وقّع رئيس الجمهورية ميشال عون قانون "حماية الحيوانات والرفق بها" في 29 آب 2017، وذلك بعد إقراره في مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 16 آب 2017 ليدخل حيز التنفيذ فور نشره في الجريدة الرسمية. واللافت أن الرئيس عون وقّع القانون خلال استقباله لوفد من جمعية "حيوانات لبنان" "Animals Lebanon" التي عملت لسنوات على هذا القانون بالتعاون مع وزارة الزراعة. يتألف القانون من 30 مادة، وهو يعد بمثابة إنجاز للبنان، حيث يشمل الموجبات العامة للتعامل مع الحيوانات على أنواعها، سواء الزراعية أو الأليفة أو الشاردة أو الخطرة أو المهددة بالانقراض ومدى جواز تملّكها واستخدامها في الترفيه والعمل والتجارب العلمية. كما يتضمن شروط نقل الحيوانات والشروط الواجب توافرها في المنشآت التي تتعامل مع الحيوانات  وتحديدا محلات بيع الحيوانات ومراكز التكاثر ومراكز التجارب العلمية والمزارع والمسالخ وحدائق الحيوانات ومراكز الإنقاذ. وهو بالتالي يحقق نقلة نوعية، بين الواقع القانوني السابق على إقراره والذي كان يقتصر على مواد ثلاث نص عليها قانون العقوبات تتعلق في إساءة معاملة الحيوانات، وبعض القرارات المتصلة باستخدام الحيوانات في العمل والتي لم تعد  تتماشى مع التطورات والمعايير العالمية، والواقع المفترض أن ينشأ في ظل القانون الذي يتطرق لمختلف جوانب حماية الحيوانات والرفق بها. ويشار إلى أن القانون الجديد يستند على توصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية (OIE) واتفاقية سايتس المتعلقة بالتجارة الدولية للأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات البرية، والمعايير الدولية المعتمدة من قبل الاتحاد الدولي للنقل الجوي IATA.

حاجة لبنان للقانون

تؤكد المحامية رنا صاغية التي أسهمت في صياغة القانون على أهميته لناحية شموليته و"انسجامه مع المعايير الدولية العالمية ومع أحكام الاتفاقية حول التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات البرية (سايتس) وتوصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية (OIE)". وتقول عن اللقاء مع رئيس الجمهورية أنه كان داعما لهذا القانون. وهي تنقل عنه في هذا السياق قوله أن الإنسان يمكنه العيش بلا ماس أو ذهب لكن لا يمكنه العيش بلا نبات أو حيوان".  

في الاتجاه عينه، يعبر مدير الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة د. الياس إبراهيم عن أهمية القانون بالقول إنه “أصبح لدينا قانون نستند عليه في نطاق حماية الحيوانات، كما يشكل رادعاً للمخالفات من خلال العقوبات والغرامات التي يتضمنها". ذلك أن إقرار "هذا القانون يعكس وجهاً حضارياً للبنان على مستوى حماية الحيوانات، إذ أن غالبية الدول المتحضرة لديها قوانين تتعلق بالحيوانات. إلى ذلك يكتسب هذا القانون أهميته أيضاً من الواقع الذي تعبّر الأسباب الموجبة للقانون بدورها عنه، أي "ضعف الحماية القانونية للحيوانات في ظل القوانين الحالية (...) وتكاثر محلات بيع الحيوانات وانتشار ظاهرة الحيوانات المشردة".

ويمكن أن يضاف إلى ما جاء في الأسباب الموجبة لناحية الواقع، بروز حالات تعذيب حيوانات أو قتلها بصورة عمدية، كذا استخدامها في ألعاب التسلية وتجويعها بهدف تنظيم العراكات الترفيهية. وقد وثقت العديد من الحالات بفيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وأحياناً تخطت ذلك لتتحول لمواضيع تقارير إخبارية. كل هذا يعكس غياب الوعي لأهمية حماية الحيوانات والرفق بها لدى عدد كبير من الأفراد. ناهيك عن تعامل مؤسسات بيع الحيوانات وتقديم العروض الترفيهية مع الحيوانات على أنها أموال مملوكة من قبلها، فلا تقدم لها العناية اللازمة ولا تهتم بالمحافظة على صحتها الجسدية والنفسية. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى استمرار عرض الدلافين الترفيهي (Beirut Dolphinarium) منذ الأول من آب الحالي والذي يقدمه Cirque Du Liban، وذلك في ظل انتقادات وحملات واسعة ضده من قبل جمعيات الرفق بالحيوان بسبب تعريض هذه الثدييات للتعذيب لإرغامها على القيام بالعروض الترفيهية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذا العرض سبق أن حصل على ترخيص لإجرائه من قبل وزارة الزراعة قبل إقرار القانون. 

