة قرينة البراءة، ودعا قضاة النيابة العامة في هذا السياق إلى:

- التصدي للانتهاكات الماسة بالحقوق والحريات خاصة ادعاءات التعذيب أو الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري، والأمر بإجراء التحريات والأبحاث بشأنها دون تأخير،

- زيارة أماكن الاعتقال باستمرار، مخافر الحراسة النظرية والسجون ومؤسسات الأمراض العقلية ومراكز الأحداث للتأكد من شرعية الاعتقال ومن تنفيذه وفقاً للظروف والشروط التي يحددها القانون،

- ضمان حقوق الدفاع وذلك بتمكين المشتكى منهم والمتهمين من حقهم في الدفاع. وكذلك تمكين المحامين المختارين من طرفهم أو المعينين في إطار المساعدة القضائية من القيام بمهامهم بكل حرية، وفقا لما ينص عليه قانون المحاماة والقوانين الأخرى ذات الصلة، ولاسيما قانوني المسطرة المدنية والجنائية.

- فتح قنوات للاتصال مع نقباء هيئات المحامين لتوفير الأجواء الملائمة لممارسة المحامين لمهامهم ولتنظيم ترشيد ظروف ووسائل العمل المتاحة، أو لحل الإشكالات التي قد تعترض أداء واجب الدفاع؛

- احترام الأجل المعقول في معالجة الملفات طبق للفصل 120 من الدستور.

مقاربة جديدة لترشيد الاعتقال الاحتياطي وتفعيل بدائله

"إن نسبة من الأشخاص الذين يتم اعتقالهم احتياطيا تنتهي قضاياهم بحكم بالبراءة. وهو أمر يسائل ضمائر قضاة النيابة العامة لتعارضه مع مبدأ قرينة البراءة. كما أن حوالي 15% من المعتقلين احتياطياً يفرج عنهم إما بالسراح المؤقت أو لأنهم لم يحكم عليهم سوى بمجرد غرامة أو بحبس موقوف التنفيذ أو اتخذت في حقهم قرارات بعدم المتابعة"...

انطلاقا من هذه الملاحظة، دعا رئيس النيابة العامة المسؤولين القضائيين على مستوى القضاء الواقف إلى المتابعة الشخصية لملفات المعتقلين احتياطيا الذين تتم تبرئتهم، أو يفرج عنهم لأسباب غير انتهاء العقوبة، من أجل استخلاص النتائج والعبر منها وتوجيه عمل مساعديهم حتى لا تصبح هذه الوضعية، في حد ذاتها، ظاهرة.

كما طالب بترشيد تطبيق الاعتقال الاحتياطي من خلال مقاربة تعتمد ثلاثة مستويات

- المستوى الأول: عدم الإيداع رهن الاعتقال الاحتياطي إلاَّ في الحالات التي تتوفر فيها الشروط القانونية لإيقاعه، فلا يتم الاعتقال إلا حين يتبين من خلال دراسة ظروف القضية ومعطيات الملف أنه إجراء ضروري وأن التدابير البديلة لا يمكن أن تعوضه، بالإضافة إلى وجود قرائن قوية أو وسائل إثبات كافية؛

المستوى الثاني: العمل على تجهيز ملفات المعتقلين الاحتياطين بسرعة لتمكين القضاة من البت فيها، والعمل على إحالة الملفات المطعون فيها بالاستئناف أو النقض إلى المحاكم المختصة فور الطعن فيها؛

- المستوى الثالث: الحرص على تفعيل بدائل الاعتقال الاحتياطي مع التأكيد على الدور الإيجابي للنيابة العامة في تفعيل العدالة التصالحية التي جعلها المشرع من أولويات السياسة الجنائية، كبديل لتحريك المتابعة في بعض القضايا، وذلك بغية الحفاظ على العلاقات الاجتماعية وتخفيف العبء عن المحاكم.

تخليق الحياة العامة وحماية المال العام

اعتبر رئيس النيابة العامة أن غياب الشفافية في تدبير الشأن العام، والتعاطي للرشوة واستغلال النفوذ واختلاس المال العام والغدر تعد من بين السلوكات الإجرامية الأكثر إثارة لشعور الرأي العام الوطني والدولي بالنظر لما تخلفه من آثار على حقوق الأشخاص وعلى الاستثمار، مما يجعل دور النيابة العامة محورياً في مكافحة هذه الظواهر السيئة.

وطالب قضاة النيابة العامة بضرورة التحلي بخصال النزاهة والحياد، وأن يكونوا متشبعين بثقافة مناهضة الفساد المالي والإداري ليحوزوا على ثقة المتقاضين مواطنين وأجانب، "فَيَقْبَلون التعامل معهم لتقديم الشكايات والوشايات والإدلاء بما يتوفرون عليه من وسائل إثبات". مع استحضار صعوبة إثبات جريمة الرشوة الذي يتطلب مساهمة المواطن الفورية، خلافاً للجرائم الأخرى المشار إليها التي يمكن إثباتها بناء على الوثائق المالية والمحاسباتية المتوفرة.

