"استمرار نقابة المحامين بالامتناع عن حضور الجلسات أمام المحاكم والدوائر القضائية"، هو الموقف الذي أعلنته النقابة في بيان صادر عنها اليوم في 29 آب 2017، تبعاً للبيان الصادر أمس عن مجلس القضاء الأعلى والذي أعلن فيه تعليق اعتكاف القضاة. وجاء في بيان النقابة أنه "متابعة منا لموضوع ما تبع قانوني سلسلة الرتب والرواتب والضرائب الملحقة من أعباء ضريبية، طالت على وجه الخصوص أصحاب المهن الحرة (...) ورغم الوعود التي تلقيناها بإعادة النظر بالملاحظات التي أبديناها والمتعلقة بالازدواجية الضريبية ومرور الزمن على التكاليف الضريبية لتعلقها بالنظام العام وبالحقوق المكتسبة (...) وإذ نتفهّم موقف مجلس القضاء الأعلى فيما أبداه، فإننا نؤكد إستمرارنا بالامتناع عن حضور الجلسات أمام المحاكم والدوائر القضائية، لحين معالجة ما أبديناه من ملاحظات محقة...". إذن خلافاً للاتجاه الذي إعتنقه مجلس القضاء الاعلى، لناحية الإكتفاء بالوعود لتعليق الإعتكاف، تصر نقابة المحامين على الاستمرار بإضرابها حتى تحقيق طلباتها في الإضراب الأطول لنقابة المحامين منذ أكثر من  نصف قرن.

وكانت تقابة المحامين اشتهرت سابقا بإضرابين طويلي الأمد: الأول حصل في 1950-1951 واستمر حوالي ثلاثة أشهر، قدمت النقابة خلاله مشروع قانون مدني للأحوال الشخصية موحد لجميع الطوائف. وقد إكتسب هذا الإضراب أهمية كبيرة لارتباطه بمصلحة إجتماعية تتعلق بحريات الأفراد الأساسية، والثاني حصل في نيسان 1961 وقد دام تسعة أشهر، بهدف إقفال معهد الحقوق العربي وحصر تعليم الحقوق في فرعَيّ "الجامعة اللبنانيّة": الفرع الأول يُعنى بشؤون كليّة الحقوق في الجامعة اللبنانيّة، والثاني يُعنى بشؤون كليّة الحقوق التي تتولى إدارتها "جامعة القديس يوسف[1].

وعليه، تستمر نقابة المحامين في إضرابها المعلن منذ 27 تموز 2017 على الرغم من تعليق مجلس القضاء لاعتكافه، مؤكدةً بذلك انفصالها التام في مطالبها عن مطالب القضاة ومن ضمنها حماية ضمانات إستقلاليتهم. وعليه، فإن استمرار المحامين في إضرابهم عن حضور الجلسات هو عملياً استمرار لتوقف عمل المحاكم، وللإضرار بحقوق المتقاضين. فما هي المصلحة العامة التي تبرر إضرابا من هذا النوع؟ وهل يرى المحامون في إضراب النقابة دفاعاً فعلياً عن حقوقهم؟ وما هو موقفهم من حدود دعم النقابة لمطالب القضاة؟ هذه هي بعض الأسئلة التي طرحناها على عدد من المحامين.

قبل المضي في عرض إجابات المحامين، يجدر التذكير بمضمون إعتراض النقابة المبرر لإضرابها وهو يتمحور حول أمرين:

  • الأول أن قانون السلسلة يخرق مبدأ المساواة بالنسبة للتكليف الضريبي، بين اصحاب المهن الحرة وغيرهم من المكلفين. وأن هذا الخرق ناتج عن إنتهاك آخر للمبادئ الضريبية من خلال وضع أصحاب المهن الحرة في حالة من الإزدواجية الضريبية، بالنسبة للضرائب التي يدفعونها عن الفوائد التي يحصلوها من تشغيل أموالهم الموجودة في المصارف. وهنا تجدر الإشارة الى إستحالة حصول هذه الإزواجية ما لم يتم إلغاء قانون السرية المصرفية أولاً.
     
  • الثاني يتعلق بمهل مرور الزمن على الضرائب غير المسددة، وهو أمر لا يزال موضوع جدل في سياق وضع المشروع النهائي لقانون الموازنة قبل إحالته الى مجلس النواب.

