رغم انقضاء العطلة القضائية، ما يزال مجلس نقابة المحامين في بيروت يلزم أعضاءها بالامتناع عن حضور جلسات المحاكمة، احتجاجا على المادة 17 من قانون تمويل سلسلة الرتب والرواتب التي تفرض على أصحاب المهن الحرة ضريبة على الفوائد المصرفية وأيضا إعادة احتساب الفوائد ضمن الربح الخاضع لضريبة الدخل. وقد أصبح هذا الإضراب الإضراب الأطول للنقابة منذ أكثر من خمسين سنة. فكأنما النقابة تعلن أن هذه المسألة هي وفق سل قيمها المسألة الأكثر خطورة التي اعترضتها خلال العقود الماضية، مما يبرر استخدام سلاح الإضراب ومتابعة استخدامه لما يقارب الشهرين. والمذهل حقيقة أن أي تدقيق في سبب الاحتجاج يظهر أن المادة 17 لا تسبب، إلا فيما ندر، ضررا حقيقيا للمحامين بفعل السرية المصرفية المتصلة بفوائد المصارف، إذ يصعب تصور أن يصرح محام بفوائده ضمن أرباحه طالما أن المالية غير قادرة على اكتشافها. ويلحظ أن هذا الإضراب يضرّ جدا بحقوق المتقاضين وبمصالح المحامين، وأنه تقرر من قبل مجلس النقابة من دون استشارة هؤلاء أو دعوتهم للمناقشة في جمعية عمومية كما فعل مجلس القضاء الأعلى مثلا، والأخطر أنه بات يشكل منذ تقديم الطعن في قانون تمويل السلسلة أمام المجلس الدستوري ضغطا خطيرا عليه، ضغطا هو بمثابة تدخل في عمل القضاء. تدعو المفكرة نقابة المحامين بكل احترام أن تعود عن إضرابها من دون أي تأخير (المحرر).   

 

أمس الإثنين 18 أيلول 2017 كان يوم العمل الأول في قصر العدل بعد عطلة قضائية دامت شهرين. وقد شهدت هذه العطلة تحركين مهمين: الأول اعتكاف القضاة الذي بدأ في 19 تموز 2017 وانتهى في 28 آب 2017. أما الثاني فهو إضراب المحامين الذي بدأ في 27 تموز ويستمر حتى اليوم (وهو أطول إضراب للمحامين منذ أكثر من نصف قرن وثالث أطول إضراب في تاريخهم). في اليومين الأخيرين، جالت المفكرة القانونية في عدلية بيروت مستقصيةً عن أجواء العودة إلى العمل بعد العطلة القضائية في ظل استمرار إضراب المحامين. وقد التقت المفكرة بعدّة محامين وموظفين ومواطنين في قصر العدل في بيروت للاستيضاح منهم حول أثر إضراب المحامين على سير مرفق العدالة بعد انتهاء العطلة القضائية.

إذن، خلال اليومين الأولين بعد إنتهاء العطلة القضائية، شهد قصر العدل في بيروت حركة خفيفة وإقبالا ضئيلا للمواطنين، لا سيما أن المحامين يمتنعون عن حضور الجلسات. في هذا السياق تم تأجيل الجلسات المحددة لهذين اليومين إلى مواعيد أخرى، باستثناء تلك المتعلقة بالموقوفين وإخلاءات السبيل. وقد أكد بعض المحامين أنهم حضروا جلساتهم المتعلقة بالموقوفين في محكمة الجنايات. وبحسب ما أدلى به أحدهم فإنه يعتزم حضور جلسة أمام القاضي المنفرد الجزائي بهدف استرداد خلاصات لأحد الموقوفين. أما باقي المحاكم فقد خلت من القضاة والمتقاضين مثال محكمة الأمور المستعجلة. فعلى خلاف المعتاد حيث لطالما كانت قاعة هذه المحكمة مزدحمة فقد كانت بالأمس قرابة الساعة العاشرة والنصف صباحاً خالية، على الرغم من وجود لائحة جلسات طويلة على مدخلها. وبحسب شهادة الموظفين، فإنه لم يتم عقد أية جلسة منها وتم تأجيلها إداريا إلى مواعيد أخرى.

على صعيد أقلام المحاكم، فقد شهدت عملاً طبيعياً بحسب إجماع كافة الموظفين الذين التقتهم المفكرة على مدى يومين. وقد أكد البعض أن الأعمال وراء المكاتب مستمرة بالشكل المعتاد إلا أن كثرة التأجيلات تؤثر بشكل عام على المواطنين بسبب إردافها لفترات طويلة تصل إلى شهور عديدة واضطرار الخصوم والأقلام لإعادة تبليغهم المواعيد الجديدة للجلسات. يؤكد رئيس أحد الأقلام في قصر العدل أن إضراب المحامين "لا يؤثر على استمرار العمل وراء الأقلام مثل إضراب القضاة". وهو يشرح هذا الأمر معتبراً أن ما حصل نتيجة إضراب القضاة أدى إلى تراكم الملفات والرخاوة في التعامل مع المتقاضين، الأمر الذي أدى إلى العمل لساعات متأخرة في النهار". من جهته، يشير موظف آخر إلى أنه "لطالما كان الحضور إلى قصر العدل في شهر أيلول ضئيلاً"، بالتالي الوضع الحالي في قصر العدل لا يزال طبيعياً بالنسبة لهذه الأيام من السنة، بغض النظر عن الإضراب. ذلك أن "القضاة يلجؤون لتعيين الجلسات بكثافة أكثر ابتداء من تشرين الأول" وفقاً للموظف. لهذه الناحية يشير إلى أنه "يشعر أن المحامين لطالما إستمروا بفرصتهم إلى آخر شهر أيلول بمعزل عن الإضراب خلال الأعوام العشرين التي عملها في قصر العدل".

