في 2009، نشر نزار صاغية وسامر غمرون، وهما من مؤسسسي المفكرة، دراسة بعنوان: "التحركات الجماعية في لبنان" ضمّ توثيقا لتجارب منسية من تحركات القضاة في فترة (1969- 1982). وقد نشرت هذه الدراسة ضمن كتاب "حين تجمع القضاة" ضم أعمال مؤتمر انعقد في بيروت في 2008 بحضور أكاديميين وقضاة عرب تحدثوا فيه عن تجارب تحركات قضائية في المنطقة العربية، وتحديدا في مصر والعراق وتونس والمغرب والجزائر. وقد لاحظ الكاتبان في مستهل دراستهما أن "مراجعة الخطاب الاصلاحيّ للقضاء في زمن ما بعد الحرب تظهر بوضوح تركيزا على الإصلاحات التي تضعها الدولة أو مؤسّساتها الرسميّة فيما يظهر القاضي دوما محلا لإصلاح يتلقّاه دون أن يكون له أيّ دور فاعل فيه. والواقع أن هذا التوجه لم يكتف فقط بتهميش "التحرّكات القضائية الجماعيّة" كآليّة من شأنها الإسهام في إصلاح القضاء، إنما أيضا –وهنا الغرابة- بطمس ذاكرة القضاء بهذا الشأن، وتحديدا بما يتّصل بالتحرّكات الواسعة التي شهدها في العقود السابقة للطائف".

منذ نشر هذه الدراسة، تغيرت الأمور كثيرا في المنطقة العربية، وخصوصا في المغرب وتونس، حيث نجح القضاة هنالك، بفعل تحركاتهم الجماعية الحاصلة بعد 2011، في فرض إشكالية استقلال القضاء في الخطاب العام، وفي انتزاع قوانين تعزز ضماناته إلى درجة كبيرة في هذين البلدين.  

ومع انخراط القضاة اللبنانيين في أطول اعتكاف في تاريخهم في تموز/آب 2017، عادت التحركات القضائية، بما تستدعيه من أسئلة، لتطفو على السطح، وخصوصا أن السبب الأساسي لاعتكاف اليوم هو الدفاع عن أهم مكاسب التحركات القضائية الحاصلة في فترة (1969-1982)، وهو صندوق تعاضد القضاة وما يتيحه للقضاة من ضمانات اجتماعية في مجالات الصحة والتعليم والسكن.

وعليه، ارتأت المفكرة القانونية أن تعيد نشر فصول هذه الدراسة في سياق مساهمتها في دعم استقلال القضاء وإعادة إحياء ذاكرته، على أن تستكملها بتوثيق مجمل تحركات القضاة في فترة ما بعد الطائف.     

ويلحظ أن الأوراق المنشورة تباعا ستعتمد تعريفا واسعا للتحرّكات الجماعيّة بحيث يشمل أيّ تحرّك يقوم به عدد من القضاة بصفتهم تلك بما يتجاوز ما تفرضه عليهم وظائفهم المحددة قانونا. وتاليا، هو يشمل ليس فقط إنشاء جمعيات أو التجمع، لكن أيضا توقيع البيانات والعرائض. وهذا التوسع في التعريف يسهم برأينا بتكوين فكرة أوضح عن شروط هذه التحركات ولا سيما لجهة مدى حاجة القضاة إليها أو مدى استعدادهم للقيام بها (المحرر).    

اللجنة القضائية في تحرك 1982

تماما كتحرّك 1980، بدأ هذا التحرّك تدريجيّا في أوائل السنة (1982) بمبادرة ممّا سمي "اللجنة القضائيّة المهتمّة بمتابعة مطالب القضاة" وهي لجنة مؤلّفة من 12 عضوا[1]، ومن بينهم أبرز ثلاثة أعضاء في اللجنة السابقة وهم كبريال معوشي وحسن قواس ومنيف حمدان. وقد أكّد لنا أحد أعضاء اللجنة أنّ معاودة التحرّك بعد فترة طويلة من الانكفاء والصّمت تمّ بمبادرة ذاتيّة منهم لتقديرهم أن الوقت المناسب قد حان وبمعزل عن أي حدث مباشر[2].

