قّتلت الشابة ريّا شدياق في بلدة مزيارة بشكل وحشي وتم توقيف المشتبه فيه وإحالته أمام القضاء. لكن جريمة واحدة مرتكبة من قبل فرد واحد، ومهما كانت وحشية، أدّت إلى معاقبة مجموعة كبيرة من الأشخاص وبشكل جماعي. وهؤلاء، أي اللاجئون السوريون، يتحملون عقوبة لا لانخراطهم بسلوك إجرامي حقيقي، بل فقط لكونهم ينتمون إلى جنسية المشتبه فيه. فما هي تفاصيل هذه القضية؟

مطالبة شعبية تتجاوز العدالة: تهجير جميع السوريين

بتاريخ 22 أيلول 2017، عُثر على الشابة لبنانية ريّا الشدياق (26 عاماً) جثة هامدة داخل فيلا ذويها الكائن في بلدة مزيارة في قضاء زغرتا، شمال لبنان. وتبين من تقرير الطبيبين الشرعيين المكلّفين بالكشف على الجثة، وجود آثار كدمات وعلامات خنق على جسد الضحيّة، إضافةً إلى حصول عملية اعتداء جنسي عليها. وبنتيجة التحقيقات، تم الإشتباه بالناطور، وهو سوري الجنسية، نظراً لوجود آثار خدوش أظافر على جسمه وصدره نتيجة مقاومة الضحية له. كما تم نشر مضمون اعترافاته حول كيفية القيام بالجريمة بدافع السرقة على الموقع الرسمي لقوى الأمن الداخلي.

انتشار هذه المعلومات أنتجت ردة فعل غاضبة لدى أهالي وأصدقاء الضحية، حيث تجمعوا مساء اليوم التالي (23 أيلول) أمام مبنى البلدية في مزيارة للمطالبة ب "إعدام القاتل في ساحة مزيارة، وقد تفاعلت القضية على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير جداً". واللافت أنّ المشاركة لم تقتصر على مزيارة بل شملت مختلف أقضية الشمال من بينها مدينة طرابلس، حيث رُفعت يافطات مندِّدة بالجريمة النكراء ومطالِبة بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً والعدالة لريّا. وبالطبع، تعيد هذه الحادثة إلى ذاكرة اللبنانيين جريمة كترمايا حين قتل أربعة أشخاص من عائلة واحدة (عجوزان وحفيدتاهما) بشكل وحشي في البلدة الواقعة في إقليم الخروب. وقتها، أدى إحضار المشتبه فيه، وكان من الجنسية المصرية، إلى ساحة بلدة كترمايا لتمثيل جريمته، إلى قيام الأهالي بإنتزاعه من دورية قوى الأمن وقتله والتنكيل بجثته علناً وبشكل جماعي في ساحة البلدة.

لكن المطالب بالعدالة لريّا الشدياق لم تتوقف هنا، بل توسعت سريعاً للمطالبة بترحيل السوريين، فرفعت يافطات مطالبة بطرد اللاجئين السوريين من البلدة. والملفت هنا أن الخطاب تحوّل بشكل سريع من اتهام لشخص واحد إلى اتهام لجميع السوريين بهذه الجريمة، وذلك لمجرد مشاركتهم المشتبه فيه بالجنسية. فقد تم تداول فيديو لوالد الضحية خلال التشييع، ينطوي على خطاب عنصري ضد جميع السوريين، ومما جاء فيه مثلاً: "ليترك كل سوري مزيارة، لا حاجة للسوريين هنا يمكننا أن نكفي أنفسنا"، "السوري برا". أما شقيقها فقال: "إن كانت الأمم المتحدة الأمريكية تخاف على اللاجئين فلتأخذهم إلى أرضها"، وأضاف لاحقاً متوجهاً إلى المسؤولين: "إنشاء الله يقبر أولاده كل مسؤول يقبض المال مقابل إبقاء السوريين في لبنان". هذا بالإضافة إلى رفع يافطات تتضمن عبارات كره للاجئين السوريين: "مابدنا ولا سوري"، "مزيارة اللي حضنتكن مش طايقتكن"، "عندكن مخيّمات نزلوا عليا" وغيرها.