عدم الرفق بالحيوان بات جرما

نشرت جمعية "حيوانات لبنان" بياناً عبر صفحتها على فايسبوك رأت فيه أنه "بتوقيع رئيس الجمهورية أصبحت الإساءة إلى الحيوانات  أمرا غير قانوني في لبنان".  وأضاف البيان: "هذا القانون قوي وشامل، إذ يمنح الحيوانات الحماية القانونية ويجعل الإساءة إلى الحيوانات جريمة يعاقب عليها القانون".

وتحدد المادة الرابعة من القانون الإطار العام الواجب التزامه من قبل أي شخص في تعامله مع أي نوع من الحيوانات. وتفصل هذه المادة هذه الالتزامات ضمن تسعة بنود تحظر تعذيب الحيوانات أو التسبب بألم لها أو تعريضها للخطر أو استخدامها في عراك، كما تلزم بتأمين احتياجاتها الأساسية وإبلاغ وزارة الزراعة عن حوادث نفوق الحيوانات الطارئة... وغيرها من الموجبات.

والحال أن المسألة الجوهرية في قانون حماية الحيوانات والرفق بها، هي أنه ينطوي على شق جزائي. فبات بموجبه أي فعل يتناقض وأحكام القانون معاقباً بالحبس و/ أو الغرامة. إذن تشكل العقوبات التي ينص عليها هذا القانون، الركيزة الأساسية لقوته الرادعة. وتتمثل العقوبات في الغرامة التي تصل في حدها الأقصى إلى مئة مليون ل.ل. والحبس الذي يصل إلى 4 سنوات في حال التكرار. ويتيح القانون للمحكمة أن تتخذ عدة اجراءات بحق المنشآت المخالفة لأحكام القانون، مثال منع المنشآت من القيام بأي نشاطات منصوص عليها في القانون بمدة أقلها سنة واحدة، في حين يمكن أن تصل هذه العقوبة إلى حد إقفال المنشأة مؤقتاً أو نهائياً. هذا ويمنح القانون وزير الزراعة صلاحية حجز الحيوانات ووضعها تحت يد أحد مراكز الإنقاذ، في حال إخلاله بأي من أحكام هذا القانون.

لهذه الناحية، ترى صاغية أن "القانون هو خطوة ناجحة كما أنه بمثابة إنجاز كبير للبنان، من حيث وجود أساس قانوني واضح تستند عليه المحاكم في القضايا المتعلقة بحماية الحيوانات". على ضوء ذلك، ترى صاغية أنه في "السابق كانت قدرة الأفراد والجمعيات على اللجوء إلى القانون للمطالبة بمعاقبة مرتكبي الانتهاكات محدودة جدا". مثال على ذلك اقتناء حيوانات كالتماسيح ورميها في النهر عندما تكبر ويصبح اقتناؤها مكلفاً أو يشكل خطراً على صاحبها. ففي هذه الحالات لم يكن للمحاكم أي قانون تستند عليه لمحاسبة الفاعل، بينما باتت هذه المحاسبة ممكنة في ظل هذا القانون".