وسرعان ما بدا أنّ التاريخ يعيد نفسه، إذ دعت اللّجنة القضاة إلى جمعية عمومية في 27 آذار 1982 وأرفقت بدعوتها توصيّة تذكر بحدّة الخطاب السّابق ومفادها الدعوة إلى "استقالة القضاة وتوقّفهم عن العمل فوراً إذا لم تتحقّق مطالب القضاة والمساعدين القضائيّين .. التي بات الجميع يعرفها"، علما أنّ الدعوة وجهت ليس فقط إلى القضاة العدليين إنما أيضا إلى القضاة الإداريين وقضاة ديوان المحاسبة والمحاكم الشرعية. وقد انعقدت الجمعيّة العموميّة بالفعل في التاريخ المحدد بحضور عدد كبير من القضاة (347 قاضياً) فانتخبوا لجنة تمثّلهم وأعلنوا بالإجماع التوقّف عن العمل إذا لم تتحقّق المطالب قبل العاشر من نيسان[3]. فإذا فشلت المفاوضات رغم تمديد المهلة مرّتين في اجتماعين لاحقين، قرّر القضاة في اجتماع عمومي آخر في 24-4-1982، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، وبإجماع الحاضرين البالغ عددهم 356 قاضيا، التوقف عن العمل حتى تحقيق مطالبهم.

وعند هذا الحدّ، حصل تطوّر هامّ في مواقف السّلطة. فمن جهة، بلغ مستوى التّفاوض  القصر الجمهوريّ الذي كلف مجلس القضاء و وزير العدل وضع نظام جديد للقضاء يؤمّن استقلاله. ومن جهة أخرى، أصدر مجلس القضاء الأعلى في 2 أيار تحذيرا مزدوجا:

فمن جهة أولى، طالب السلطة التنفيذية بتحقيق المطالب لتفادي الانهيار قبل 7 حزيران،

ومن جهة ثانية، هدد القضاة الذين يرفضون معاودة العمل بإعمال المادة 65 من قانون تنظيم القضاء العدلي المرادفة في أذهان القضاة "للتطهير"[4].

والواقع أن هذا البيان أحدث، بإيجابياته وسلبياته، انقساما كبيرا داخل التحرّك، بين الذين أرادوا تعليق الإضراب بحجة أن مجلس القضاء الأعلى تبنى المطالب بزخم مرض، وهم الأكثرية، والذين رأوا، على العكس تماما، في تهديدات المجلس إذلالا إضافيّا يدعو الى مزيد من السخط وهم قلة. وأبرز من عبر عن التوجه الثاني منيف حمدان الذي ذهب إلى حد الدعوة إلى مؤتمر صحافي لوضع نقاط على الحروف، وهو مؤتمر تم منعه وسط حصار أمني شبه كامل للعدلية. وقد أدى الجدل الحاصل بالنتيجة إلى تعليق التحرك حتى 7 حزيران، أي بحدود المهلة التي كان مجلس القضاء قد أعطاها للحكومة لتحقيق المطالب. وقد جاء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في 5 حزيران ليقلب المعادلة، بحيث علق مجلس القضاء الأعلى التحرك "تغليباً للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة"[5].

في أهداف التحرك ومطالبه

لم يتغيّر كثيراً جوهر مطالب اللجنة القضائية بين عامي 1980 و1982، والتي ظلت تتوزّع بين مطالب مادية ومطالب معنوية، وإن برزت تحوّلات مهمّة على صعيد الأولوية المعطاة لبعض المطالب والتركيز الإعلامي عليها. وقد تمّ عرض تلك المطالب في نهاية الجمعية العمومية للقضاة التي انعقدت في 27 آذار 1980 بعد أن تمّت الموافقة عليها بالإجماع[6]. و قد تم التعبير عنها على الشكل التالي:

  1. المطالبة باستقلال السلطة القضائية معنوياً وفقاً لما ينص عليه الدستور، وإعطاء هذا الإستقلال مفهوماً أوسع وأشمل نسبةً لفهم المشاركين في تحرك سنة 1980 بحيث بات يعني "حصر جميع شؤون القضاة والموظفين التابعين للسلك القضائي بمجلس القضاء الأعلى".
  2. "إلغاء كل القوانين المخالفة للدستور لأن في ذلك إنقاذاً للنظام الديمقراطي وضماناً للمواطنين".
  3. التركيز المتجدّد على استقلال السلطة القضائية المالي "حتى تتمكّن هي بنفسها من تجهيز قصور العدل و مكاتب القضاة والمساعدين لهم بما يليق بالرسالة التي بها يضطلعون".
  4. بروز مطالب مادية دقيقة و تفصيلية كان يُعَبَّر عنها سابقاً بشكلٍ عام. إذ تمّت المطالبة "بإفادة القضاة من زيادة غلاء المعيشة عن عام 1980 التي حرموا منها ورفع أساس رواتبهم بنسبة 50% ورفع تعويض اختصاصهم إلى 100% و إنشاء صندوق تعاضد لهم و تأمين موارد له تغطي 100% نفقات الطبابة والإستشفاء و بدلات أقساط التعليم المدرسي والجامعي وقروضاً للسكن".
  5. تحديد مطالب دقيقة ومفصّلة للمساعدين القضائيّين.

