شكل الطعن الدستوري بالقانون رقم 45 والذي وقع عليه عشرة نواب بتاريخ 30/8/2017، فرصة لائتلاف الشاطئ اللبناني للمطالبة برفع التعديات عن الأملاك البحرية. ويعد هذا التحرك هو الأول للائتلاف منذ انطلاقته في حزيران 2017. في هذا السياق، تقدم الإئتلاف بالتعاون مع "المفكرة" بمذكرة لدى المجلس الدستوري بهدف تبيان مخاطر المادة 11 في القانون المطعون به والمتعلقة بمعالجة الإشغال غير القانوني للأملاك البحرية. وقد أسهبت المذكرة في شرح المخالفات الدستورية للمادة 11، لا سيما أنها تشرع لاستمرار مفاعيل الإعتداءات على الأملاك البحرية على نحو ينتقص من حقوق المواطنين لفترات زمنية طويلة. من جهة أخرى، رأت المذكرة أن الطعن الذي تقدم به النواب توقف عند حدود المس بمصالح المصارف لناحية تركيزه على المادة 17 المتصلة بالازدواجية الضريبية والضريبة على الفوائد.

المجلس الدستوري: لا نقبل المذكرات

في ظل غياب أي نص قانوني يمنع المجلس الدستوري من قبول المذكرات من المواطنين، رفض المجلس قبول المذكرة بقرار شفهي. وجاء تبرير المجلس لهذا الرفض بأنه لا يريد فتح الباب لقبول المذكرات كي لا تتكاثر عليه أعدادها، مشيراً إلى أنه سوف يطلع عليها من خلال الإعلام.  

في المبدأ يحصر القانون حق الطعن بدستورية القوانين ب “10 نواب أو رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو رئيس مجلس النواب أو رؤساء الطوائف وفقاً للمادة 19 من الدستور اللبناني". وتبعا ذلك، سيكون المجلس مدعوا للاجتهاد على نحو يسمح للمواطنين من إبداء آرائهم. وها ما تقترحه المذكرة مستندة إلى أسبقيات للمجلس الدستوري الفرنسي والتوجه العالمي في هذا الخصوص مع تطور مفهوم "صديق المحكمة". وكان المجلس الدستوري رفض في 2015 قبول مذكرة في مراجعة الطعن بقانون استعادة الجنسية (رقم 41/2015) والتي تقدمت بها جمعيتا "المفكرة القانونية" و "مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي" آنذاك.

وردا على رفض المجلس، أعلن المدير التنفيذي للمفكرة القانونية نزار صاغية أن المفكرة ستواصل تقديم مذكرات من هذا النوع لما لها من فائدة في تعزيز دور المجتمع في المنظومة الدستورية وإغناء قرارات المجلس. "فالباب الذي لا يفتح نواصل بقرعه". وفي مطلق الأحوال، ستصل المذكرة إلى أعضاء المجلس من خلال الإعلام الذي كان موجودا بجميع وسائله أمام المجلس بمناسبه تسليمه المذكرة.

من جهته يؤيد مؤلف كتاب "الأملاك البحرية بين القانون والاجتهاد" المحامي إيلي خطار مضمون المذكرة بينما يعلق على الشكل الذي تقدمت به، إذ لا يشجع اللجوء للمجلس الدستوري لتقديم المذكرات مرجحاً أن "يتم رفضها بشكل مسبق". وبغض النظر عن الاختلاف بالرأي حول استراتيجية تقديم المذكرة، يؤيد خطار "الاجتهادات التي وضعتها المذكرة لناحية فتح الأبواب الضيقة أمام المواطنين للمراجعة أمام المجلس"، لكن بالمقابل يشير إلى أن المجلس غير ملزم بها. لذلك، يقترح أن يتم "التعاون مع نواب في البرلمان اللبناني" مع الإشارة إلى أنه "لا بد من وجود نواب يؤيدون مضمون هذه المذكرة، فكان من الممكن أن يتقدموا بالطعن بمشاركة جمعيات المجتمع المدني".

الشاطئ له حراسه

تؤكد الناشطة في الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة نادين بكداش في حديث مع المفكرة إلى أن "المذكرة تفتح المجال أمام حث المجلس الدستوري على مراجعة جميع أحكام القانون وليس فقط المواد المطعون فيها". كما توضح أن "الإجراءات العادلة هي أن يتم إزالة التعديات بكاملها عن الأملاك البحرية وليس تشريع تسويات تبقي على حرمان المواطنين كما الأجيال القادمة من الولوج إلى البحر". من ناحية أخرى، تشدد بكداش على أن "القانون قد شرع التعديات على الشواطئ بأكملها مقابل غرامات زهيدة".

في ضوء التحرك الأول للائتلاف، تشير الناشطة بيروت مدينتي ناهدة خليل إلى أن "التحركات الكثيرة التي قامت بها الجمعيات المدنية لأجل حماية الشاطئ كانت متفرقة جداً".  من هنا تنطلق خليل للحديث عن الهدف الأسمى لتشكيل الائتلاف مشيرةً إلى أنه تشكل لأجل "توحيد القوى لحماية الشاطئ، ليكون بمثابة تنظيم لتلك التحركات في وجه السلطات". وبمناسبة تقديم المذكرة، تشدد خليل على "ضرورة عدم مرور القانون المطعون به معتبرةً أنه مجحف بحق المواطنين كما بحق موازنة الدولة". من ناحية أخرى، تلفت إلى "وجود تعديات على نحو 85 بالمئة من مساحة الشاطئ اللبناني وبعض هذه المنشآت المتعدية يملكها أشخاص ذو نفوذ سياسي إن لم يكونوا من داخل السلطة".

