يشكل قرار المجلس الدستوري رقم 5 الصادر بتاريخ 22 أيلول 2017 والقاضي بإبطال القانون رقم 45 المتعلق بإحداث وتعديل بعض المواد الضريبية لغايات تمويل ما عرف بسلسلة الرتب والرواتب علامة فارقة في الحياة الدستورية اللبنانية وهو بلا شك أهم قرار أصدره المجلس الدستوري بتركيبته الحالية منذ 2009 وحتى اليوم. لذلك كان لا بد من معالجة مجموعة من النقاط التي ستساعدنا على فهم تداعيات هذا القرار على نظامنا السياسي ومدى تأثيره على انتظام عمل المؤسسات الدستورية.

 

المجلس سيد نفسه فقط

يعيد قرار المجلس الدستوري الاعتبار للمفاهيم الدستورية بوجه طبقة سياسية جعلت من تأويلها للدستور المعيار الوحيد لعمل المؤسسات السياسية. وقد اقترن ذلك مع استخدام مفرط واعتباطي لمقولة "المجلس سيد نفسه" التي تجعل من مجلس النواب السلطة الحاكمة على الدستور نفسه خارج كل قيد أو وازع. ولا شك أن هذه المقولة هي مجرد ذريعة هدفها المضمر تبرير التوافق بين مكونات الطبقة الحاكمة عبر اسباغ الصفة القانونية على كل اتفاق سياسي. وخطورة هذه المقولة تكمن في استنسابيتها المطلقة التي تبلغ حد الاعتباطية الأمر الذي عبر عنه رئيس مجلس النواب عندما أعلن أن المجلس هو الذي يسن القيود الدستورية ولا أحد يستطيع أن يسن قيدا دستوريا بوجهه. فهذا الادعاء يخالف أبسط المبادئ التي يقوم عليها القانون الدستوري وهو ينقل لبنان إلى نظام "سيادة البرلمان" المعمول به في بريطانيا حيث لا وجود لدستور وفقا للتعريف الشكلي للدساتير إذ لا تخضع أعمال البرلمان لأي رقابة كونها تحتل رأس الهرم التشريعي. لكن الأمر مختلف كل الاختلاف في لبنان كون الدستور هو الذي أنشأ مجلس النواب وهو الذي منحه السلطة التشريعية ومنعه من ممارسة اختصاصه التشريعي إلا في ظل احترام المبادئ الدستورية. وبالتالي يؤدي التفسير الصحيح لمقولة المجلس سيد نفسه إلى ترك الحرية للسلطة التشريعية لوضع نظامها الداخلي بنفسها دون تدخل من السلطة التنفيذية. وهذا ما ورد في المادة 43 من الدستور عندما نصت على التالي: " للمجلس أن يضع نظامه الداخلي".  ولا يمكن لهذا النظام أن يتضمن ما يخالف الدستور بأي حال من الأحوال علما أن النظام الداخلي يخضع في فرنسا تلقائيا لرقابة المجلس الدستوري بينما لا يوجد في لبنان نص يسمح بذلك.

وقد شكل هذا القرار مناسبة مهمة لوضع الأمور في نصابها الدستوري. فكما هو معلوم، لا يتعلق اختصاص المجلس الدستوري فقط بمراقبة مدى انطباق القوانين على الدستور من الناحية المادية أي ضمان عدم تعارض فحوى قانون ما مع مضمون الدستور والمبادئ ذات القيمة الدستورية، بل هو يشمل أيضا البعد الشكلي للقانون أي الشروط المتعلقة بكيفية إقراره وصدوره. فالنص الذي يتم إقراره بشكل لا يحترم الأصول الدستورية حتى لو كان مضمونه موافقا للدستور يعتير مشوبا بانعدام الدستورية وواجب الابطال.