وأثارت ردة الفعل الشعبية هذه حالة من الخوف لدى المواطنين السوريين في المنطقة إذ يقدر أن ما يقارب الألف لاجئاً سورياً يقيمون في بلدة مزيارة ويعمل غالبيتهم في ورش البناء والأراضي الزراعية وحراسة المنازل الفخمة. وبالفعل تناقل عدد من الأشخاص في مزيارة صوراً لعائلات سورية تغادر البلدة في حالة من العجلة. فما كان موقف السلطات من هذا الأمر؟

تفاوت بين الخطاب الشعبي والخطاب الرسمي

على صعيد البلدة، ووفقاً لعدد من وسائل الاعلام، سارعت بلدية مزيارة الى إصدار بيان بتاريخ 25 أيلول طالبت فيه جميع السوريين مغادرة البلدة قبل الساعة الخامسة بعد ظهر اليوم التالي (الثلاثاء 26 أيلول) محملةً سكان المنطقة مسؤولية تنفيذ هذا القرار، حيث جاء فيه حرفياً: "نطلب ونشدد على كل شخص يقوم بتأجير أو بكفالة أي لاجئ أو عامل سوري لأي غاية مالية يرجى إخلاؤه من المنزل وإلغاء الكفالة، ولديكم مهلة حتى الساعة الخامسة ظهراً من يوم الثلاثاء وإلا سوف نقوم بإعلان كل إسم يقوم بهذا العمل المادي الإجرامي بحق الضيعة وأهلها."

لكن رئيس البلدية مارون دينا يصرّ، رغم صدور بيان البلدية هذا، في حديث لـ "المفكرة" على تمييز تحركات الأهالي عن الموقف الرسمي للبلدية: "تحرك يوم الإثنين 23 أيلول، كان رد فعل على الجريمة، وهي مبادرات فردية. بعض السوريون قرروا ترك البلدة بملء إرادتهم وبمفردهم، بينما قرر بعض الأهالي إخلاء عقاراتهم التي يقطن فيها سوريون"، واعتبر أن "هذا الإجراء" هو حق يصونه القانون، كما كل التدابير التي اتخذت هي تحت سقف القانون". ويشير إلى أن "عدد السوريين الذين غادروا البلدة يفوق  400 شخص". وهو يؤكد أن هذه الأرقام لا تستند إلى إحصاءات بل مجرد تقديرات أولية.

وقد عقد مجلس بلدية مزيارة اجتماعاً يوم الثلاثاء في 26 أيلول، بحضور مخاتير بلديات "مزيارة" و"حميص" و"حرف مزيارة" و"ممثلين عن الشبيبة"، وقد انتهى الإجتماع إلى إصدار قرار يتضمن إجراءات تقييدية بحق جميع الأجانب المقيمين في البلدة، حيث نصّ على الآتي:

"أولاً، يطلب من كافة الكفلاء للعمال الأجانب التوجه إلى البلدية والتصريح عنهم وعن مكان عملهم.

ثانياً، يرجى من أبناء مزيارة عدم توظيف أي أجنبي لا يحمل أوراقاً ثبوتية وكفالة قانونية.

ثالثاً، يمنع على المالكين في نطاق بلدية مزيارة تأجير أي أجنبي تحت طائلة مراجعة القضاء المختص على أن يؤمن الكفيل إقامة شخصية للعامل كما يحدد القانون.

رابعاً، يسمح لكافة ورش البناء استقدام عمال أجانب على أن يكون دوام العمل من السابعة صباحاً حتى الرابعة بعد الظهر على أن يعودوا إلى مكان اقامتهم خارج مزيارة تحت طائلة المسؤولية كما التقيد بالمهن المدونة على إجازة العمل.

خامساً، تحذر البلدية كل مخالف لأي من هذه القرارات تحت طائلة المسؤولية واتخاذ صفة الادعاء بحقه وملاحقته أمام المراجع القضائية المختصة".

