لا تزال قضية الأب ناجي أبي سلّوم تتفاعل على مواقع التواصل الإجتماعي بشكل عام وفي بلدة ميفوق بشكل خاص. فما هي إلاّ أيام وتباشر المدرسة عامها الجديد لكن بغياب مديرها، بعدما أبلغت الرئاسة العامة للرهبانية اللبنانية المارونية، هذا الأخير إنهاء مهامه في المدرسة ونقله إلى دير تابع للرهبانية في قرطبا دون أي تبرير واضح.

لكن القرار الذي سبق أن اعتبرته الرهبانية المارونية شأنا داخليا لا يستدعي أي تبرير، سقطت سريته أمام أهالي "ميفوق" ولا سيما الآباء والتلاميذ في مدرسة "دير سيدة ميفوق"، الذين  تداعوا عند الساعة التاسعة من صباح الأحد 17/9/2017 على نحوٍ عفوي غير منظم، واعتصموا أمام المدرسة، مطالبين بعودة "الأبونا ناجي" وقد هدد بعضهم بسحب أبنائهم من المدرسة في حال لم يعد إليها. فالأب ناجي بحسب الأهالي ليس مجرد رجل دين عادي. "هو تخطى المقاييس السائدة والتي بات متعارفاً عليها، وارتقى إلى مصاف القديسين في تعاطيه مع الناس. ليس من السهل استبدال انسان وقف إلى جانب أبناء الرعية في لحظات الشدائد فساعد الفقير والمعوز وكان رحب الصدر يستمع إلى شكوى الشاكي فلا يلوم أحدا ولا يحمّل أحد ذنباً بل ينصح وفق تعاليم المسيح". ولعل أفعاله الإنسانية المطبوعة في أذهان الناس "الإنسان نذر نفسه جسداً وروحاً لخدمة أبناء الرب وفقاً لتعاليم الكنيسة" تجعل من الصعب إنهاء مسيرته بمجرد قرار. ويؤكد الأهالي أن النقل حصل على خلفية الموقف الذي أعلنه الأب ناجي بشأن عدم جواز زيادة الأقساط المدرسية في المدرسة التي يديرها، وخصوصا مناشدته المدارس الكاثوليكية العودة إلى ضميرها الحيّ والتعاطف مع الناس في الظروف الصعبة التي يمرون فيها.

إذاً تجمع الأهالي حاملين يافطات تستنكر القرار الجائر بحق الأب ناجي أبي سلّوم. ومن الشعاراتالتي رفعوها "قد ما تبعد عنّا رح تبقى بقلوبنا منحبك يا أبونا ناجي"، "رح نشتاق لاهتمامك ورعايتك"، "رح نشتاق لكرمك وعطفك علينا"، "هنيئاً لمن عاش حياته مظلوماً ولم يعشها يوماً ظالماً". كما ذكر البعض من خلال الشعارات أن "رسالة التعليم مقدسة ومقدس حق الفقير بالتعلّم"، مطالبين "لا تحرموا أولادنا بصيص الأمل في التعلم" مطمئنين الأب ناجي أن "الله معك" و"مار شربل، نعمة الله الحرديني، اسطفان نعمة والقديسة رفقا لن يتخلوا عنك لأنك مجبول بطينتهم".  

 

اختفاء الأب ناجي يفاجئ الناس

وكان من المفروض بحسب الدعوة التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعية أن يشارك "الأب ناجي" في الاعتصام. لكن فوجئ الناس بأنه غادر الى "دير قرطبا" قبل يومٍ واحد من الاعتصام وقبل انتهاء المهلة المعطاة له لجمع أغراضه والتوجه إلى مقره الجديد والتي تنتهي نهار الاثنين. وفي معلومات للمفكرة من مصدر مطلع، "جاءه اتصال مساء السبت وأوعز إليه أن يغادر وألا يشارك في الاعتصام وإلاّ سيُعد محرضاً عليه، فجمع بعض حوائجه ومضى". وفي هذا الخصوص، قالت غلاديس ايمانويل أنها قامت مع عدد من أشخاص بإنشاء مجموعة group على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" للدعوة الى التضامن وقالت:"أنا ابنة الرعية و"الأبونا ناجي" كاهن رعيتنا. وصراحة ليس من السهل علينا أن نقبل أن يصدر هذا القرار الظالم بحقه. فنحن نعلم ما يقوم به، وكيف يعظ الناس، وكيف يتعامل مع الناس من الصغير إلى الكبير. كان من المفروض أن يشاركنا التجمع اليوم، لكن فوجئنا أنه ليس بالدير فقد غادر مسرعاً "ميفوق". وفهمت أن الإتهام يوجه إليه على أنه هو المحرض، ولكن أود أن أطمئن الجميع، أن التحرك جاء على نحوٍ عفوي من قبل الناس المتعاطفة والمتضامنة مع "الأبونا ناجي" على أمل يصل صوتنا مثلما نتمنى".  

