أعاد رفض أحد موظفي الحالة المدنية تسجيل مولودة جديدة باسم سيليا بإحدى مدن الجنوب المغربي الجدل من جديد حول إشكالية تسجيل المواليد الجدد بالأسماء الأمازيغية [1].

ففي الوقت الذي يعتبر فيه نشطاء الحركة الثقافية الأمازيغية في المغرب الواقعة مسا صارخا بأحد الحقوق الشخصية التي كفلها دستور 2011، والذي كرس الأمازيغية كلغة رسمية للبلاد، يقلل البعض الآخر من شأن الواقعة، ويعتبرها مجرد حادثة معزولة ناجمة عن سوء فهم النصوص القانونية.

 

الاسم الأمازيغي كحق من حقوق الإنسان الشخصية

يعتبر نشطاء الحركة الأمازيغية على أن استمرار منع تسجيل الأسماء الأمازيغية يشكل خرقا سافرا لأحد أهم حقوق الإنسان الشخصية. فمن حق أي إنسان تسمية مولوده أو مولودته بأي اسم يريد. وهو ما تؤكده الشبكة الأمازيغية للمواطنة التي تعتبر رفض تقييد الأسماء الأمازيغية في دفتر الحالة المدنية، نوعا من التمييز، وتدخلا في حق المواطنين في اختيار أسماء مواليدهم، وتطالب السلطات المحلية بأن تكفّ عن هذا التدخل المنافي لما حققه المغرب في مجال حقوق الإنسان وللخطوات المهمة التي قطعها للاعتراف بالحقوق الثقافية الأمازيغية.

 

محنة الأسماء الأمازيغية.. اشكالية فهم قانون الحالة المدنية

لا يمكن فهم واقعة منع اسم سيليا دون الرجوع إلى الجذور التاريخية للموضوع، فمشكلة تسجيل المواليد الجدد باللغة الأمازيغية بالمغرب برزت إلى الواجهة خلال عقد الثمانينات من القرن المنصرم، مع اندلاع أولى شرارات الربيع الأمازيغي بالجزائر[2]، والتضييقات التي امتدت لتشمل الحركة الأمازيغية المغربية[3]، حيث شرع بعض المغاربة في اطلاق أسماء لها علاقة بالثقافة الأمازيغية على مواليدهم الجدد. ومن هذه الأسماء، "تيليلا" التي تعني الأمل والنجاة، و"تيتريت" وتعني النجمة، و"الطام" وهي تصغير لاسم فاطمة، و"أيور" وتعني الهلال، و"إيوي" وتعني ابني، و"تودا" وتعني كفى[4].

ولمواجهة الظاهرة عممت وزارة الداخلية دورية منعت بمقتضاها مجموعة من الأسماء بعلة أنها لا تحمل الطابع المغربي، غالبيتها أسماء أمازيغية[5]، كما أصدرت اللجنة العليا للحالة المدنية[6] لائحة بالأسماء الشخصية المقبولة والمرفوضة، اعتبرها ضباط الحالة المدنية مرجعا لرفض تسجيل مجموعة من المواليد الجدد بأسماء أمازيغية بعلة عدم ورودها ضمن اللائحة المذكورة[7].

ورغم صدور قانون جديد للحالة المدنية[8] ظل الجدل قائما حول هذا الموضوع،  ذلك أن المادة 21 منه، نصت على وجوب أن يكتسي الاسم الشخصي طابعا مغربيا لكنها لم توضح المقصود من هذا الشرط.

 

حراك الجمعيات الامازيغية دفاعا على مبدأ الحرية في اختيار الأسماء الشخصية

شكل موضوع منع الأسماء الأمازيغية أحد أهم الملفات التي اشتغلت عليها المنظمات الحقوقية الأمازيغية، التي اهتمت في وقت مبكر بتوثيق حالات المنع وتجميعها واعلام السلطات والرأي العام بها، كما لجأت في توقيت لاحق لمراسلة المنظمات الدولية.

وخلصت هذه المنظمات إلى وجود استعمال تعسفي لمقتضيات الفصل 21 من قانون الحالة المدنية، حيث يتمّ اعطاء تفسير ضيق للشرط المتعلق بالطابع المغربي للأسماء الشخصية يحصرها في الأسماء العربية أو العبرية بالنسبة للمغاربة اليهود[9].