جراء ما تقدم، وبما أن مجلس النواب عمد إلى إقرار القانون رقم 45 عبر التصويت بطريقة رفع الأيدي ما يخالف المادة 36 من الدستور التي تنص على التالي: " أما فيما يختص بالقوانين عموماً أو بالاقتراع على مسألة الثقة فإن الآراء تعطى دائماً بالمناداة على الأعضاء باسمائهم وبصوت عال"· ولما كان لا يجوز التذرع بالنظام الداخلي لمجلس النواب كون هذا الأخير لا يتمتع بقيمة دستورية ولا يدخل في الكتلة الدستورية كما أقره اجتهاد المجلس الدستوري في الفرنسا وكرره المجلس الدستوري في لبنان، ولما كان أيضا لا يمكن التذرع بأي عرف نشأ في الماضي لتسويغ التصويت برفع الأيدي كون العرف يستطيع أن يكمل النص القانوني أو يشرحه، لكنه في حال سكوت هذا الأخير (praeter legem) لا يستطيع أن يكون بأي شكل من الأشكال مخالفا للنص القانوني (Contra legem).

وقد ورث لبنان طرق التصويت المختلفة (رفع الأيدي، المناداة بالأسماء، القيام والجلوس) من الجمهورية الثالثة في فرنسا. لكن نقطة الاختلاف الجوهرية تمثلت في أن القوانين الدستورية الفرنسية لسنة 1875 جاءت خالية من أي إشارة لطريقة التصويت الواجب اتباعها مما ترك أمر تحديدها للنظام الداخلي لمجلسي الشيوخ والنواب، بينما قام الدستور اللبناني سنة 1926 بتحديد الأصول المتبعة للتصويت أي انه حول هذا الاجراء إلى حكم دستوري يتفوق على أي عرف أو نظام داخلي ويخضع بالتالي احترامه لرقابة المجلس الدستوري.

ولم يقتصر المجلس في تحليله على ذلك بل شرح المقاصد التي تكمن في ضرورة اتباع طريقة التصويت بالمناداة على الأسماء إذ أكد أن ذلك من شأنه تعزيز الشفافية ومبدأ المساءلة بحيث يتمكن المواطن من مراقبة عمل النواب ومعرفة مواقفهم تجاه القوانين التي طرحت على السلطة التسريعية خلال مدة ولايتهم ما يسمح بمحاسبتهم في الانتخابات النيابية المقبلة.

 

الموازنة وأصول التشريع

تعتبر الموازنة من أهم القوانين التي تسنها المجالس النيابية على الإطلاق. ويظهر ذلك بشكل جلي في الأصول الخاصة المتبعة. فغالبية دساتير العالم تقوم بتحديد شروط أكثر تفصيلية لإقرار الموازنة مقارنة بالقوانين العادية. وقد صدرت مجموعة من المقالات والكتب التي تطرقت إلى "دسترة" المالية العامة نظرا لتطور اجتهاد المحاكم والمجالس الدستورية وتبنيها لمجموعة من المبادئ الدستورية المتعلقة بالموازنة حصرا.

وبالحقيقة، لم يقم قرار المجلس الدستوري باستنباط مبادئ جديدة وهو لم يشكل في هذه النقطة أي تطور في الاجتهاد أو الفقه الدستوري. جل ما فعله المجلس هو التأكيد على أبسط القواعد الدستورية المتعلقة بإقرار الموازنة كمبدأ السنوية أو الشمول. فما أعلنه المجلس هو من بديهيات القانون الدستوري لكن قيمتها لا تظهر إلى العيان إلا عند مقارنتها مع المخالفات المتمادية التي ترتكبها السلطة السياسية بشقيها التنفيذي والتشريعي في هذا المجال لا سيما مع غياب موازنة للدولة اللبنانية منذ سنة 2005.

وكي نفهم جيدا أبعاد هذا القرار، لا بد من التذكير بما أعلنه رئيس مجلس النواب في آخر جلسة عقدها البرلمان لمساءلة الحكومة عندما قال في معرض رده على اشكالية إصدار الموازنة قبل إقرار قانون قطع الحساب أن "اللبناني الذي اخترع الحرف يستطيع أن يجد حلا لهذه المسألة". لقد مر هذا التصريح مرور الكرام وهو بالحقيقة تجسيد لمنطق التسوية السياسية التي تضرب بعرض الحائط الأحكام الدستورية وهو تطبيق أمين جدا لمقولة المجلس سيد نفسه التحكمية. لقد جاء قرار المجلس الدستوري بالفعل ليضع حدا لتلك الاعتباطية عبر تذكير السلطة التشريعية بتلك المبادئ التي تطنب كتب المالية العامة والفقه الدستوري بتردادها والتي تدرس لطلبة الحقوق في الجامعات.

