رغم صدور قانون الحق بالوصول الى المعلومات، ما يزال عدد كبير من الوزارات والإدارات يمتنع عن تنفيذ مضامين هذا القانون. وما يستفز المواطن بشكل خاص هو كيفية تعاطي الإدارة العامة وموظفيها مع الطلبات المقدمة على أساس هذا القانون. وتنشر المفكرة هنا شهادة المحامي رفيق غرايزي بشأن التعامل غير القانوني الذي لقيه طلب مقدم من موكليه لدى وزارة الصحة بالحصول على معلومات (المحرر).  

 

تبعاً لحادث تعرض له شاب في السابعة عشرة من عمره، تم نقله بداية إلى مستشفى في منطقة جبل لبنان فرفضت استقباله بعد عجز ذويه عن تأمين المبلغ المالي المطلوب. وقد وجد هؤلاء بعد بحث مضنٍ مستشفى أخرى تستقبله على حساب الوزارة، فلجؤوا إليها رغم شكوكهم بقدرتها على معالجة إصابة كهذه. وأثناء العملية، حصلت مضاعفات للشاب أدت فيما بعد إلى بتر ساقه وغسيل الكلى ومن ثم إلى وفاته، كل ذلك في غضون أيام قليلة. وفي إثر ذلك، باشرت وزارة الصحة تحقيقاتها من قبل مجموعة من الأطباء المتخصصين، وانتهت إلى وضع تقرير شامل ومفصل عن الأخطاء التي قد تكون حصلت مع توزيع المسؤوليات. وإذ شكل هذا التقرير دليلا بإمكان ذوي الشاب الاستناد إليه لمساءلة المستشفيين المعنيين والأطباء العاملين فيهما، طلب وكيل والدته المحامي رفيق غريزي من رئيس لجنة العناية الطبية د. جوزف الحلو تسليمه نسخة عنه. إلا أن هذا الأخير رفض بحجة أن هذا التقرير ملك للوزارة ولا يتمتع بأي قيمة قانونية. وإزاء الرفض المتكرر للحلو والوزارة بتسليم التقرير، وبناء على طلب وكيل والدة الشاب، أصدرت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت زلفا الحسن بتاريخ 29/5/2017 أمرا بالترخيص لها بالاستحصال على نسخة عنه. وإنفاذا للقرار المذكور، توجّه كاتب المحكمة مع وكيل المستدعية مرارا وتكرارا إلى الوزارة فاجتمع بمستشار الوزير، ورئيس لجنة العناية الطبية، والمستشار القانوني للوزارة وبغيرهم. إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل عملا بالحجة نفسها ومفادها أن هذا التقرير خاص ولا يتمتع بقيمة قانونية.

تبعا لذلك، وبناء على طلبات إضافية من المستدعية، أصدرت قاضية الأمور المستعجلة الرئيسة زلفا الحسن بتاريخ 22/6/2017، قرارا جديدا ألزمت فيه الوزارة بتسليم المستدعية صورة عن التقرير المذكور في القرار الأول فور إبلاغها القرار الراهن. وانفاذا للقرار المذكور أعلاه، انتقل الكاتب مجددا برفقة وكيل المستدعية مرارا وتكرارا إلى الوزارة في مسعى للاستحصال على التقرير المذكور، ليواجها هذه المرة برفض صريح. وقد جاء حرفيا على لسان مستشار الوزير المحامي فادي مسلم: "أن الوزارة لا يمكنها تزويد الجهة المستدعية نسخة عن التحقيق .. لأن (ه) خاص بالوزارة وليس له أي قيمة قانونية وهذا التحقيق يتم إجراؤه من قبل الوزارة على سبيل المعلومات الخاصة الذي تحتفظ به الوزارة... وسوف يتم إرساله (أي التقرير) إلى النيابه العامة الاستئنافية في جبل لبنان كإخبار وأن النيابة المذكورة هي المرجع المختص من أجل اتخاذ الإجراءات القانونية بموضوع التحقيق".

 عليه، تكون الوزارة قد رفضت الاستجابة لقرار قضائي على أساس رأي خاص بها بخصوص الجهة القضائية الصالحة. وهي بذلك ارتكبت ثلاث مخالفات كبرى:

  1. مخالفة قانون حق الوصول الى المعلومات، من دون تبيان الاستثناء الذي يمكنها من التحرر من هذا القانون،
     
  2. عدم مؤازرة القضاء في منح معلومات تفيد في كشف حقيقة في جريمة معينة،
     
  3. الامتناع عن تنفيذ أمر قضائي وهو الأمر المعاقب عليه قانونا.

وقد عاد وزير الصحة العامة غسان حاصباني وكرر كلام مستشاره نفسه لجهة استعداد الوزارة تسليم التقرير للمرجع الذي تراه مختصا على شاشة otv بتاريخ 28/9/2017، متناسيا أن القرار الصادر بإلزام الوزارة بتسليم التقرير هو تقرير قضائي وأن الصلاحية القضائية يقررها القضاء وليس الوزارة. ويلحظ أن الوزارة لم تسلم حتى الآن تقريرها إلى النيابة العامة.

دليل آخر على الخلل المؤسساتي الحاصل في مجال الشفافية وحق المواطن الوصول إلى المعلومات التي تتعلق بها حقوقه الخاصة والعامة.