أما على صعيد القضاء، فقد تلا الاجتماع البلدي، اجتماع للخلية الأمنية يوم الأربعاء 27 أيلول في مكتب قائم مقام زغرتا إيمان الرافعي، والذي ضمّ رئيس بلدية مزيارة ونائبه بيارو دعبول، رئيس مكتب مخابرات الجيش في زغرتا العقيد الركن طوني انطون، رئيس مكتب أمن الدولة في زغرتا المقدم إسكندر يونس، رئيس مكتب معلومات زغرتا النقيب جورج رزق، ممثل أمن عام زغرتا النقيب ادوار يمين، آمر فصيلة درك زغرتا بالتكليف الملازم اول بلال ابراهيم والمنسق الميداني مع المنظمات التي تعنى بشؤون النازحين ندى مولوي. وجرى خلال اللقاء عرض شامل لتداعيات مقتل الشابة ريا الشدياق في مزيارة ومقررات المجلس البلدي الذي صدر إثر الحادثة. لم يصدر أي موقف صريح من المسؤولين المجتمعين إذ اكتفوا بالتأكيد على "ضرورة التشدد في تطبيق القوانين والتعاميم الصادرة عن المراجع المختصة التي ترعى شؤون النازحين السوريين في بلدات وقرى القضاء وعلى دور الأجهزة الرسمية المختصة في معالجة كل المواضيع ذات الصلة".

في هذا الإطار، يفيد مصدر متابع في القائم مقامية أن "الأجهزة الأمنية تتولى الموضوع تفادياً لتطور الأمور وخروجها عن السيطرة بين أهالي البلدة والسوريين". هذا ويعتبر المصدر أن ما حدث هو "ردة فعل على الجريمة، فعلى الرغم من مطالبة الأهالي بترحيل السوريين، لم تقرر البلدية ذلك بل سمحت لهم بالتواجد شرط أن تكون إقامتهم شرعية". في حالات كهذه، يؤكد المصدر أنه "لابدّ من تلطيف الأجواء ولا يمكن لجريمة فرد أن تدين مجتمعا بأسره، كما أنه من حق البلدية أخذ االتدابير اللازمة لحماية سكان البلدة".

وعلى صعيد المحافظة، فقد نبّه محافظ الشمال رمزي نهرا إلى عدم إستهداف جميع السوريين خوفاً من تفلت الأمور، معتبراً أن هناك شخصا ارتكب الجريمة ويعاقب على جريمته وحده.

البلديات المجاورة: بشري تلجأ إلى الغرائز وزغرتا تحتكم الى العقل

فظاعة الجريمة وارتفاع خطاب الكراهية هزّا أيضاً البلديات المجاورة لمزيارة. لكن الاستجابة كانت مختلفة من قبل السلطات المحلية. فقد برز قرار صادر عن بلدية بشري يطالب بتهجير السوريين من البلدة مستنداً على إثارة غرائز الناس. الأخيرة استهلت قرارها بما يشبه الأسباب الموجبة:

"لأننا أصحاب الأرض والقرار في بشري ولأن أرضنا ليست للبيع ومنازلنا ليست للغرباء إلا لفعل الخير والمحبة بحريتنا وإرادتنا وليس لأحد أن يفرض علينا حلول توطين أو أماكن لجدد طارئين على حساب شعبنا، وتحقيقاً لما يقوله نابغتنا جبران: "لو لم يكن لبنان وطني لاتخذته وطناً لي"، واستناداً إلى الجريمة المنظمة التي يشهدها لبنان من جراء التغلغل السوري في مجتمعاتنا وبعد إرتفاع نسبة الجرائم الى الـ 16000 جريمة هذه السنة من نازحين سوريين (حسب أرقام وزارة الخارجية) والتي كانت آخر فصولها جريمة مزيارة المروعة، وإذا كان الاعتقاد أن هذا النوع من الجرائم سيخيفنا لنترك أرضنا لآخر، وحيث أن فعل المقاومة هو فعل يومي وخاصة لما كنا نرى مجتمعنا وديموغرافيتنا تنهار من جراء هذا النزوح المنظم والمخطط له".