 

تعبير النقابة عن مطالب المحامين

يتجه بعض المحامين إلى تأييد النقابة بالمطلق إنطلاقاً من انتمائهم لها. في هذا السياق تقول إحدى المحاميات (أ) التي قابلتها المفكرة: "حتماً كوني أنتمي إلى النقابة فأنا أشد على يدها في كل مطالبها. ونحن مطالبنا محقة مئة في المئة، ولا بد من التمسك بالإضراب حتى تعديل القانون لا سيما لناحية مرور الزمن". ويظهر أن المحامية وقعت لهذه الناحية في لغط بالنسبة لحقيقة مطالب النقابة، حيث أن الأخيرة تضغط لتعديل ليس القانون إنما مشروع قانون الموازنة التي لم تقر بعد.

في الاتجاه نفسه يقول المحامي (ب) "نحن نؤيد كل كلمة يقولها النقيب، فحتى لو لم يكن من إمكانية لتنفيذ القانون حالياً لناحية الإزدواج الضريبي، لاحقاً يصبح قابلاً للتنفيذ". ويضيف: "العمل المطلبي لا يمكن أن يتم على أساس الPackage  (رزمة). فلو السلطة فاسدة لا يمكننا أن نقضي عليها مرةً واحدة، قد نضطر للعمل معها لنتمكن من الوصول إلى ما نصبو إليه في النهاية". من هذا المنطلق، "نعمل لإلغاء الازدواج الضريبي، وانشالله نتمكن من تحقيق هذا المطلب".

بالمقابل، تعبر محامية ثانية (ج)، عن شعورها بـ "إحباط كبير جراء مواقف النقابة:. تقول :"أنا لا أرى أن النقابة تدافع عن مصالحي كمحامية بقدر ما تنفذ أجندات أحزاب سياسية". تضيف "في هذا المجال أعتبر أن نقابة طرابلس تعمل أكثر لتأمين راحة المحامي ومصالحه بينما يطغى على النقابة في بيروت طابع نشر الأفكار السياسية". بالنسبة لـ (ج)، لدى المحامي "هواجس كثيرة، ونواجه مصاعب جمة في عملنا". لكن على الرغم من ذلك "نتفاجأ ببيانات للنقيب بعيدة كل البعد عن هواجسنا، ولا نستشف منها مصالح المحامين". هذا لا يعني، وفقاً للمحامية، أن "قضية الإزدواج الضريبي لا تستحق، ولكن لا يمكن أن يكون لدي إزدواج في مواقفي كنقابة، فيكون تحركي شاملاً لكافة المطالب  ضمن رؤية شاملة". والمقصود بشمولية التحرك ليس أن يغطي كل مطالب المحامين مرة واحدة ضمن هذا التحرك، بل أن يأخذ بعين الإعتبار المصلحة العامة للمجتمع. وتعبر المحامية عن ذلك بالسؤال: "هل مسألة الإزدواج الضريبي ومرور الزمن هي ملاحظات نقابة المحامين الوحيدة على مجمل هذا القانون؟". في هذا السياق تضيف: "نقابة المحامين يجب أن تحرص على لعب دور فعال بالنسبة للتشريع وتطوير النظام التشريعي، وهي مطالبة بالحد الأدنى بدراسة مشروع قانون السلسلة وتمويلها، دراسة وافية. وذلك بهدف وضع ملاحظاتها بشأنه وتعميمها لتنوير المجتمع بالرأي القانوني ورفع مطالبه ضمن تحركها".

من جهته يرى المحامي (د) في تحرك نقابة المحامين "موقفاً وطنياً". ف "الإزدواجية الضريبة وخرق مبدأ المساواة التي يتضمنها القانون هي مخالفة للدستور وللقوانين المالية عامةً". يضيف أن "هذه المواد لا تصلح للتطبيق إلا على (الأوادم) الذين يصرحون عن كل أموالهم ومداخيلهم ومحالات حساباتهم المصرفية فقط". أما الموقف الأبرز لناحية (د) هو مأخذه على تصريح وزير الخارجية جبران باسيل الذي أعلن فيه أن تمويل السلسلة ياتي من كون الدولة استطاعت "أن تمد يدها على الجيوب الكبيرة". في هذا السياق، يعبر المحامي عن إستنكاره لهذا الإتجاه بالقول: "من دون الجيوب الكبيرة هل يستطيع أن يستمر البلد؟ من أين تستدين الدولة، أليس من الجيوب الكبيرة؟". وينتهي لهذه الناحية بالقول أن "الدولة قائمة على المبادرة الخاصة". وعند سؤاله ما إذا كان يلمح إلى كون تحرك نقابة المحامين يشكل واجهة لإرادة المصارف والشركات الكبرى لا سيما العقارية منها في الاعتراض على سلسلة الرتب والرواتب، أجاب : "المصارف لديها قوة ضغط وهي لا تحتاج إلى النقابات".