وما هو جدير بالانتباه أن المجلس الدستوري سبق له أن كرس في قرار سابق له رقم 3 تاريخ 15/7/2002 هذه المبادئ فأعلن التالي: "أنه يتبين من المادة 83 المذكورة (من الدستور) أنها تنص على مبادئ ترعى إعداد الموازنة ومضمونها وهي السنوية والوحدة والشمولية والشيوع وهي مبادئ تقليدية في علم المالية العامة". لكن الأهم أن المجلس اعتبر في القرار نفسه أنه من المسلم به أيضا في الممارسات التشريعية أن المبدأين المذكورين (الشمول والشيوع) إنما يشذ عنهما في حالات عديدة..." لا بل "أن الخروج عنهما هو من الممارسات الدارجة وكثيرا ما يبرره الواقع...". وهنا نقطة البحث: إذا كان مبدأ الشمول (تدوين كل نفقات الدولة غير الصافية في حقل النفقات وتدوين كل واردات الدولة غير الصافية في حقل الواردات دون إجراء أي حسم أو اقتطاع بينهما) ومبدأ الشيوع (عدم تخصيص إيراد معين لتغطية نفقة معينة) يقبلان مجموعة كبيرة من الاستثناءات لكن ذلك لا يمكن أن يتم إلا في إطارموازنة واحدة موجودة يتم إقرارها سنويا.

وهنا لا بد من ملاحظة مهمة كي نفهم منطق القرار الداخلي. فإبطال القانون رقم 45 لم يتم لأنه خرق مبدأ وحدة الموازنة فقط وسائر المبادئ المتصلة به والتي تعرف استثناءات عديدة. فمجلس النواب يحق له اقرار ضرائب جديدة خلال السنة المالية ومن خارج الموازنة وقد سبق لهذا الأخير أن أقر سنة 2002 ضرائب جديدة منفصلة كالقانون رقم 379 الذي أنشأ الضريبة على القيمة المضافة على أن يتم لاحقا احتساب الواردات المحققة من تلك الضريبة وإدارجها في قطع الحساب. المشكلة الأساسية تكمن في لجوء المشترع إلى إقرار مجموعة كبيرة من الضرائب خارج إطار الموازنة غير الموجودة أصلا. هذا علما أن المجلس الدستوري لم يعتبر أن القانون المطعون فيه يخالف مبدأ الشيوع كون الرواتب والأجور تدخل في النفقات العامة للدولة والغاية من القانون هو تغطية تلك النفقات العامة دون تخصيص إيراد محدد لنفقة معينة.

ويحكم المجلس الدستوري الطوق على القانون المطعون فيه بتأكيده أن الجباية تحتاج إلى إذن يتم تجديده سنويا عبر الموازنة ولا يمكن القبول بالإنفاق وفقا للقاعدة الاثنتي عشرية إلا في شهر واحد فقط هو شهر كانون الثاني، خلافا لما درج عليه مجلس النواب بالتصويت على قانون يسمح بموجبه للحكومة بتمديد فترة الإنقاق وفقا للقاعدة الاثنتي عشرية حتى يتم إقرار الموازنة الجديدة.

إن قيمة هذا التعليل لا تكمن فقط في التذكير ببديهيات المالية العامة لكنه يخرج عن المخالفة الإجرائية المتعلقة بالطريقة التي تم فيها التصويت على القانون. فلو عمد المجلس الدستوري إلى ابطال القانون فقط بسبب العيب الشكلي المتعلق بالتصويت برفع الأيدي، لكان بامكان مجلس النواب استعادة القانون والتصويت عليه مجددا بحرفيته لكن بالمناداة بالأسماء، ما يؤدي إلى تشريع كل المخالفات المتعلقة بمبادئ الموازنة.

