صادق مجلس النواب المغربي بتاريخ 08-08-2017 على مشروع "القانون التنظيمي رقم 15-86 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون"[1]، والذي بموجبه سوف يتم السماح للمتقاضين في المغرب لأول مرة بأن يدفعوا بعدم دستورية المقتضيات القانونية المطبقة عليهم أو على النزاعات التي تهمهم والمعروضة على المحاكم المغربية بمختلف درجاتها. وتأتي هذه الخطوة تفعيلا لنص الفصلين 134 و135 من الدستور المغربي الذي أتاح  هذه الإمكانية وأوقف تطبيقها على صدور قانون تنظيمي سوف يحدد شروط وإجراءات ممارسة هذا الحق. فما هي أهمية هذه الخطوة على حقوق المواطنين والمتقاضين؟ وما هي حدود ممارستها وفقا لمشروع هذا القانون الجديد؟

أولا: أهمية وجود قانون الدفع بعدم دستورية القوانين

لم يكن النظام القانوني والقضائي في المغرب – على خلاف عدة أنظمة قانونية وقضائية في العالم -  يسمح للمتقاضين قبل دستور 2011 بممارسة حق الدفع بعدم دستورية القانون الذي سيطبق على القضايا المعروضة على المحاكم  المغربية. وتصحيحا لهذا الأمر، نص الفصل 134 من  الدستور لأول مرة على الآتي: "تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع يتعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضيته، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق على النزاع، يمس بالحقوق والحريات التي يتضمنها الدستور...". كما أكد الفصل 135 من نفس الدستور بأن قرار المحكمة الدستورية بشأن عدم دستورية قانون أو مقتضى قانوني يكون نهائيا وغير قابل لأي طعن وملزما بشكل فوري لكافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ومن شأن وجود هذا القانون أن يحقق عدة مكاسب لفائدة كافة المواطنين وبخاصة المتقاضين، منها ما يلي:

  • يعتبر منح المتقاضين هذا الحق بمثابة رقابة بعدية على القوانين التي يصدرها البرلمان. وإذا ما تمت ممارسة هذا الحق من طرف أحد المتقاضين واستجابت المحكمة الدستورية له، فإن أثره سيكون شاملا لكل المواطنين.
     
  •  إن هذا الحق إذا ما تمت ممارسته بطريقة جيدة فإنه سيسهم في تنقيح الترسانة القانونية من الثغرات والشوائب العالقة بها والتي تهم حقوق وحريات الأفراد والجماعات، وخاصة بخصوص القوانين القديمة التي تعود لحقبة  الاستعمار وما تلاها أو بعض القوانين الصادرة قبل دستور 2011 والتي لم تعد متلائمة معه بشكل أو بآخر.
     
  • يمكن لهذا الحق أن يسهم في تحقيق جزء كبير من  المقاربة التشاركية  في مجال التشريع والقضاء على حد سواء، عن طريق استفادة الأفراد بتأطير من الفعاليات القانونية والمجتمع المدني من هذا المقتضى، لدفع المشرع والقضاء إلى احترام الحقوق والحريات وتوسيع مفهومه بشكل أكبر، عن طريق سلوك هذه التقنية القانونية في إطار الاعتماد أيضا على "مسطرة التقاضي الاستراتيجي" التي أصبحت بفعل العامل الجمعوي تتسع مجالاتها والاهتمام بها أكثر فأكثر.

 

ثانيا: حدود ممارسة حق الدفع بعدم دستورية القانون

إن النص على ممارسة المتقاضين لحق الدفع بعدم دستورية القانون، لم يرد في الدستور بشكل مطلق، وإنما نصت الفقرة الأخيرة من الفصل 134 من الدستور على أن قانونا تنظيميا سوف يحدد شروط ممارسة هذا الحق .

وهكذا حدد مشروع القانون موضوع المقال عدة حدود وشروط تستهدف تنظيم ممارسة حق الدفع بعدم دستورية القوانين إلى الحد الذي رأت فيه بعض الفاعليات تضييقا كبيرا على ممارسة هذا الحق الدستوري[2]. وهذه هي الشروط التي وضعها مشروع القانون أمام المتقاضين للدفع بعدم دستورية القانون المطبق عليهم أو على نزاعاتهم المعروضة على المحاكم:

  • لا يمكن إثارة الدفع تلقائيا من طرف المحكمة المعروضة على النزاع [3].
     
