التوطئة:

منذ بواكير الصياغة الدستورية لهذا الحلم الشعبي الليبي وعيون النساء ترنو إلى باب الحقوق والحريات والكل حذر على اختلاف توجهاتن السياسية والفكرية. ويبقى التساؤل المشروع: هل استجابت مسودة الدستور الأخيرة لكل تلك الأحلام المتباينة حد التناقض؟

حين شكلت اللجان النوعية، تم اختيار ثلة منتقاة أغلبهم من القانونيين والحقوقيين ليتولوا كتابة الباب الثاني في المسودة " الحقوق والحريات". ولذلك جاء هذا الباب في مسودة هذه اللجان مميزاً إلى حد ما، حيث حوى حقوق الجيل الرابع وتميز باشتماله على عدد لا بأس به من الحقوق مثال الحقوق والحريات المتعلقة بنشاط الإنسان السياسي والحقوق والحريات المتعلقة بشخصية الإنسان والحقوق المدنية والمتعلقة بفكر الإنسان والخاصة بنشاط الإنسان الاقتصادي والحقوق والحريات القضائية والاجتماعية وأخيراً تلك المتعلقة بالأنشطة الثقافية. ولم تميز المسودة في ذلك الباب في شأن هذه الحقوق بين الرجال والنساء، لكنها تضمنت حماية دستورية خاصة لحقوق المرأة في المادة التاسعة والأربعين منها ومفادها "تلتزم الدولة دعم ورعاية المرأة وسن القوانين التي تكفل حمايتها ورفع مكانتها في المجتمع والقضاء على الثقافة السلبية والعادات الاجتماعية التي تنتقص من كرامتها وحظر التمييز ضدها وضمان حقها في التمثيل في الانتخابات العامة، وإتاحة الفرص أمامها في المجالات كافة. وتتخذ التدابير اللازمة لعدم المساس بحقوقها المكتسبة ودعمها". وبعد مخاض التعديلات الجمة ظهرت المسودة الاخيرة وقد أخذ ببعض أعمال اللجان النوعية وعدل بعضها وحذف الأخر. وفيما يخص المرأة يلفت النظر إلغاء صدر المادة والتي كان يعيبها صياغتها الدينية الصرفة غير المتماشية مع صياغة النص الدستوري " النساء شقائق الرجال" تلك العبارة التي عدتها بعض الأقلام النسوية استجداء من المشرع الدستوري لحقوق النساء من الرجال بتذكيرهم بأنهن شقيقاتهم. ولعل المقلق للنساء هو خسارتهن لنص بديع في مسودة اللجان النوعية يتعلق بحظر أشكال العنف والتمييز ضد المرأة كافة، ومن ذلك: الإكراه على الزواج

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مواد الدساتير ليست مجرد أحجار متناثرة في أرض فضاء ،أو متراكمة بعضها على بعض مثل كومة ركام، إنما هي مواد يجب أن تتسق مع بعضها البعض، لتبني معاً كياناً متكاملاً له فلسفة، أو رؤية تعكس تصور الأمة لنفسها في مرحلة تاريخية معينة. فلن يستقيم الحديث عن حقوق وحريات المرأة في المسودة بدون القول أن الدستور كله يضبط الحقوق والحريات ، وكله وحدة عضوية واحدة ويفسر كذلك، ولمبادئه الحاكمة تأثير مباشر في الحقوق والحريات. ولذلك تكون الصياغة العامة للدستور هامة جدا. ولدى التدقيق فيها، نتبين أن المشروع الدستوري قد استعمل أسلوبين في مخاطبة المرأة الليبية : الأول ، بصفتها امرأة  " مواطنة" والثاني مخاطبتها بصفة عامة " مواطن تشمل الرجل والمرأة". وقد قصر مخاطبته لها في حالات نادرة متأثرا بخوفه من أن يفهم الاستحقاق أو التكليف على أنه ذكوري النطاق. فقد ذكرت المسودة في مادتها السابعة: "المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه". كما ذكرت في مادتها التاسعة: "الدفاع عن الوطن ووحدته واستقلاله واجب على كل مواطن ومواطنة"، وفي مادتها السادسة عشر: "تكافؤ الفرص مكفول للمواطنين والمواطنات".

والإشكالية هنا تكمن في احتمالية أن يدلل عند تفسير نصوص أخرى بأن المشرع لو أراد أن يؤنث المخاطب لفعل كما فعل في هذه النصوص (7،9،16). ولذلك تؤخذ حجة على أن المخاطب رجل فيما سواها من نصوص الدستور بما تحمله مضامينها من تكاليف وحقوق. ورفعاً لأي لبس كان يتوجب على المشرع توحيد المخاطب أما بعطف لفظ المواطنة على كل مخاطب مواطن وأما بتذكير المخاطب مع إضافة مادة عامة تؤكد سريان اللفظ على الرجال والنساء.