لهذه الأسباب، وغيرها مما ذكرها، قررت بلدية بشري "عدم تجمع السوريين في الساحات العامة، وعدم التجول ليلاً بعد الساعة السادسة مساءً". كما طلبت من الأهالي: "عدم تأجير العائلات السورية إعتباراً من 15/11/2017 والطلب منهم إخلاء المنازل المقيمين فيها، لكونهم ليسوا حاجةً لتصريف الأعمال في بلدتنا وخاصة بعد تحسن الوضع في الداخل السوري وليذهب المجتمع الدولي إلى التفتيش عن حلول لن نقبل أن تكون على حساب أهلنا وشعبنا، بحيث سيتم اتخاذ كافة التدابير القانونية بحق المخالفين الذين لم يبادروا إلى تسجيل عقود إيجاراتهم في البلدية .كما ستقوم الأجهزة الأمنية المختصة والشرطة البلدية بتفتيش دوري لمنازل سكن السوررين".

أما بلدية زغرتا-أهدن، فقد قررت البقاء "ضمن إطار العقلانية" ورفضت الانجرار "وراء الغوغائية" أو الاستسلام للهلع، وأصدرت بياناً تطالب بالتضامن مع أهل الضحية والاحتكام إلى العقل دون إثارة الغرائز والنعرات، حيث جاء فيه الآتي:

"نتوجه اليوم الى جميع أهلنا والأصدقاء بدعوة صادقة للوقوف يداً واحدة بجانب أهل الضحية حتى إحقاق الحق والعدالة، وأن نحفظ سلمنا الأهلي بالإحتكام الى العقل والإبتعاد عن إثارة الغرائز والنعرات عبر بث الشائعات أو تناقلها. لريا حق علينا بأن تحفزنا خسارتها على اليقظة والوعي، والعمل الجاد والموضوعي للحد من وقع النزوح والمتغيرات العرضية على بيئتنا ومجتمعنا عبر وضع أطر سليمة كفيلة برفع المشقات عن أهلنا والإستمرار ببذل الجهود الآيلة الى التخفيف من حدة النزوح على مجتمعاتنا، وصولاً الى عودة النازحين الى أرضهم، وقد بدأت معالم هذه العودة تلوح في الأفق".

كما ذكرت الأهالي بالإجراءات المتعلقة بإيواء لاجئين سوريين في زغرتا – أهدن وضرورة التشدد بالالتزام بها.

عريضة رفضاً للعقوبة الجماعية

في هذا السياق، أطلقت مجموعة من المنظمات والناشطين عريضة تحت عنوان: "بيان مفتوح: العدالة لريا الشدياق لن تتحقق بترحيل السوريين"، وقد ضمت تحالف كلنا بوجه العنصرية والمركز اللبناني لحقوق الانسان والمنتدى الاشتراكي وحركة مناهضة العنصرية. وندد البيان بالعقاب الجماعي الذي يتعرض له السوريون. وحاول البيان إظهار العناصر المؤثرة فعلاً في الجريمة رداً على الخطاب الشعبي لا سيما قرار بلدية بشري. فهذه الجريمة تندرج "في سياق الإنتهاكات العديدة التي تطال النساء على أيد رجال في مجتمعنا (...) ومكافحة جرائم التعدي لا تكون عبر وضع فئات إجتماعية كاملة في خانة الاتهام والقصاص الجماعي". وقد اعتبر البيان أن "ردة الفعل هذه ليست سوى الحلقة الأخيرة في المسلسل الطويل من الممارسات العنصرية التي يتعرض لها السوريون، من قبل بعض الأطراف السياسية وبعض وسائل الإعلام، والتي تعمل جاهدة على تصويرهم كمسبب رئيسي لجميع ما يتعرض له المواطنون والمواطنات (...). إلى ذلك يوضح البيان أن إحصاءات القوى الأمنية منذ عام 2011 تؤكد أن نسبة الجرائم التي يرتكبها السوريون أقل من نسبتها في المجتمع اللبناني. ولا يوجد أي دليل على أن اللاجئ السوري يرتكب جرائم أكثر من اللبنانيين". وانتهى البيان الى مطالبة السلطات الرسمية للتحرك وإتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية اللاجئين الأبرياء وتأمين سلامتهم بما يتوافق مع التزامات لبنان الدولية وشرعة حقوق الإنسان."

