لا تزال منطقة الميناء في طرابلس أو مدينة "الموج والأفق" مهددة بخسارة كورنيشها البحري، المتنفس الوحيد لأبنائها ومعظم سكان الشمال. هذه المدينة العابقة بالأمجاد والمهملة إلى حد الإنفجار حالها في ذلك حالة طرابلس، لا يتم الإلتفات إليها إلاّ من بوابة المشاريع الاستثمارية التي تبغي السيطرة على مقدرتها.

تعود قضية "الاستحواذ على شاطئ المينا" الى حوالي ثلاث سنوات، عندما أصدر القاضي المشرف على أعمال الضم والفرز في الشمال، بتاريخ 26 شباط  2014 القرار رقم 21/2013، والذي قضى باعتبار أن القسم الغربي الواقع بين الكورنيش البحري والأوتوستراد وحدود حرمة البحر المتوسط قد سقط سهواً وأنه يشكل عقاراً تعود ملكيته لورثة فرنسيس الشبطيني، وبمساحة قدرها 29838 م2. وقد قضى القرار بالطلب إلى أمين السجل العقاري في الشمال، قيد القطعة الساقطة سهواً بفعل أعمال الضم والفرز العام على صحيفة العقار رقم 220 منطقة بساتين الميناء العقارية. وقد سجّل العقار في السجل العقاري وصدرت الإفادة العقارية وأعطي العقار رقم 1403. وكان وزير الأشغال العامة والنقل السابق غازي العريضي قد طلب خلال فترة وزارته تسجيل الأرض باسم ورثة آل الشبطيني، إلا أن وزيرة المال ريا الحفّار الحسن رفضت تسجيلها مستندة على قرار قضائي سابق صادر في 1971 ينفي هذا الحق. فجاء القرار القضائي ليتجاوز رفض الوزيرة الحسن.

انكشفت القضية للرأي العام عندما قرر أصحاب العقار الجدد (وهم من آل الشبطيني) بيعه. فتقدّم الشاري إلى دائرة الهندسة في بلدية الميناء لإجراء المعاملات اللازمة، هكذا اكتشف رئيس البلدية الحالي عبد القادر علم الدين الأمر ورفض توقيع المعاملات. وسرعان ما تحرّكت البلدية، فعقدت مؤتمراً صحفياً للكشف عن ملابسات القضية والمطالبة بوقف الأعمال في المكان. كذلك عقد إجتماع طارئ لمجلس البلدية تمّ على أثره تكليف المحامي طوني تاجر برفع دعوى للاعتراض على الحكم الصادر عن القاضي المشرف على أعمال الضم والفرز، وقد صدر بنتيجته قرار بتجميد العقار ومنع أي عمل تصرفي عليه. وقد إنضم لاحقاً الى الدعوى آخرون من أبرزهم جميعة "الخط الأخضر".

اللجوء إلى القضاء منعاً للبناء على الواجهة البحرية

في لقاء مع "المفكرة"، أوضح رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين عن الأسباب التي دفعته للجوء إلى القضاء. يقول: "عندما قمنا بالمخطط التوجيهي العام للمدينة، لحظنا أن الكورنيش وكل الصخور الملاصقة له لا يمكن البناء عليها وذلك للمحافظة على الثروة البيئية. إذا أردنا استثمار هذه المنطقة، فعلينا أن نراعي بيئتها، دون تدمير أو تكسير، مع تشييد منتزه بحري لا البناء عليه، وقد لحظنا ذلك في مرسوم. ثم تفاجأنا أنه تم إعطاء مسطح مائي مساحته نحو 30 ألف متر لأفراد، دون فهم كيفية تحديد هذه المساحة. ولم نفهم كيف أمكنهم إصدار سند ملكية ببساتين الميناء، علماً أن بساتين الميناء حدودها الكورنيش وليست في المياه". ويتابع علم الدين متحدثا عن الدعوى التي رفعتها البلدية: "الآن الموضوع قيد المماطلة، وبرأيي أن هنالك نية ببيع العقار. نحن نريد من القضاء إعطاء الحق لأصحابه من دون تأخير، فهذه الأرض غير موجودة وقد حددوا الملكية في مسطح مائي، وإن تمت المماطلة بالقضية وامتدت نحو 10 سنوات مثلاً سوف ينساها الناس". وقد حمّل علم الدين المسؤولية  لوزارة الاشغال العامة ومديرية النقل، فضلاً عن مديرية الشؤون العقارية ومديرية المساحة. وختم مؤكداً: "نحن حريصون وفق المخطط التوجيهي العام أن يمنع البناء على الواجهة البحرية للميناء".