لناحية المحامين، فقد أكد جميع الذين التقتهم المفكرة التزامهم بقرار النقابة بالاستمرار في الإضراب. وقد اقتصرت أعمالهم في قصر العدل على المراجعات وعلى القضايا التي لا تحتمل التأجيل مثل تعيين خبير وإخلاء السبيل وغيرها. على الرغم من إلتزامه عملياً، أتت آراء المحامين من الإضراب متفواتة. كما برز لدى البعض عدم معرفة بأسباب الإضراب الذي يلتزمون به.

ترى محامية أن "الإضراب يؤخر العمل بشكل عام لكنه يبقى خياراً صائباً من النقابة لتجنيبنا دفع الضرائب المزدوجة". محام آخر يرى أن "المحامين ملزمون بقرار النقابة، فلا يمكن لكل محام أن ينفرد برأيه". وعليه يرى أن "الإضراب هو مصلحة عامة لجميع المحامين لذلك الالتزام به ضروري". محامية ثالثة أتت إلى قصر العدل لحضور جلسة تتعلق بموقوف تؤكد أن "مصلحة المحامين متضررة كسائر أصحاب المهن الحرة من الازدواجية الضريبية، فهو ضرر يقع علينا جميعاً". محاميان آخران التقتهم المفكرة أكدا أنهما يلتزمان بقرارات النقابة على الرغم من أنهما لا يعلمان شيئاً عن سبب الإضراب. حتى أن أحدهما أكد أنه لم يفهم معنى الازدواجية الضريبية التي أشارت إليها النقابة في بيانها. في المقابل يرى أن "قرار النقابة جاء نتيجة اجتماعات متتالية بالطبع وليس بالضرورة الدخول في تفاصيل أسباب الإضراب إذ أن المجلس النقابي يقوم بوظيفته بتحديد المناسب لنا كمحامين". وقد عبر عن ذلك بالقول أيضاً : "مجلس النقابة يجتمع ويفكر بالنيابة عنا".

من ناحية أخرى، يعرض أحد المحامين في قصر العدل عدة أسباب يرى فيها أنه لا فائدة من الإضرابات. وهو يرد ذلك إلى ثلاثة أسباب أساسية هي: "عدم جدوى الإضرابات وفقاً لما يبينه تاريخها، تراكم الملفات على المحامي ليس في مصلحته وأخيراً العدالة بالأصل بطيئة في لبنان فكيف مع إضرابات". ويتوسع المحامي بالحديث عن مسألة جدوى الإضرابات حيث يسترجع الإضراب الذي حدث عام 1961 والذي استمر أحد عشر شهراً. وقد أضرب وقتها المحامون بهدف إقفال معهد الحقوق العربي وحصر تعليم الحقوق في فرعَيّ "الجامعة اللبنانيّة"، وانتهى دون تنفيذ الحكومة أيا من المطالب. بهذا المثل، يؤكد المحامي على أن الإضراب عن العمل في لبنان لا يعني أنه سيؤدي إلى نتيجة إيجابية. كذاـ يشارك تجربة شخصية تبين مدى بطء سير العدالة، حيث كانت إحدى قريباته "تواجه قضية عقارية وأنا ما زلت طالباً. بعدها تخرجت وأنهيت سنين التدرج والقضية لم تنتهِ. في النهاية توكلت عنها في القضية شخصياً وتمكنت من حلها بالتراضي وليس قضائيا".

محامية أخرى تعترض على الإضراب بالقول إن “النقابة تعتمد الانتقائية في إختيار الأسباب الموجبة للإضرابات" وهنا تسأل: "لماذا لم تضرب النقابة عند التمديد للمجلس النيابي أو دعماً لرفع اليد السياسية عن السلطة القضائية؟".

 على الرغم من أن القضاة قد أوقفوا اعتكافهم، إلا أن أحد المواطنين وهو سوري الجنسية يجلس في باحة قصر العدل منتظراً مجيء القاضي ليقدم ورقة إسقاط حق تتعلق بأخيه الموقوف في قصر العدل. يقول إن أخاه موقوف منذ مدة وقد حصل على إفادة إسقاط حق منذ أسبوعين من المدعين لكنه لم يتمكن من تقديمها بعد. ويعود السبب إلى أن القاضي يستمر بالغياب عن مكتبه وفقاً لما يؤكد عليه. كان الشاب قد حضر إلى القصر لثلاث مرات بهدف التواصل مع القاضي لكنه لاقى الإجابة نفسها، "القاضي لم يحضر، انتظره خارجاً ربما يأتي". وفيما لا يتضح لهذا الشخص ما إذا كان سبب عرقلة مصالحه ترتبط باعتكاف القضاة خلال المرات السابقة لقدومه، أم لأسباب أخرى تتعلق بالقاضي نفسه، فإن مواطنين آخرين إلتقت بهم المفكرة أشاروا إلى أن أمورهم لا تتعرض للعرقلة كونها من خارج إطار ما هو خاضع لإضراب المحامين الذي يقتصر على الامتناع عن حضور الجلسات.