لماذا يعاقب السوريون جماعياً؟

في هذا السياق، تشير المحامية غيدة فرنجية من المفكرة القانونية أن "عملية التهجير في بلدة مزيارة اتخذت طابعاً جديداً مقارنة مع عمليات التهجير والإخلاء التي يعاني منها السوريون في مختلف المناطق اللبنانية. إضافة إلى الطابع الجماعي، جاء هذا التهجير بشكل مفاجئ وغوغائي مع تحريض على العنف نتيجة مطالب بعض الأهالي ومع موافقة البلدية." وأضافت: "من الواضح من المبررات التي أُعلن عنها أن هذا التهجير هو عقاب جماعي يستند إلى رفض وجود مجموعة من الأشخاص بسبب جنسيتهم وهوتيهم، ولا يستند على مبررات قانونية أو أمنية أو اقتصادية بما أن البلدية كانت قد نظمت إقامة السوريين في البلدة عبر تسجيلهم لديها وطالما أنه من الواضح أنهم غير مسؤولين عن الجريمة الوحشية بحق ريّا الشدياق."

وأضافت: "في اطار النقاش والبحث عن حلول لموضوع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم في المستقبل، إن النموذج الذي قدمته بلدة مزيارة لا يساهم بشكل بنّاء في هذا المجال أو في منع التوطين، بل يضيف الأعباء على المناطق المجاورة ويضاعف من معاناة من تم تهجيرهم." وتوضح في هذا الإطار أن "العديد من العائلات السورية قد تم تهجيرها أكثر من مرة في لبنان، فردياً أو جماعياً وبأوامر من الجيش أو البلديات أو بقرار من مالكي العقارات، ويضاف هذا إلى ما عانوه من تهجير داخلي في سوريا قبل لجوئهم إلى لبنان. ويؤدي التهجير ليس فقط إلى فقدان المسكن بل أيضاً إلى فقدان سبل تأمين المعيشة وإخراج الأطفال من المدارس بسبب الانتقال إلى مناطق أخرى." وتضيف: "من الواضح أن ما حصل في مزيارة لا يعاقب من قتل ريًا الشدياق أو من هجّر اللاجئين من سوريا ولن يؤدي إلى إسراع عملية العودة إلى سوريا في ظل غياب الحل السياسي، بل يعاقب ضحايا الحرب والتهجير في سوريا ويصوّرهم وكأنهم العدو الأكبر تحت شعار رفض التوطين، في حين أنهم كمجموعة ينتمون إلى فئة هشة قانونياً واقتصاديا واجتماعياً وسياسياً ولا تملك قوة أو سلطة تمكنها من تقرير مصيرها أو تهديد اللبنانيين."

ويرد المستشار القانوني لمنظمة مهارات طوني مخايل في حديث لـ "المفكرة" ردود الفعل التي تتخذ صورة العقاب الجماعي تجاه اللاجئين السوريين إلى ثلاثة أسباب أساسية: "الذاكرة الجماعية"، "الأزمة السورية" و "دور الإعلام".

الذاكرة الجماعية "الذاكرة اللبنانية الجماعية لم تكن دائماً على وفاق مع السوريين، حيث خلّفت العلاقات التاريخية المضطربة بين لبنان وسوريا نوعا من العنصرية والعدائية" وفقاً لمخايل. يضيف: "اللاوعي لدى الشعب اللبناني لا ينسى الحروب والوصاية والاحتلال، ولكل هذا تأثير مباشر على ذاكرة المجتمع، بالتالي على ردور الفعل التي نشهدها". من هنا، يشرح مخايل أنه "عندما يرتكب شخص سوري جريمة، فإن اللاوعي الجماعي يربط هذه الجريمة بكل الذكريات السيئة تجاه السوريين، فيحمّلهم مسؤولية الماضي والمستقبل والحاضر، ومن ضمن هذا الحاضر جريمة فرد واحد".