وفي هذا السياق تساءلت لجنة القضاء على التمييز العنصري عقب دراستها للتقرير المقدم من طرف المغرب[10] حول معنى وأبعاد مفهوم "الاسم ذي الطابع المغربي" المنصوص عليها في قانون الحالة المدنية، والذي ما زال في تطبيقه من طرف ضباط الحالة المدنية يمنع تسجيل بعض الأسماء، وخاصة الأسماء الأمازيغية. وطالبت اللجنة المغربية بتوضيح معنى وأبعاد مفهوم "الأسماء ذات الطابع المغربي"  المنصوص عليها في قانون الحالة المدنية.

 

مذكرة لوزارة الداخلية لتلطيف مشكل الأسماء الأمازيغية

أمام استمرار الجدل حول هذا الموضوع، وتدخل العديد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، أصدرت وزارة الداخلية مذكرة تحت رقم 3220 بتاريخ 09 نيسان/أبريل 2010، تحث موظفي الحالة المدنية على تسجيل الأسماء الأمازيغية.

وأكدت المذكرة أن لائحة اللجنة العليا للحالة المدنية وضعت على سبيل الاستئناس، وأنها ألغيت بصدور قانون الحالة المدنية.

وأوصت المذكرة ضباط الحالة المدنية باعتبارهم المؤهَّلَين قانونا لقبول الاسم المختار أو رفضه، بالتحلي بلغة الإرشاد والإقناع والحوار، واستعمال المرونة مع المواطن والاستئناس بالقرارات القضائية وبقرارات اللجنة العليا للحالة المدنية. واعتبرت أن الطابع المغربي، الذي ينص القانون الجديد للحالة المدنية على أن تكتسيه الأسماء الشخصية، معناه أن يكون الاسم مشاعا ولا توجد أدنى مشقة أو صعوبة في التعرف عليه. كما حددت مفهوم الأسماء المغربية في «الأسماء العربية المتداولة » و«أسماء الله الحسنى، متى استُهلّت بلفظ «عبد» وجُردت من أداة التعريف «ال» و«الأسماء الأمازيغية، والتي قد يختلف معناها من منطقة إلى أخرى»، و«الأسماء التي أصبحت متداولة في المغرب في السنوات الأخيرة، ذات نطق عربي سليم أو ذات أصل إسلامي» و«الأسماء العبرية بالنسبة إلى اليهود المغاربة»، واشترطت وزارة الداخلية في الترخيص لهذه الأسماء ألا تكون مثيرة للسخرية وألا تمس بالأخلاق والنظام العام.

محاولة وبالرغم من أهميتها لم تفلح في إنهاء الجدل حول هذا الموضوع بسبب مزاجية بعض موظفي الحالة المدنية، والانتقائية في تفعيل مضمون المذكرة، وغياب التواصل والتنسيق حيث استمر بعض رؤساء أقسام الحالة المدنية في رفض تسجيل بعض الأسماء الأمازيغية، في الوقت الذي تم فيه قبول تسجيل نفس الأسماء في مقاطعات أخرى. وكأن لكل مقاطعة قانونها الخاص.

مجموعات  في مواقع التواصل الاجتماعي لرد الاعتبار للأسماء الأمازيغية

تأسست في موقع التواصل الاجتماعي مجموعة فايسبوكية تحت عنوان من أجل رد الاعتبار للأسماء الأمازيغية وتهدف إلى بعث الأسماء الأمازيغية من جديد وجعلها أسماء عادية يتم تسجيلها من لدن موظفي الحالة المدنية في سائر أنحاء المغرب بسهولة ودون تمييز، بالإضافة إلى نشر الوعي بين كل أعضاء المجموعة حول معاني الأسماء الأمازيغية ومدلولاتها الحضارية الضاربة في جذور التاريخ، وتبادل الأخبار والمعلومات بشأنها.

وتتضمن هذه الصفحة معلومات وأخبار وصور ومقالات حول المواليد الذين تم منع تسجيل أسمائهم الأمازيغية بهدف توثيق هذه الحالات وتسهيل عملية رصدها من طرف المنظمات الحقوقية المهتمة بتتبع الموضوع.