 خطوات بلدية الميناء عززتها تحركات المجتمع المدني في مدينتي طرابلس والميناء. فبدعوة من "الحملة المدنية لحماية شاطئ الميناء"، أقيم اعتصام حاشد  في تشرين الثاني 2016، أمام شاطئ الميناء في النقطة التي صدر قرار القاضي إسقاطها من ملكية عامة إلى ملكية خاصة. كما انضمت "الحملة" من خلال د. سامر أنوس وجمعية الخط الأخضر إلى الدعوى التي رفعتها البلدية في وقت سابق، طالبين الرجوع عن القرار المعترض عليه لوجود حكم اكتسب قوة القضية المحكمة ولمخالفته المادة 31 من القرار رقم 186 ولمخالفته مبدأ حماية الملك العام وقانون حماية البيئة ومرسوم ترتيب الأراضي اللبنانية، واعتباره كأنه لم يكن وإلغاء الصحيفة العينية للعقار رقم 1403 – بساتين الميناء. وعن الحملة، يوضح أنوس للمفكرة: "تتألف الحملة من ناشطين، مثقفين، محامين ومنهم أعضاء في المجلس البلدي الحالي وأعضاء سابقين فضلاً عن نقابة الصيادين. من بعدها، رفعنا دعوى قضائية بالشراكة مع "المفكرة القانونية". للأسف، الجمعية البيئة الموجودة في الميناء رفضت مشاركتنا واعتبرت أن هذا نزاع قضائي لا تدخل فيه فيما هذا موضوع بيئي بإمتياز ويتعلق بالحياة البحرية". تابع: "حتى لو أننا لم نربح القضية، يبقى هناك الشعور أنه بالامكان الاستمرار بالدفاع عن حقنا بالملك العام". أضاف: "في هذه المرحلة، نتابع القضية في القضاء وانضممنا إلى "إئتلاف الشاطئ اللبناني" في محاولة لتوحيد الجهود، لأننا نرى أن السطوة على الشاطئ هي عملية ممنهجة".

وزارة الأشغال العامة، الأملاك العامة، وخطط للتصدي

في حديثه للمفكرة، أسف أنوس أن "وزارة الأشغال العامة والنقل التي من المفروض أن تحافظ على الأملاك العامة البحرية قد أبرزت مطالعة لصالح المعترض بوجههم، أي ورثة آل الشبطيني". وأضاف أنوس قائلاً: "في آخر جلسة أمام القاضي المشرف على أعمال الضم والفرز، أدلت وزارة الأشغال العامة والنقل بأن العقار قد سقط سهوا وأنه ليس لدينا صفة للإعتراض على قرار القاضي، وطلبت رد دعوانا. لذلك، تقدمنا بمذكرة للوزارة طالبناها التراجع عما تقدمت به وتحمّل مسؤولياتها بحماية الأملاك العامة البحرية. وفي حال رفضت الوزارة طلبنا، سنتوجه لمداعاة الدولة تبعا لتخليها عن وظيفتها في حماية المالك العام أمام مجلس شورى الدولة".

وشدد أنوس على أهمية "ألا تبقى هذه القضية محصورة في الإطار البيئي وحسب. هي قضية الناس الذين يعيشون هنا والخوف فيما لو تم السير بهذا الملف أن يكون بداية لبيع ثلاثة أرباع الشاطئ أو تخصيصه. وقد كان هناك مشاريع عدة في السابق في هذا السياق ومنها "Tripoli sea land" وغيرها من المشريع التي كانت تختار توقيت الحرب بين جبل محسن وباب التبانة ويرمون بها ويروجون لها على أساس أنها ستخلق فرص عمل. فإذا وقفنا ضدهم نصبح متهمين بأننا ضد الإنماء وأننا نريد تفقير الناس".

على أن محاربة الحملة لمشروع الاستحواذ على الشاطئ لا تعني بالنسبة لأنوس عدم إمكانية التعاون بين القطاعين العام والخاص لتحسين المنطقة. وعن ذلك قال: "هناك نماذج ناجحة ضمن القوانين. وهناك مثال لبلدية تعمل على نحو صحيح هي بلدية "رأس مسقا" التي قام رئيس البلدية فيها بتحويل بقعة أرض إلى مسبح شعبي ووضع عليها مياومين ويقوم بتطويرها. وكذلك في منطقة "أنفة": فبعد دراسة قامت بها جامعة البلمند حول الملاحات، تمت إعادة استخدامها في مشاريع اقتصادية. فلماذا ستكون طرابلس والميناء مثالا للفشل؟ لا أحد من سياسيي طرابلس فكر على الأقل بتنظيم الرصيف وأن يكون هناك مكان مخصص لسير الدراجات مثلا وآخر للمشاة الخ.. وبالنسبة للأكشاك العشوائية، منذ فترة قام الوزير محمد كبارة باجتماع أعلن خلاله عن رفع الغطاء عن الجميع. لكن في الواقع لا أحد يعتدي على القانون في هذا البلد إلاّ ويكون هناك من يحميه. ثم يجعلون الناس تصطدم ببعضها البعض بحجة عدم التمكن من ضبط الوضع لأن القطاع العام عاجز عن ادارة الملك العام. فيما كل الأمر يحتاج الى تنظيم وشرطة بلدية ودعم من قبل الأمنيين ووجود خطة بديلة على نحو دائم وخلق فرص عمل".

وعن أهمية هذا الشاطئ، قال: "اسم المدينة هو "الميناء" وبالتالي، وجود البحر هو ميزتها ولا يمكن سبي أي جزء منه. لدينا أكبر مرفأ للصيادين في المدينة وفي لبنان. حياة الناس وأعمالهم وأشغالهم متوقفة على البحر الذي يعتاشون منه. وإن تم استملاك الشاطئ، سنقضي على حياتهم".كورنيشها البحري، المتنفس الوحيد لأبنائها ومعظم سكان الشمال. فهذه المدينة العابقة بالأمجاد والمهملة إلى حد الإنفجار حالها في ذلك حالة طرابلس، لا يتم الإلتفات إليها إلاّ من بوابة المشاريع الاستثمارية التي تبغي السيطرة على مقدرتها.