على الرغم من تأييده لتحرك النقابة ومضمونه، إلا أنه (د) يجد أن ثمة حاجة أيضاً لإطلاق مطالبات أخرى أكثر إتساعاً. ذلك أن "مقاربة السلطتين التشريعية والتنفيذية بالنسبة لقطاع العدالة منذ 20 سنة مرت هي مقاربة مجحفة، وذلك بشكل خاص لناحية النسبة المتدنية جداً المرصودة لهذا القطاع من الموازنة العامة. بالإضافة إلى الهدر الذي يضيع على قطاع العدالة فرصا مهمة جداً، مثل "تضييع المنحة المخصصة لمكننة قصر العدل منذ 2008 حيث لم نرَ نتائجها حتى اليوم من عام 2017".

دور النقابة بالنسبة لاستقلالية السلطة القضائية

اكتفت في هذا السياق المحامية (أ) بتأييد "جناحي العدالة بكل مطالبهما". وهي تعتبر أن "النقابة ذهبت في اتجاه تأييد موقف القضاة"، الأمر الذي يبدو بالنسبة إليها وافياً حتى ولو اقتصر الأمر على بيان تضامني. أما (ب) الذي إعتبر أن "القضاء أعلى من أي موضوع ثان" أقر أن "نقابة المحامين تتخذ موقفا في هذا المجال ونحن نلتزم به، ونحن نسمع اليوم وجود مآخذ على قانون السلسلة ونمويلها لجهة القضاء ولكن لا أعرف تفاصيلها الدقيقة".

من جهتها ترى (ج) أن الاجدى بكل من نقابة المحامين والقضاة الإنتقال بمطالباتهم من حيز "امتيازاتهم" إلى الحيز الاعم المتعلق بمصالح المجتمع. وفقاً لها "مطالب القضاة محقة مئة في المئة، لكن المأخذ عليها أنها لا تنتصر لحقوق إجتماعية". وهي تشرح موقفها هذا بالقول أن "موقف القضاة الرافض لإدراجهم ضمن قانون يتعلق بالموظفين موقف مبدئي مهم كون القضاء سلطة مستقلة لا يمكن وضعها والموظفين الخاضعين للتسلسل الإداري ضمن قانون واحد". ولا بد لهذه الناحية، وفقاً لـ (ج)، أن يكون لنقابة المحامين "دور أساسي في دعم استقلال القضاء والمطالبة بتعزيزه من خلال الدفاع عن حقهم بالتجمع والتعبير وغيرها من القضايا". أما ما عدا ذلك من مطالب متعلقة بصندوق تعاضد القضاة تحديداً "فخلفية هذا المطلب تتعلق برفض القضاة تحمل المصاعب التي يتحملها بالواقع الموظفون ضمن تعاونية الموظفين". هو ما يستدعي برأيها القول أنه "يجب على القضاء أن يحمل مطلبا أوسع" أي تامين نظام صحي وتعليمي جيد لكل المواطنين على قدم المساواة".هذه المطالب يجب على كل من نقابة المحامين والقضاة أن يحملوها على قدم المساواة ويدافعوا عنها.  

أما المحامي (د) فيذكر أن "النقابة أضربت في المرة الأولى في سياق موضوع الموازنة. وقتها طالبت النقابة بنفس مطالب القضاة، غير أن مجلس القضاء الأعلى أعلن توقف الإعتكاف من دون التنسيق مع النقابة". يضيف (د) أن النقابة اصدرت بيانا تدعم فيه موقف القضاة، في إشارة إلى كفاية هذا الموقف. ويضيف في هذا الصدد أن "تحرك القضاة جاء متأخراً فكان من المفترض أن يتحركوا منذ سحب المادة 5 (المناقلات القضائية) من التصويت لما في الموضوع من تقويض لإستقلالية القضاء". بالمقابل أصدر وقتها "نقيب المحامين بيانا مفصلا في 7 شباط 2017 بالنسبة لمسألة المناقلات أشار فيه إلى إلزامية المناقلات إذا أصر مجلس القضاء على مضمونها حيث يبقى المرسوم الصادر عن مجلس الوزراء مجرد عمل إداري لا ينطوي على سلطة، بالتالي استنكر أن يكون للمجلس أصلاً سلطة رفض إقرار المناقلات".

 


[1] - جويل بطرس: "نقابة المحامين، لما أضربت لتسعة أشهر، مواجهة مع 3 حكومات ضد المعهد العربي"، المفكرة القانونية، 4/1/2017 ، نشر في العدد 46 من مجلة المفكرة القانونية.