 

القضاء ينتصر للأسماء الأمازيغية

أمام استمرار رفض بعض موظفي أقسام ومصالح الحالة المدنية تسجيل مواليد جدد بأسماء أمازيغية، لجأ آباء وأمهات إلى القضاء بهدف استصدار أمر قضائي لتسجيل أبنائهم بأسماء أمازيغية، ومن بين أكثر القضايا التي عرضت على القضاء وخلفت جدلا قضية مهاجر مغربي مقيم بفرنسا، رفضت مصالح القنصلية المغربية بمدينة ليل تسجيل ابنه باسم "سيفاو"، ويعني بالأمازيغية "القنديل المنير". وسرعان ما تم تداول الخبر عبر وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتم طرح القضية ضمن الأسئلة الموجهة الى وزير الداخلية أمام الغرفة الثانية بتاريخ 18/06/2013 حيث قدم جوابا مثيرا للجدل حين اعتبر أن اسم "سيفاو" اسم غير مفهوم.

خلفت هذه القضية جدلا واسعا وتبنتها الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة وهي منظمة مغربية غير حكومية، ورافقت الأب الذي تقدم بدعوى أمام القضاء المغربي للمطالبة بتسجيل مولوده الجديد باسم سيفاو.

وبالفعل استجاب القضاء المغربي للطلب وأصدر حكمه في الموضوع معتبرا أن الاسم المطلوب اسم أمازيغي لا يوجد أي مانع قانوني يحول دون قبول تسجيله في سجلات الحالة المدنية[11].

ورغم أن بعض العائلات نجحت بعد لجوئها إلى المحاكم في اختيار أسماء أمازيغية لأبنائها. إلا أن كثيرا منهم يضطر إلى اتباع مساطر كثيرة ومرهقة دفاعا عن اسم اختاروا أن يحمله أولادهم، حتى وإن تطلب الأمر بقاءهم دون اسم لسنوات بالنسبة إلى بعض الحالات لتعذر تدوين أسمائهم بسجلات الحالة المدنية.  

 

مقترح قانون لإنهاء جدل الأسماء الأمازيغية

طالبت الفيدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية بحل اللجنة العليا للحالة المدنية، ونقل صلاحياتها للسلطة القضائية[12]. وفي نفس الاتجاه، سبق تقديم مقترح لتعديل قانون الحالة المدنية يضع حدا للجدل المحتدم حول تسجيل الأسماء الأمازيغية من خلال إضافة مادة جديدة، وهي المادة 21 مكرر[13] يتم بموجبها حسم الخلاف في حالة حدوثه من طرف المحكمة الابتدائية لمحل الازدياد وداخل أجل معقول. وقد اعتبر المقترح في ديباجته، أن رفض تسجيل الأسماء الأصلية المرتبطة بالتراث الإثني والحضاري والتاريخي يعد مسا بحقوق الإنسان وبحرية الأفراد.

 

[1] - سيليا اسم باللغة الأمازيغية يعني الفتاة بالغة الجمال، وقد عاد هذا الاسم الى الواجهة مع اعتقال المغنية المغربية سيليا أحد أبرز وجوه حراك الريف . حول منع تسجيل اسم سيليا بسجلات الحالة المدنية، يرجى زيارة هذه الروابط :

 

منع تسجيل اسم أمازيغي “سيليا” بأولوز | ناسهيس

منع تسجيل رضيعة باسم سيليا يخلق جدلا بتارودانت – اخبار ...

الاسم الأمازيغي "سيليا" ممنوع في أولوز بتارودانت - Hespress

في المغرب.. اسم فتاة يخلق الجدل! - أصوات مغاربية

منع مولودة بتارودانت من حمل إسم "سيليا" و"أزطا" تدخل على الخط ...

 

[2] -تعود تسمية الربيع الأمازيغي إلى أحداث شهدتها منطقة القبائل الجزائرية بتاريخ 20 أبريل/نيسان 1980، حيث اندلعت مظاهرات بجامعة تيزي وزو عقب منع المفكر مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشعر الأمازيغي، ثم انتقلت بعد ذلك إلى المدينة، ممّا أفضى إلى عصيان مدني وإعلان سنة دراسية بيضاء، كما شهدت الأحداث مواجهات مع قوات الأمن خلفت مصرع حوالي 150 من سكان المنطقة والكثير من الجرحى.

[3] - الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة: مذكرة مطلبية تروم الملائمة و استئصال كافة النصوص المكرسة للتمييز ضد الأمازيغية- الحريات و الحقوق الأساسية بالتشريع المغربي، بتاريخ 03/06/2004.

