"حتى عندما تصاعدت نغمات الفساد في سنين سابقة، لم تحصل فضيحة بهذا الحجم الوقح الحاصل في صفقتي الهاتف والبواخر". هذا ما قاله الوزير السابق وئام وهاب في مقابلة أجراها معه مراسل قناة الجديد هادي الأمين ضمن تقرير حمل عنوان "دفتر شروط مناقصة البواخر...غير مطابق للمواصفات". ضمن المقابلة ذاتها، يؤكد وهاب أن "أي محاولة لتطيير جون علّية (مدير عام إدارة المناقصات في التفتيش المركزي) ستكون فضية الفضائح لأن "علّية يحمي المال العام، وهو يتصرف كحارس للمال العام". يعبر حديث وهاب عن الرغبة العارمة لدى مجلس الوزراء بالحد من دور إدارة المناقصات أو إستبعادها، لتمرير الصفقات من دون رقيب فعلي. انطلاقاً من ذلك، ومن واجب الدفاع عن انتظام مؤسسات الدولة والمال العام، تتابع "المفكرة" التفاعل الحاصل على هذا الصعيد، بين مجلس الوزراء وإدارة المناقصات، مثنية على الدور المقاوم لهذه الأخيرة في  حماية المال العام ومنع هدره (المحرر).

صدر عن مجلس الوزراء حتى الآن ثلاثة قرارات في موضوع مناقصة الكهرباء، يتبين منها بوضوح وجود تيارين داخل مجلس الوزراء: أكثرية تسعى إلى تمرير صفقة الكهرباء ساعية ما قدرت إلى حصر الرقابة المسبقة بشأنها ونقلها إذا أمكن من رقابة إدارة المناقصات إلى رقابة وزارية (سياسية)، وأقلية تسعى إلى إحراج الأكثرية وصولاً إلى المحافظة على الحدّ الأدنى من الرقابة، تحت إشراف إدارة المناقصات. وهذا ما يتبين بوضوح بالعودة إلى تفاصيل هذه القرارات:

القرار رقم 64 الصادر بتاريخ 21/6/2017

القرار الأول بهذا الشأن هو القرار رقم  64[1] الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ 21/6/2017. وقد صدر هذا القرار بعدما أحرج وزير الطاقة سيزار أبو خليل إعلاميا، فأحال إلى مجلس الوزراء طلبا باتخاذ قرار بفض العروض المالية، مؤثرا أن يتم ذلك من خلال لجنة وزارية وإلا من قبل إدارة المنقصات على أن يحصر دور الهيئة المعينة بفض العروض المالية من دون أي تدبير آخر. وفيما نجحت الأقلية داخل مجلس الوزراء في إناطة الأمر بالمرجع القانوني للمناقصات الذي هو إدارة المناقصات، فإن القرار تبين بالمقابل بنودا تدل على نجاح الأكثرية في الحد من صلاحيات هذه الأخيرة على نحو يخالف السياق القانوني الواجب التطبيق، لا سيما لناحية المحاسبة العمومية ونظام المناقصات. وأبرز ما انطوى عليه القرار من مخالفات، الأمور الآتية:

  • التعدي على الصلاحية الشاملة لإدارة المناقصات، والتي تمتد إلى الرقابة التقنية والإدارية بالإضافة إلى المالية، وذلك من خلال محاولة حصر صلاحياتها بالرقابة المالية.
  • الطلب إلى إدارة المناقصات فض العروض المالية على الرغم من عدم إنتهاء المستشار الدولي Poyry  من وضع تقريره التقني الذي كان يقتضي إنهاؤه قبل وضع دفتر شروط وإجراء المناقصة أصلا.

وبنتيجة ذلك، حصل تعديل لدفتر الشروط بعد تقديم العروض لغاية توفير شرط المنافسة ولو شكليا، وهو شرط لفض العروض المالية.

إثر هذا القرار، وضع مدير عام المناقصات جون علّية تقريرا مفصلا رفعه إلى أبي خليل حول المخالفات التي تعتري الصفقة، والتعديات الحاصلة على صلاحيات الإدارة. وقد أعلن فيه امتناعه عن فض العروض المالية، للأسباب سابقة الذكر وغيرها من الأسباب المتعلقة بالمناقصة مباشرةً، لا سيما أنها مطابقة لعارض واحد مما يفقد المناقصة طابع المنافسة.

القرار رقم 60 الصادر في 17/8/2017

هذا التقرير لم يلق ترحيب الوزير، حيث طلب إلى مجلس الوزراء في الجلسة المنعقدة بتاريخ 17/8/2017 إعتباره "ساقطا شكلاً ومضموناً" ويقتضي "الإهمال". لكن، هنا أيضا نجحت الأقلية في تسجيل بعض النقاط، لتتراجع في نقاط أخرى تحت ضغط الأكثرية.