أما من جهة المعنى، فإن النساء الليبيات يتطلعن إلى نص المادة السادسة باعتباره مفصليا في ترسيم حقوقهن وحرياتهن. فجعل الشريعة الإسلامية مصدر التشريع بما يعنيه من كونها المصدر الوحيد ودون ان يقتصر ذلك على المبادئ العامة أو القطعية الثبوت والدلالة يغلب عليهن التخوف من إجحاف السلطة التشريعية بشأنهن في مقتبل الأيام بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية التي قد تقصر عند التطبيق على آراء أو أفكار متشددة جداً. كما أن الطعن بعدم الدستورية للمخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية سيكون مصير أي قانون تصدره السلطة التشريعية تحقيقاً للمكاسب النسوية بل أن أثره قد يمتد إلى القوانين السابقة والتي أقرت حقوقا وجب احترامها بوصفها حقوقا مكتسبة.

كما أن مشكلة التمثيل النسوي في كل الهيئات والمجالس تثار بمناسبة التمييز الإيجابي الذي يفترض أن يحققه الدستور للمرأة الليبية. فهناك متطلعات إلى وجوب تضمين نسبة (تتراوح بين 45% 30%) في كل مجلس منتخب أو هيئة دستورية، بينما قصر المشروع الدستوري الكوتا في نطاق ضيق جداً. فنص عليها في المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء ليكتفي بضرورة تمثيل النساء بدون ذكر نسبة معينة في مجلس حقوق الإنسان. وساق في المادة 185 حكما انتقاليا مفاده أن يضمن أي نظام انتخابي تمثيلاً للمرأة بنسبة خمسة وعشرين بالمئة من مقاعد مجلس النواب والمجالس المحلية مدة دورتين انتخابيتين، مع مراعاة حق الترشح في الانتخاب العام. كما أنه عدل من شروط الترشح للرئاسة بحيث أشارت صراحة لمكنة ترشح المرأة الليبية لهذا المنصب. فقد كانت الفقرة الثالثة من المادة التاسعة والتسعون تنص على شرط ألا يكون زوجاً لأجنبية، وتمت أخيراً إضافة "لأجنبي أو أجنبية".

تبقى الحقوق الاجتماعية هي الأخرى محط تركيز النساء الليبيات. المواد المنظمة لها حظيت باهتمام بالغ سيما المتعلقة منها بالجنسية وتحيد هوية الليبي المخاطب بأحكام هذا الدستور. فقد نظمت المسودة في نسخها الأولى المساءلة تارة باستبعاد ابن الليبية من التنظيم وتارة بتنظيم منحه للجنسية باعتبارها جنسية مكتسبة وانبرت في نقد تلك المعالجة أقلام حقوقية كثيرة. ولذلك قرر واضعو المسودة الأخيرة حذف أي أحكام تفصيلية بالشأن وترك الأمر برمته للسلطة التشريعية لتنظيمه في قانون مع مراعاة المصلحة الوطنية والمحافظة على التركيبة السكانية وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي. وهم في ذلك يقومون بترحيل المشكلة للسلطة التشريعية من جهة ويفقدون المرأة الليبية حقاً دستورياً أصيلاً في أن تمنح جنسيتها لأبنائها أسوة بالرجل الليبي.

كما أن الأسرة بوصفها أساس المجتمع عُرفّت في المسودة بأنها القائمة على الزواج الشرعي بين رجل وامرأة، وحُددت أسسها بالآتي: الدين، الأخلاق، تكامل الأدوار بين أفرادها فضلا عن المودة والرحمة. وقد كفلت الدولة حمايتها، وحماية الأمومة والطفولة.

وأخيراً، فقد نصت المادة 50 على الحق في الحياة الكريمة لبعض الفئات المحتمل تضررها اقتصادياً نتيجة لوضع اجتماعي معطوب ومنهم النساء من فئة كبار السن والأيتام والأرامل والمطلقات والمتأخرات عن الزواج، وذلك من خلال التضامن الاجتماعي.

ويذكر أن هذه المادة كانت تحوي عبارة "وتعمل الدولة على التوفيق بين واجبات المرأة وعملها" حيث كانت توحي بأن تربية الأولاد والعناية بشؤون الأسرة هو شأن نسوي صرف وهو ما يخالف الأساس الدستوري للأسرة وهو تكامل الأدوار. وقد تم  شطبها تبعا لانتقادات كثيرة وجهت إليها.

التوصيات:

بالإضافة إلى التعديلات المقترحة أنفاً، يمكن أن يقدم الدستور الليبي الجديد  أيضا الفرصة لإدراج ترتيبات إجرائية ومؤسساتية تساعد في تفعيل أحكام الحقوق الثابتة، وأن يؤكد على الاختصاص الأصيل والوحيد للسلطة التشريعية بتنظيم الحقوق والحريات، وذلك بحظره الصريح للتفويض التشريعي بالخصوص. ويمكن للدستور المرتقب أن ينصّ صراحة على مسؤولية الدولة في مسألة حماية الحقوق والحريات العامة وتعزيزها، ووضع الأنظمة الأكثر جدية للرقابة القضائية، وإقامة مؤسسة دستورية مستقلة تعنى بالشأن النسوي "مجلس أعلى للمرأة".

 

 


[1] المقدمة لمجلس النواب بتاريخ: 29 يوليو2017م ، وعند كتابة هذه المقالة طعن عليها امام القضاء الإداري وقرر القضاء النظر في الطعن.