كما حث على تشجيع التبليغ عن الفساد من خلال تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بحماية الضحايا والشهود والمبلغين والخبراء، والتنسيق المسبق مع الشرطة القضائية وباقي الأجهزة الأمنية عندما تدعو الضرورية إلى توفير الحماية للمبلغين.

حماية الأمن والنظام العام

السياسة الجنائية التي ستحرص النيابة العامة على تطبيقها تولي أهمية كبيرة لحماية الأمن والنظام العام وذلك عبر العديد من المستويات أهمها:

  • حماية أمن المجتمع من الجرائم التي تثير الرعب والفزع بين الناس. وفي مقدمتها جرائم الإرهاب والجريمة المنظمة والجنايات والجنح الأخرى كالعنف والاعتداءات المسلحة، والسرقات بالنشل أو بالعنف وترويج المخدرات والحبوب المهلوسة .
  • حماية بعض الفئات الأكثر عرضة للهشاشة على رأسهم النساء المعنفات والأحداث والأشخاص في وضعية اعاقة، وقضايا الجالية المغربية بالخارج والمهاجرين واللاجئين وضحايا الإتجار في البشر؛
  • حماية القائمين على إنفاذ القانون من الاعتداءات التي يتعرضون لها أثناء ممارسة مهامهم أو بمناسبة قيامهم بهذه المهام.
  • تحقيق الأمن العقاري بالتصدي لجرائم الاحتيال والتزوير بغية الاستيلاء على عقارات مملوكة للغير؛
  • تعزيز التعاون القضائي الدولي؛
  • الاهتمام بباقي مهام النيابة العامة ومجالات تدخلها في الميدان المدني والتجاري.

وعلى العموم، يبقى المنشور رقم 1 الذي أصدرته رئاسة النيابة العامة بالمغرب على درجة كبيرة من الأهمية والرمزية لأنه يؤرخ لبداية عهد جديد استقلت فيه مؤسسة النيابة العامة بشكل كامل عن السلطة التنفيذية وأصبحت مؤسسة قضائية خالصة. كما أن أهمية المنشور تكمن في كونه يعبر عن الوجه الجديد للنيابة العامة الذي أصبحت تشتغل بأدوات وأولويات ومفاهيم وعقليات جديدة تجعل من حماية الحقوق والحريات والتطبيق العادل للقانون والتواصل والشفافية والتعاون وحماية الفئات المهمشة أهم سمات المرحلة القادمة.

 


[1] - ظهير رقم 1.17.45 صادر بتاريخ 2017/08/30 بتنفيذ القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم النيابة العامة،منشور بالجريدة الرسمية عدد 6605 بتاريخ 2017/09/18، ص 5155. أنظر لمزيد من التفاصيل الدراسات التالية المنشورة بموقع المفكرة القانونية:  د.عبد اللطيف الشنتوف : مشروع قانون مستعجل ينظم عمل النيابة العامة في المغرب // د.أنس سعدون: رئاسة النيابة العامة في المغرب: مسار قانون مثير للجدل
[2]- منشور رئيس النيابة العامة الموجه الى المحامين العامين بمحكمة النقض، والوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك بالمحاكم الابتدائية، رقم 1، بتاريخ 07/10/2017.
[3]- لمزيد من التفاصيل، يمكن زيارة الروابط التالية: المنشور رقم 1 من رئيس النيابة العامة إلى الوكلاء والوكلاء العامين للملك // رئيس النيابة العامة الجديد يصدر أولى تعليماته للوكلاء وقضاة النيابة ... //رئيس النيابة العامة الجديد يصدر أولى قراراته // النباوي يرسم الخطوط الحمراء لخارطة التقاضي بالمغرب// رئيس النيابة العامة يوصي بحريات الأفراد والأمن القضائي بالبلاد// عبد النباوي: حلم المغاربة في استقلال النيابة العامة تحقق !// رئيس النيابة العامة الجديد: لن نتسامح مع التعذيب في المغرب وسنحقق// ...عبد النبوي يطالب الوكلاء العامين بالتصدي للاعتقال التعسفي ...
[4]- يتعلق الأمر بكل الإجراءات والمساطر الماسة بحريات الأشخاص أو بحقوقهم القانونية، في الأبحاث والمتابعات، ولاسيما إلقاء القبض على الأشخاص واعتقالهم أو إغلاق الحدود في حقهم وسحب جوازات سفرهم، أو تفتيش المنازل وحجز الأشياء أو الأموال أو تحريك المتابعات القضائية.