 

مافي متلو

ولعل الأسباب التي تدفع الناس إلى التعلق بالأب ناجي، تعد ولا تحصى، ولكن أكثر ما يشيدون به هو تواضعه وعطفه مع "الطفل شربل". وما يميز شربل عن سواه من الأطفال أنه لا يملك ذراعين، وكان يتعلم في مدرسة سيدة ميفوق لمدة سنتين، فكان الأب ناجي يهتم بأدق تفاصيله التي تصل إلى حد أنه كان يدخله الى الحمام. وعن الأب ناجي، قال شربل: "أبونا ناجي ما في منو، أعرفه منذ نحو سبع سنوات، هذا الانسان لا يوجد مثله في كل لبنان يساعد كل محتاج. كنت عندما أشعر بالملل كنت أنزل إلى غرفته وأجلس معه وكان يدخلني إلى الحمام ويهتم بي. نيال قرطبا فيك". أما حسيبة خليفة والدة "شربل" فقالت: "أقل واجب عليّ اليوم أن أشارك في الاعتصام. ابنتي كانت في مدرسة "سيدة ميفوق" والآن سحبتها لأنه لم يعد موجوداً".

كما يروي المعتصمون أن طيبة الأب ناجي وعطاءه لا تقفان عند حدود أبناء رعيته بل كان عابراً برسالته الانسانية  لجميع الطوائف والمذاهب والجنسيات وكان جاهزاً لمساعدة كل محتاج. وهذا ما أكده أحمد معروف "سوري  الجنسية". لدى أحمد طفل هو محمد (خمس سنوات) وياسمين (أربع سنوات) يتعلمان في المدرسة نفسها. وعن علاقته بالأب ناجي قال:"ما في منو"، يزور الأولاد في الصف ويسألهم ماذا يحتاجون. أنا سوري أعلمهم بالدير لكنني أدفع مثلي مثل اللبناني، والقضية لا تتعلق بالمال وحسب، "فالأبونا ناجي" رجل إنساني جداً ويساعد الناس دون تمييز بين مسلم أو مسيحي فيؤمّن حاجات التلاميذ وإذا مرض أحدهم يساعده. إنشاء الله سيعود فمثله لن يأتي أحد إلى المدرسة".

وقد شارك غالب الدويهي من "حملة منع زيادة الأقساط المدرسية في المدارس الكاثوليكية" في الاعتصام معتبراً ذلك "أقل واجب تجاه من يقف إلى جانبنا ومن نعدّه الأنموذج الذي نريد ونطمح إليه".وقال: "نحن أنموذج "الأبونا ناجي" نريد تعميمه وأن يكون موجوداً في كل مدرسة ومعهد تابع للكنيسة، لأنه فعلاً يجسّد تعاليم الرب، من رحمة واحتضان للفقير قبل الغني. فنحن مؤسساتنا وجدت من أجل الفقير والغني وليس وفقاً للمفهوم السائد اليوم "من لا يستطيع أن يعلم أولاده لدينا يتفضل ويضعهم في مدارس رسمية". فهذه مقولة مرفوضة وتعاليم الرب ووصاياه قبل كل شيء، أنجيلنا واضح، مدارسنا للفقراء، والذي يعجز عن تطبيق هذه المقولة يعتبر نفسه فاشلاً ويقدم استقالته ويرحل".

وخلال الإعتصام مرّر راعي أبرشية البترون المطران منير خير الله. فطلب منه الأهالي أن "يدعم الأب ناجي" من خلال كلمة عبر التلفاز" كما طلبوا منه أن "يخبرهم ما هي الأسباب التي أدت إلى نقله إلى دير قرطبا". وكانت قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال تغطي الاعتصام. لكن طبعاً، المطران الملتزم باحترام قرار الرئاسة العامة لم يذكر شيئاً كما لم يبدِ ما يدل على تضامن ما، واكتفى بالقول:"أنا برأيي هذا تدبير كنسي، أشكر كل تعاطفكم وإن هذا التعاطف هو لأن أبناء الأهالي يتعلمون في المدرسة وما يهمهم أن يستمر أولادهم بالتعلّم فيها، وأن يأخذوا التربية المسيحية والتنشئة على القيم الوطنية التي تعودت عليها مدرسة "سيدة ميفوق" منذ القدم. وختم "أبونا ناجي أو غيره المهم أن هدف هذه المدرسة أن يستمر أبناؤنا في التعلم فيها وأن تكون الاقساط مقبولة".