وبذلك، ترى خليل أن "القانون 45 هو بمثابة غطاء لسياسيين استغلوا نفوذهم لتسوية المخالفات التي ارتكبوها". ولناحية ما تراه خليل الحل الأفضل لمعالجة التعديات، تؤكد على وجوب "دراسة كل حالة منفردة بالتعاون مع مجموعة من المتخصصين مع إشراك المجتمع المدني والعمل على إزالة المخالفات عن كامل الشواطئ اللبنانية".

لا دستورية في سن القانون: غرامات زهيدة، عفو على بياض ومعالجة تمييزية للمستقبل

من جهته يؤكد صاغية أن أبرز ما تطرقت اليه المذكرة هي الأسباب التي توجب إبطال المادة رقم 11 من القانون المطعون به (45). إذ يفند ثلاثة أسباب رئيسية تثبت عدم دستورية المادة:

أولاً: يؤكد صاغية أن الوظيفة المعلنة للقانون وهي "تمويل سلسلة الرتب والرواتب تعتبر غير فعالة بحكم الغرامات الزهيدة التي طالت المعتدين على الأملاك البحرية العامة". لهذه الناحية يشير صاغية إلى أنه لدى احتساب الغرامات على المخالفات تبين أنها غير عادلة ولا تتماشى مع شروط التعويض العادل أو مبدأ المساواة بين المواطنين". هذا الأمر تلحظه المذكرة إذ تشير إلى عملية حسابية غير عادلة للغرامات. فما يؤخذ به هو "تقديرات سعر المتر المربع وفقاً للعام 1992 دون الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع قيمة بدل العقارات وإشغالها الحاصلة منذ ذلك العام". وتورد المذكرة مثلا هو التقدير للمتر المربع في مسابح المنطقة بـ 625000  ليرة(أي ما يعادل أربعمائة د.أ) فيما أن ثمنه الحقيقي لا يقل عن ثمانية آلاف دولارا اميركيا للمتر الواحد".

ثانياً: يعتبر صاغية أنه بموجب هذا القانون فقد "ضيع لبنان مناسبة جديدة لإرساء أسس نموذجية للتعامل مع الماضي على نحو يضمن عدم تكراره". فبحسب رأيه فإن القانون هو "بمثابة عفو كامل أو جزئي للمعتدين عن المسؤولية الجزائية الناجمة عن الاعتداءات الحاصلة قبل تاريخ 1/1/1994". وفقاً لصاغية، فإن هذا العفو "يشكل تمييزاً لصالح فئة من المواطنين ضد فئات أخرى من دون مبرر ويناقض مبادئ الحد الأدنى من العدالة الانتقالية". ويؤكد كلامه في الإشارة إلى أن "المناقشات التشريعية على هذا القانون تمت بمراعاة رأي نقابات أصحاب المنتجعات السياحية". وتستعيد في هذا السياق رئيسة لجنة "أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان" وداد حلواني هذا التشبيه مقارنة التسوية الحاصلة بملف المفقودين. ف "القانون يكرر سياسة التواطؤ والتستير والترقيع على جرائم الماضي، ليثبت لنا مرة أخرى أن السياسيين مشاركون بهذه الجرائم لا سيما التعدي على أملاك العموم". كذا وتوصف حلواني القانون 45 "بالتنزيلات الشرائية على الأملاك العامة، ليكون فرصة أخرى لنهب ثروات الشعب لصالح النافذين وأصحاب رؤوس الأموال". في سياق متصل تشدد حلواني على أنه "في تاريخ نضال أهالي المفقودين كانت تعترضنا جبال من العقبات لا سيما المحاصصة والنهب والمصالح المالية والطائفية على غرار مسألة الأملاك العامة".

ثالثاً: يرى صاغية أن القانون "يبقي على الإنشاءات المخالفة على الأملاك العامة البحرية ويصدر مراسيم تشرع استملاكها"، خصوصاً وأنه "يفتح الباب وللمرة الأولى بتاريخ لبنان لإنشاء مساحات خارج القانون بموجب قانون وذلك من خلال تشريع إبقاء واستغلال المنشآت الدائمة المبنية خلافاً للقانون على الأملاك البحرية العامة". وبذلك، يعتبر صاغية أن القانون 45 قد "ألغى وظيفة النيابة العامة للتحرك لإزالة المخالفات".

كما يشير صاغية إلى تضمين المادة 11 مسألة خطيرة وهي إمكانية إصدار مراسيم تجيز إشغال المساحات المعتدى عليه من دون مدة محدودة وذلك بخلاف  المادة 89 والتي تمنع احتكار أي مصلحة ذات منفعة عامة "إلا بموجب قانون وإلى زمن محدود". وبذلك، يكون قد أعطى الجهات المخالفة وضعية تمييزية بالنسبة إلى شاغلي الأملاك العمومية وفق القواعد المعمول بها.

ومن اللافت بالمقابل أن المذكرة دعت إلى استثناء بندين من المادة 11 من الإبطال هما 15 و16، واللذين ضمنا حق الولوج إلى البحر تحت طائلة المعاقبة الجزائية ويلزمان الحكومة بتأمين تواصل الشاطئ ضمن الأملاك العامة".