إلى ذلك يعتبر مخايل أن الإعلام يلعب دوراً أساسياً يتمثل تارةً بكونه صورة عن المجتمع، وطوراً بنشره خطابا يؤجج المشاعر العنصرية والكارهة. يوضح مخايل أن "الإعلام صورة عن المجتمع، فهو يتداول الصور النمطية للمجتمع ثم يكرسها ويعيد إنتاجها". تتجلى خطورة دور الإعلام وفق مخايل "بعنصرين أساسيين هما "العنصرية" و"السلبية". وتظهر العنصرية "بتركيز الإعلام على ذكر جنسية المجرمين. حيث يعتبر بعض الإعلاميين أن ذكر جنسية المجرم ليست إلا معلومة يقدمها الإعلام". في هذا الصدد، يقول مخايل أن "ذكر الجنسية ثم ذكر أصول المجرم لا تعتبر معلومة مفيدة، بل تعد معلومة غير ملائمة تخرج عن السياق الصحفي. وذلك بدليل أن الإعلام يذهب أبعد من ذلك، ذاكراً تفاصيل أخرى مثل أصول والدة المجرم، انتماءه الديني أو انتماء أحد أفراد أسرته أو مثلاً عن جده الذي شارك في الحرب العراقية". ينتهي مخايل إلى القول أن كل هذه المعلومات تنمّي "صورة نمطية لدى الشعوب، عن شعوب أخرى". والحال أن "هذا الأسلوب من التغطية الإعلامية يعزز إنتشار القلق والأحكام المسبقة والعدائية والعنصرية في المجتمع، وهو بكل الأحوال مخالف للقوانين والسلوكيات الصحافية". 

هذا عن العنصرية، أما السلبية، فيمكن ملاحظتها وفقاً لـمخايل "في الأخبار اليومية عن السوريين، وهي أخبار تندرج في الإطار الأمني كعمليات المداهمات والتوقيفات والجرائم، وصولاً إلى الأحكام القضائية الصادرة بحق السوريين". بالتالي، إن الصورة النمطية التي يخلقها الإعلام عن السوريين تتسم بالسلبية. وهذا ينطبق وفقاً لمخايل أيضاً على تغطية الحالات الإنسانية مثل "تغطية الواقع المعيشي الصعب للسوريين في الشتاء". ذلك أن الإعلام "لا يتناول السوري بموضوعية على أنه إنسان، بل يكتفي بإظهار الشق السلبي من حياته، مقابل إخفاء أي شق إيجابي موجود. ما يخلق لدى المشاهد صورة نمطية إجرامية عن السوري". كذا تتجلى السلبية في تضخيم أزمة اللجوء من خلال التذكير وبشكل مستمر بآثارها والمشاكل الإقتصادية الناتجة عنها، من تراجع السياحة وزيادة نسبة البطالة وتراجع النمو. في هذا السياق يستخدم الإعلام بكثافة عبارات مثل "تغيير ديموغرافي"، "سيصبح عدد السوريين أكثر من عددنا"، "صرنا غرباء ببلدنا"...  يؤدي هذا الأمر برأي مخايل إلى إنتاج "مجتمع مجيش لممارسة العنصرية والكراهية تجاه السوريين".

كل هذه العناصر تؤدي إلى "إنتهاز اللبناني فرصة اقتراف أحد السوريين لجريمة، ليثأر بشكل جماعي من جميع السوريين". إذ يستخدم الشعب الثأر "وسيلة للضغط على الدولة للإسراع في الترحيل". يعتبر الثأر في مجتمعنا "رد إعتبار يتعلق بالعادات والتقاليد التي تعود لأصول شرقية ولأسباب عاطفية أكثر مما تكون لأسباب عقلية".