تطبيق بعض القانون يحتاج لقرارات ومراسيم

إذن، يتضمن القانون القواعد الأساسية والضرورية لحماية الثروة الحيوانية وتأمين الرفق بالحيوان. إلا أن العديد من دقائقه يبقى معلقاً على إصدار قرارات ومراسيم محددة من قبل سلطات محددة ضمنه. ذلك أن 15 بنداً منه يحتاج لقرارات تصدر عن وزارة الزراعة، بعضها يتطلب تعاونا بينها وبين وزارات أخرى (الداخلية والبلديات، الصحة العامة، التربية والتعليم العالي، مجلس الوزراء مجتمعاً) أو سلطات أخرى (البلديات)، وذلك خلال ثلاث سنوات من نشر القانون. بالتالي تحوز وزارة الزراعة على الدور الأساسي في هذا المجال، أي ضمان تطبيق القانون. وفي التفاصيل، يجب على وزارة الزراعة أن تحدد بقرارات صادرة عنها وسائل القتل الرحيم، ووسائل النقل الأكثر ملاءمة للحيوانات، والشروط الخاصة بموجبات مراكز التكاثر مع مراعاة فصيلة الحيوان وسنه وسلامته وصحته. كذلك يفترض بوزير الزراعة أن يصدر لائحة تحدد الحيوانات المهددة بالانقراض والخطرة التي يمنع امتلاكها، وأخرى بالحيوانات التي يسمح بيعها أو تكاثرها في المنشآت، وثالثة بنوع الحيوانات المسموح استخدامها في العمل. ويقع على الوزير أيضاً أن يحدد أنواع الرقاقات الإلكترونية وأنواع الحيوانات التي يحظر استخدامها في الترفيه أو الاحتفاظ بها في حدائق الحيوان، وتلك المسموح استخدامها في التجارب العلمية وأصول التصريح للجهات المعنية بالتجارب العلمية والشروط الواجب التقيد بها. أما مواصفات مراكز التجارب فهي تحتاج إلى قرار مشترك بين وزارات الصحة العامة والزراعة والتربية والتعليم العالي. أما لناحية البلديات فيلزمها القانون بوضع خطة للتعامل مع الحيوانات الشاردة بناء على توجيهات وزارة الزراعة.

أما عن الأمور التي تحتاج إلى مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، فهي تلك المتعلقة بالشروط الفنية والصحية التي تخضع لها المسالخ والمنشآت المعدة لذبح الحيوانات الزراعية، هذا من جهة. ومن جهة ثانية على مجلس الوزراء أن يصدر مرسوما يحدّد فيه الجهات التي يصرّح لها القيام بالتجارب العلمية.

إلى حين إصدار هذه المراسيم والقرارات، يلزم القانون كل المنشآت الخاضعة لهذا القانون أن تسارع لاتخاذ التدابير اللازمة للاستحصال على التراخيص أو التصاريح في مهلة ثمانية عشر شهرا التي تلي نشره، وذلك تحت طائلة الملاحقة الجزائية والمدنية. علما أن ترخيص المسالخ يفترض صدور مرسوم عن مجلس الوزراء يحدد الشروط الفنية والصحية لها. من جهتها ترى صاغية أن "القرارات والمراسيم التطبيقية الواجب إصدارها تماشياً مع تطبيق القانون تجعله مرناً، إذ أن هذه القرارات هدفها توسيع نطاق تطبيق القانون". وهي تضيف أن "هذه القرارات تتعلق بالأسس التنظيمية لتطبيق القانون، والتي يستحيل إدراج تفاصيلها ضمن مواده لأن بعضها يتغير مع الوقت وفقاً لتغير الظروف والحاجات". إلى ذلك تشير صاغية إلى أن "وزارة الزراعة لم تعلن البدء بوضع القرارات التنظيمية إذ أنه من المتوقع تشكيل لجنة لمتابعة هذا الأمر، علما أن القانون يحدد مهلة 3 سنوات كحدّ أقصى لإصدار المراسيم والقرارات التطبيقية".

أما ابراهيم فيعتبر أن "التحديات الكبرى في تطبيق القانون تتجلى في النقص بالكادر البشري في وزارة الزراعة في الوقت الذي تتسع فيه دائرة المخالفات الموجودة في لبنان".

"الوعي" عقبة أخرى

يتطرق إبراهيم لمسألة وعي الأفراد لأهمية القوانين المتعلقة بالبيئة والثروة الحيوانية بشكل خاص. وهو يتخوف من "عدم الشعور بالمسؤولية عند نسبة كبيرة من المواطنين تجاه تطبيق القوانين خصوصاً فيما يتعلق بتوعية المواطن على قانون جديد يتعلق بالحيوانات، في الوقت الذي اعتاد فيه غياب الجدية في تطبيق شتى القوانين". من هذا المنطلق يرى إبراهيم أن "المجتمع المدني الذي لطالما طالب بإصدار القانون تقع عليه مسؤولية الاستمرار بنشر التوعية إلى جانب الوزرات المختصة".