  • وجوب أداء وديعة قضائية (مبلغ مالي) لمن يريد أن يثير الدفع بعدم الدستورية[4].
     
  • منح المشروع نفس المحكمة التي قدم أمامها الدفع بمراقبة الشروط الشكلية التي اشترطها هذا القانون المنصوص عليها في المادة الخامسة، بحيث إن المحكمة المثار أمامها الدفع  وبعد مراقبتها لوجود هذه الشروط تقوم بإحالة الملف إلى محكمة النقض وإلا تصدر مقررا معللا بعدم قبول الدفع وهو غير قابل لأي طعن. وهو ما يعتبر تقليصا من  سلطة المحكمة الدستورية حتى في مراقبة الجانب الشكلي للدعوى.
     
  • منح المشروع محكمة النقض صلاحية التحقق من جدية الدفع قبل إحالته على المحكمة الدستورية، بحيث إنه وفقا للمادة 11 من مشروع القانون فإن محكمة النقض تتحقق من جدية الطلب بواسطة إحدى الهيئات القضائية التي يعينها الرئيس الأول للمحكمة وتبت داخل أجل ثلاثة اشهر من إحالة الملف إليها من مختلف المحاكم المغربية، وإذا لم تبت داخل هذه الأجل يتم إحالة الملف تلقائيا إلى المحكمة الدستورية وفق نص المادة 12. وهذا الأمر أيضا يعتبر حسب بعض الفاعلين الحقوقيين تعديا على صلاحية المحكمة الدستورية في مراقبة مسألة جدية الطلب من عدمها، إذ لا يمكن لهيئة قضائية أن تحل محل هيئة أخرى أصيلة محددة بنص الدستور[5].
     

وتجدر الإشارة على سبيل الختم أنه يبقى أمام هذا المشروع الذي صادق عليه مجلس النواب بالشكل الذي رأيناه أعلاه محطتين  أساسيتين، هما: المصادقة عليه من طرف مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي)، والمصادقة عليه كذلك من طرف المحكمة الدستورية لأنه من القوانين التنظيمية التي أوجب الدستور فيها المراقبة القبلية من طرف هذه المحكمة قبل صدور الأمر بنشر القانون بالجريدة الرسمية إيذانا ببدء تطبيقه.

 


[1] -  انظر الموقع الرسمي لمجلس النواب المغربي على الرابط الآتي : http://www.chambredesrepresentants.ma/sites/default/files/loi/lec_1_86.15.pdf تاريخ المشاهدة هو 20-08-2017
[2] - عبر العديد من الفاعليات الحقوقية والجمعوية عن هذا الأمر بمناسبة  يومين دراسيين عقدتها اللجنة الدولية للحقوقيين يومي 29-30 أبريل 2017 بالدار البيضاء - المغرب  في موضوع :" المحكمة الدستورية وحماية حقوق المرأة بالمغرب "، وتضمنت محاورها مناقشة مشروع قانون الدفع بعدم دستورية القانون (حضر في اليومين الدراسيين كاتب المقال) .
[3] - انظر المادة الثالثة من المشروع ، وللمقارنة مع مقتضيات قانونية أخرى فإننا نجد أن المشرع المغربي منح  المحاكم امكانية إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي تلقائيا بينما في هذا الموضوع الهام منعها من ذلك .
[4] - المادة الخامسة ، واستثنت هذه المادة من وجوب اداء الوديعة الاشخاص المستفيدين من نظام المساعدة القضائية.
[5] - اثيرت بعض هذه الملاحظات في اليومين الدراسيين المنظمين من طرف اللجنة الدولية للحقوقيين المشار اليهما قبله. ولعل المشرع المغربي أراد بهذه الشروط ان يوازن ما بين الحق الدستوري وما حدود امكانية المحكمة الدستورية البشرية ، إذ تتكون هذه المحكمة حسب الدستور  المغربي من 12 عضوا فقط ولها عدة اختصاصات تهم مراقبة القوانين وبعض الطعون الانتخابية  التي تأخذ جل وقتها ، لكن ومع ذلك كان يمكن البحث عن حلول أخرى موجودة في تجارب مقارنة لتجاوز هذا المشكل عوض الحل الذي اتبعه مشروع  هذا القانون.