وعليه، أصدر المجلس القرار رقم 60 الذي نص على "إلغاء استدراج العروض المتعلق باستقدام معامل توليد الكهرباء العائمة بسبب وجود عارض واحد". بالتالي، قرر المجلس التجاوب مع طلب علية ب "عدم فض العرض المالي وإعادته إلى الشركة التي سبق أن تقدمت به"، ليطلب من "وزير الطاقة والمياه إعداد دفتر شروط جديد". إلا أن القرار عاد وحدد شروط المناقصة على نحو يقيد بل يخنق إدارة المناقصات خلافا لأحكام القانون. فقد جاء فيه:

  • يحدد مجلس الوزراء في قراره مهلة أسبوعين أمام الشركات الراغبة بتقديم عروضها، وهي مهلة جدّ قصيرة تؤدي بحد ذاتها إلى تقليل الجهات المستعدة أو القادرة على خوض المنافسة، خلافاً لغايات أي مناقصة.
  • إلزام إدارة المناقصات بمهلة 10 أيام لفض العروض ورفع نتيجة إستدراج العروض لعرضها على مجلس الوزراء بتاريخ 15 أيلول 2017[2]:

يؤخذ على هذا البند أولاً أنه لا يستند إلى أي قانون يتيح لمجلس الوزراء أن يحدد مثل هذه المهلة لإدارة المناقصات. وثانياً أن هذه المهلة تعسفية لا سيما أن أحداً لا يعرف عدد العروض التي قد تقدم. بالتالي لم يستند المجلس إلى أي معيار موضوعي ليقرر مدى كفاية هذه المهلة لإجراء رقابة فعلية على العروض. الأمر الذي يجعل هذا البند عقبةً أمام قيام إدارة المناقصات بدورها الرقابي على وجه من الدقة والوضوح. وتقصير هذه المهلة يشكل مصادرة مباشرة للصلاحية الرقابية، من خلال خنق الرقيب بمهل غير منطقية.

  • تشكيل لجنة تقنية من قبل وزير الطاقة والمياه لدرس وتقييم العروض الإدارية والمالية مع إدارة المناقصات[3]:
  •  بفرض لجان إدارية وتقنية على إدارة المناقصات خلافاً للقانون. حيث أن مدير عام إدارة المناقصات يتمتع بصلاحية تسمية أعضاء "لجان التلزيم" التي تتعهد بمراقبة حسن إنطباق مسار المناقصة على القانون، على أن يختارهم من ضمن لوائح مصادق عليها من قبل التفتيش المركزي. كذا بالنسبة إلى"لجان الخبراء" التي تختص بالتدقيق التقني والفني. وبما أن قرار مجلس الوزراء لم يبلغ بفجاجته حد إخراج إدارة المناقصات من المعادلة بالمطلق، يكون بهذا المعنى قد تركها لتلعب دوراً رقابياً مجازياً، يحملها من خلاله فيما بعد كل المخالفات. فتتحمل هذه الإدارة نتائج مناقصة أقرها الوزير عبر لجنة يؤلفها.
     

القرار رقم 52 الصادر في 24/8/2017

بتاريخ 24/08/2017، وإذ أقر مجلس الوزراء دفتر الشروط كما عدله وزير الطاقة والمياه، فإنه عمد بناء على ملاحظات وردته من إدارة المناقصات وعلى ما نشر في وسائل إعلام، إلى تطويل مهلة تقديم العروض من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع (وهي تبقى مهلة جد قصيرة بالنسبة إلى مناقصات بهذا الحجم وهذا النوع). واللافت أن مجلس الوزراء يستمر بتضمين قراراته بنوداً تؤشر على نية تهميش إدارة المناقصات، بحيث أعطاها مهلة 48 ساعة فقط لبيان رأيها حول الشروط المدرجة في دفتر الشروط الخاصة المعدل[4]، خلافا للمادة 18 من نظام المناقصات التي أعطتها مهلة 5 أيام للقيام بذلك. وهذا الأمر يعني أن مجلس الوزراء قرر أن ينتقص من مهلة قانونية ممنوحة لهيئة رقابية ما يصب في عرقلة إتمامها لمهامها الرقابية.

وعلى الرغم من ذلك، علمت المفكرة القانونية أن الإدارة أحالت الملف ضمن المهلة المحددة، تفادياً لتحميلها أي مسؤولية شكلية عن تأخير سير الإستدراج.

وبمعزل عن مضمون هذه القرارت التي وصلت حداً مبالغاً به في التعدي على الصلاحيات الرقابية لإدارة المناقصات، لا بد أخيراً من الإشارة إلى أمرين:

أولا، أن أمانة مجلس الوزراء تمتنع عن نشر القرارات الصادرة عنه فيما يتعلق بصفقة البواخر في الجريدة الرسمية، على نحو يخالف موجب الشفافية والنشر الواقع على عاتق الإدارة العامة بالنسبة لكل الصفقات التي تجريها.

ثانيا، وهذا الأمر الأسوأ، أن القرار نص في أسفله أنه يتم إبلاغه إلى عدد كبير من إدارات الدولة، مستثنيا من اللائحة تلك الإدارة المعنية به بامتياز، والتي يحمّلها القانون مسؤولية إبداء ملاحظات، أي إدارة المناقصات. وهذا الاستثناء إنما يشكل إما خطأ مؤسساتياً جسيما من أمانة مجلس الوزراء وإما مؤشراً على إستصغار دور هذه الإدارة أو نية تهميشها.

 


[1] - بنّدت المفكرة في مقالها "الهيئات الرقابية تحت نيران المنافسة: صفقة الكهرباء نموذجاً" المنشور بتاريخ 17/08/2017 المخالفات التي ينطوي عليها هذا القرار.
[2] - القرار رقم 60
[3] -نفس القرار
[4] -القرار رقم 52