 

رابعا: مراقبة ملاءمة النص؟

عاب البعض على المجلس الدستوري أنه أحل نفسه مكان مجلس النواب لا سيما عندما تطرق إلى المادة 11 وأبطلها بسبب طريقة صياغتها والغموض الذي يكتنفها. ومن المعلوم فقها واجتهادا أن كل قانون يحتوي على هدف وعلى وسائل لتحقيق هذا الهدف. وقد ذهب البعض إلى القول بأن رقابة المجلس الدستوري تنحصر في الغاية التي سن القانون من أجلها ولا يمكن لها أن تشمل الوسائل كون ذلك يعود لحرية تقدير المشترع إذ لا يمكن للمجلس الدستوري أن يراقب ملاءمة النص أي أن يفرض تقديره الاستنسابي على إرادة السلطة التشريعية.

ولا شك أن رقابة ملاءمة النص بالمطلق هو أمر غير جائز. لكن المجلس الدستوري الفرنسي اعتبر في أكثر من قرار له أن مراقبة ملاءمة الوسائل التي أراد منها القانون تحقيق غاية معينة هو جائز في حال كانت تلك الوسائل غير مناسبة بشكل ساطع لبلوغ هذا الهدف. فالمجلس الدستوري بإبطاله هذا القانون يقول للمشرع أن الهدف الذي توخاه (فرض ضرائب جديدة) هو مشروع لكن وسيلة تحقيق ذلك يكون عبر احترام الأصول الإجرائية المتعلقة بالتصويت وبالموازنة وليس عبر سن قانون خاص يطيح بكل الأسس التي يقوم عليها نظام لبنان الدستوري. فخطأ السلطة التشريعية هو ساطع في تقدير الوسائل المناسبة لبلوغ مرامها المعلن. فالمجلس الدستوري لا يحل نفسه محل المشترع بل هو فقط في حقيقة الأمر يعيد القرار إلى هذا الأخير شريطة اتباعه المبادئ الدستورية المناسبة.

وهذا الخطأ الساطع ينسحب على المادة 11 إذ يؤدي غموضها إلى منع المجلس الدستوري من ممارسة رقابته عليها بشكل فعال. فغموض النص لا يعني فقط عدم وضوحه بل أيضا مخالفته لمبدأ فقه القانون وإتاحته (intelligibilité et accessibilité) والذي أعلن المجلس الدستوري الفرنسي بأنه هدف ذات قيمة دستورية (objectif de valeur constitutionnelle). فصياغة النص المعقدة تجعل منه عصيا على الفهم القانوني ليس فقط من قبل المواطنين بل أيضا من قبل المحاكم المختصة بتطبيقه.

 

لم يقم قرار المجلس الدستوري بتكريس أي مبدأ دستوري جديد وهو أصلا يكرر مفاهيم دستورية تعتبر من البديهيات. لكن جل ما في الأمر أن انحراف النظام السياسي اللبناني عن السكة الدستورية بلغ درجة بات فيها التذكير بالمبادئ الأولية إنجازا وضرورة ملحة. وقد ظهر هذا الأمر في ردة فعل رئيس مجلس النواب الذي اعتبر أن هذا القرار هو مس باتفاق الطائف وبرئاسة مجلس النواب، مما يعكس المنطق المضمر الذي يصدر عنه هكذا موقف: المجلس سيد نفسه لتبرير حرية رئيسه باتخاذ ما يحلو له من قرارات فننتقل من سيادة المجلس على نفسه إلى سيادة رئيسه عليه. وقد كرر رئيس المجلس رأيه بأن مجلس النواب هو وحده من يحق له تفسير الدستور علما أن ذلك غير صحيح وهو ادعاء لا يمت بصلة للقانون الدستوري. فكل تفسير يقوم به المجلس بالطرق العادية هو تفسير سياسي غير ملزم وإلا انتفت الحاجة للرقابة الدستورية والطريقة الوحيدة التي يحق فيها للمجلس تفسير الدستور بشكل ملزم هي اتباع الآلية المتعلقة بتعديل الدستور كون كل تفسير ينطوي على تعديل مبطن. وعندما يقوم مجلس النواب بتعديل الدستور لا يقوم بذلك بوصفه السلطة التشريعية بل بوصفه السلطة التأسيسية المتفرعة (pouvoir constituant dérivé). فمجلس النواب سيد نفسه فقط لا غير إذ لا سيادة في دولة القانون إلا للدستور وهذا هو فحوى قرار المجلس الدستوري الذي هو أقرب إلى درس في القانون الدستوري منه لقرار قضائي تقليدي.