[4] - اسم تودا من بين أكثر الأسماء المغربية الأمازيغية القديمة المتداولة في جبال الأطلس وتعني أيضا "آخر العمل أو الشيء"، ويطلقها الآباء الذين أنجبوا عددا من الأبناء، فيمنحون للبنت التي اختاروا أن تكون آخر العنقود اسم "تودا"، كما يطلقها الآباء الذين يطمحون إلى إنجاب ذكر، بعد إنجابهم لمولودات إناث، وعندما مولودة أنثى مرة أخرى يطلقون عليها هذا الاسم، تيمنا بأن تكون آخر أنثى، وأن الحمل المقبل سيأتي بمولود ذكر.

[5] - يتعلق الأمر بدورية وزارة الداخلية المؤرخة في 12/05/1997 الموجهة للولاة والعمال بأقاليم المغرب، والخاصة بتعديل وتتميم الفصل السادس مكرر من ظهير 08/03/1950، موضوع نص الظهير الصادر بتاريخ 02/08/1996 والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 07/11/1996.

[6] - تتكون اللجنة العليا للحالة المدنية من مؤرخ البلاد وممثل عن كل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة الداخلية ووزارة العدل، مهمتها البت في مدى مغربية الأسماء. تعقد اجتماعا سنويا تقوم فيه بتحيين الأسماء ومدى مغربيتها، وعلى هذا الأساس تقدم لوائح للأسماء المتفق عليها وكدا الأسماء الجديدة وتسلمها لوزارة الداخلية التي تقوم بإرسالها إلى ضباط الحالة المدنية في كل جهات المغرب وكذلك للقنصليات المغربية بالخارج.

[7] - طبقا للمادة 6 و 6 مكرر من ظهير 8/3/1950 المتعلق بنظام الحالة المدنية المؤسس بمقتضى ظهير 04/09/1915، ومختلف التعديلات الطارئة عليه، فإن الأسماء العائلية والشخصية التي لايمكن تقييدها في سجلات ودفاتر الحالة المدنية هي تلك المثيرة للسخرية أو الماسة بالأخلاق أو بالأمن العمومي، أو الأسماء الأجنبية أو تلك التي لا تكتسي صبغة مغربية تقليدية أو تلك التي تتخذ اسم مدينة أو بلد أو قبيلة.

[8] - يتعلق الأمر بظهير رقم 239-02-1 صادر بتاريخ 03/10/2002، بتنفيذ القانون رقم 99-37 المتعلق بالحالة المدنية، ومرسومه التطبيقي رقم 665-99-2 صادر بتاريخ 09/10/2002. الجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 07/11/2002، ص 3150، وص 3156.

[9] - تنص المادة 21 من قانون الحالة المدنية على أنه : " يجب أن يكتسي الاسم الشخصي الذي اختاره من يقدم التصريح بالولادة قصد التقييد في سجلات الحالة المدنية طابعا مغربيا، وألا يكون اسما عائليا أو اسما مركبا من أكثر من اسمين أو اسم مدينة أو قرية أو قبيلة، وألا يكون من شأنه أن يمس بالأخلاق أو النظام العام.  

يثبت الاسم الشخصي المصرح به قبل الاسم العائلي حين التقييد في سجل الحالة المدنية وألا يكون مشفوعا بأي كنية أو صفة مثل ”مولاي” أو ”سيدي” أو ”لالة “."  

[10] - التقريران الدوريان السابع عشر والثامن عشر اللذان كان من المقرر أن تقدمهما الدول الأطراف في عام 2006، تطبيقاً للمادة 9 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، تقرير المغرب قدم بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2009.

[11] - حكم المحكمة الابتدائية بالرباط تحت عدد4117 بتاريخ 03/07/2013، في الملف رقم 4105/1602/13، غ.م.

[12] - رسالة الفدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية المفتوحة الموجهة لرئيس الحكومة، بتاريخ 02/07/2017، بشأن المنع الخامس والأربعون لاسم شخصي أمازيغي، بعد اقرار الأمازيغية لغة رسمية بدستور 2011.

[13] - يتعلق الأمر بمقترح قانون تقدم به فريق التحالف الاشتراكي بمجلس المستشارين.