إلا أن التلميدة غريس عيروق في المدرسة، رفضت ما قاله المطران وأمامه قالت "لا إن تغيّر الأبونا لن يبقى الوضع كما هو عليه". وفي حديث معها قالت: "إن الأبونا يحب الله وهو ليس من نوع الآباء الذين يسرقون ويسعون إلى ملء جيوبهم. هو يساعد الفقراء وكان يعاملنا مثل أبنائه. يساعد الفقير ومن لا يملك حذاءً يذهب ويشتري له حذاء. لا أحد مثله فهو قد رحل وبقي قسط المدرسة مثلما هو، ولكن أحداً لا يعرف كيف يتعامل مع التلاميذ مثله فهو لديه طريقة خاصة. ومن بعده "فرطت" المدرسة. فالكثير من الأهالي لا يريدون تسجيل أبناءهم فيها مجدداً. نحن لا نطالب بعودته من أجل القسط وإنما من أجل "الحنية" التي يملكها. كل "ميفوق" تعرفه وصحيح أن هناك الكثير من الناس الذين يساعدون المحتاجين ولكن يفعلون ذلك والكاميرا تكون خلفهم أما هو فيساعد من "تحت لتحت" لأنه يقوم بالأمر من كل قلبه".

 

الراعي وتجار الهيكل

استمر اعتصام الأهالي على نحو ساعتين من الزمن، فقد كانوا بإنتظار وصول غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، الذي كان من المقرر أن يحيي قداس الأحد في كنسية سيدة ايليج سلطانة الشهداء، ميفوق - القطارة، وسيمر بطبيعة الحال من "ميفوق". وقد تحدث أحد الأهالي مع القوى الأمنية شارحاً له ضرورة أن يقابل الناس البطريرك ليوصلوا إليه الرسالة تحت طائلة قطع الطريق عليه في عودته من القداس. فكان التطمين أن الراعي سيقف ويقابل الناس. في هذا الوقت كانت كريستال ابنة الخمسة أعوام تقف في المقدمة تنظر إلى عناصر القوى الأمنية وترفع صورة للأب ناجي تقبلها بين الحين والآخر، ثم تصرخ ببراءة الأطفال"هلق جاية أبونا ناجي وإذا ما إجا بدي خلي الجيش يحبس لي أخدو".

وقرابة الساعة العاشرة والنصف، مر موكب مؤلف من سيارتين من نوع "رانج" مفيمة فتخوف الناس من أن يكون "الراعي" قد مرّ لكن قيل لاحقاً أن هذا للتمويه وحسب. وعند الساعة الحادية عشر إلا ربع، وصل موكب مهيب مؤلف من أربع سيارات فاخرة عرف أنها للبطريرك، صرخ أحدهم "وصل سيدنا" وطُلب إلى الناس التصفيق بحرارة له لينزل ويقابلهم. ولكن ما أن هّم بالخروج حتى ألقى بنظره على يافطة حملت شعار "الويل لكم يا تجار الهيكل"، فانتفض غاضباً ورجع الى سيارة قائلاً "اذا نحن من تجار الهيكل ما في داعي نكون هون يعطيكن العافية"،  "مش هيك بتستقبلوا البطريرك". إلاّ أن أحد أبناء البلدة سارع إليه وقبّل يده واستسمحه وطلب ممن رفع اليافطة أن يسحبها. كما قال للراعي "نحن تحت سترتك ونحن هنا في كنف الكنيسة ويلي حضرتكم بتفصلوه نحن منلبسو".

عندها ابتسم الراعي وسأل "شو المشكل". وكأن الأخبار المتداولة في القضية وكل اليافطات المرفوعة وصور الأب ناجي لم تكن كافية للتعبير عن سبب المشكلة. فشرح له الرجل الموضوع وقال له أن الأب ناجي "هو رجل الإخلاص والمحبة والعطاء والوفاء لكل الناس الموجودة هنا اليوم" وطالبه باسم الأهالي "برفع الظلم عن هذا الخوري لأن مثلما أنت تمثلنا هو يمثلنا". فرد عليه الراعي قائلاً "رح احكي الرئاسة العامة" ثم صعد في سيارته وانطلق الموكب.

أما الاعتصام فقد انتهى مع تأكيد الأهالي باستمرار التحركات المطالبة بعودة الأب ناجي أبي سلوم إلى مكانه الطبيعي في المدرسة وبين رعيته. فهل يجدون صدى لأصواتهم أم أن "تجار الهيكل" سينجحون في قمعها؟