 

ومن الواضح أنه، خلافا لما كان عليه الحال في التحركات السابقة، أبدت اللجنة القضائية اهتماما أكبر بالمطالب المادية واستعدادا أكبر لإبرازها تفصيليا. لا بل ذهبت اللجنة قبيل الاجتماع إلى حد نشر بيانات[7] مقارنة بين أوضاع القضاة وأوضاع العاملين في قطاعات الدولة، منتقدة زيادة رواتب "الأساتذة الجامعيّين والمديرين العامّين بمئات الملايين تحت ستار مساواتهم بالقضاة"، فيما أن "من يقارن سلسلات الرواتب يعرف ضحالة رواتبنا بالنسبة إلى رواتبهم".

فضلا عن ذلك، تمّ تقسيم المطالب ما بين ملحة وغير ملحة، بما يعكس أولويات معينة للقضاة في هذا المجال واستعدادا لتجزئة هذه المطالب. ففي بيانها الصادر في إثر الجمعية العمومية الأولى، أعلنت اللجنة أنه "بما أن هذه المطالب تحتاج إلى وقت غير قصير حتى تتحقّق كلّها، قرّرنا أن نربط الرجوع عن موقفنا بتحقيق المطالب الملحّة المتكاملة والمشار إليها في البندين الرابع و الخامس"[8] (المذكورين أعلاه)، أي تحديداً المطالب المادية المباشرة للقضاة وللمساعدين القضائيين، وذلك بحجة أن تلبية هذه المطالب يشكل "الحد الأدنى" المقبول والمتداول به[9]، وأن المطالبة بها ليس مطالبة "بالكماليات بل بالضروريات"[10]. وفيما مالت اللجنة تدريجيا، انطلاقا من ذلك، إلى التركيز إلى حد ما على المطالب المادية الواردة أساسا في أسفل قائمة المطالب مع تقليل شأن المطالب المعنوية التي وردت في أعلاها، فإنها بدت وكأنها تستدرك الأمر فتعود إلى خطابها التقليدي بعدما ساد إعلاميّا أن مطالبها مادية بحت. وهذا ما عبّرت عنه في بيان لا يخلو من مشاعر الحرج بل الامتعاض، وبأية حال من التناقض مع بياناتها السابقة مؤكّدة أن اللجنة "لا تعير اهتماماً  لتحقيق المطالب الماديّة للقضاة إذا تحقّقت المطالب المعنوية ومنها استقلال السّلطة القضائيّة"[11].

في أساليب التحرك ووسائله

الوجهة الداخلية: التنظيم واجتذاب القضاة:
في هذا المجال، اعتمد تحرك 1982 عموما الوسائل التنظيمية نفسها المعتمدة سابقا، بمعنى أن التحرك بدأ بلجنة مبادرة دعت إلى جمعيّة عموميّة قامت بدورها بانتخاب لجنة تمثّلها. إنما يسجّل في هذا الصّدد فارق أساسيّ وهو أنّ الدور الغالب للجنة بدا اجمالا، أقلّه في بداية التحرك، دورا إداريّا محض (إصدار بيانات، الدعوة إلى اجتماع الجمعيّة العامّة، إجراء اللقاءات..) فيما سجّلت اجتماعات متلاحقة للجمعيّة العامّة للقضاة (3 مرات في أقل من شهر) والتي بدت كأنها المرجع الصالح لاتخاذ القرارات. وفيما ترأس الجمعية العمومية أعضاء اللجنة (وعلى رأسهم رئيسها كبريال معوشي) فإن وقائع الاجتماعات أظهرت تمسكا من القضاة بإبداء آرائهم (ولو كانت خلافية) وبالتداول ديمقراطيا في المسائل المقيدة في جدول الأعمال[12]، ومنها مثلا طريقة اتّخاذ القرارات أو التّصويت على المسائل الحسّاسة كما كان حال اقتراح التصويت على بدء الإضراب. هذا مع العلم أنّ اللجنة عرضت التّصويت السريّ بشأن إعلان الإضراب فأبى القضاة إلا أن يصوتوا وقوفا بالإجماع، كما أشارت الرواية الصحفية للحدث.  

وعلى صعيد تكوين التحرك، بدت اللجنة المبادرة هنا وكأنّها أكثر حرصا على اجتذاب أكبر عدد من القضاة. وعلى هذا المنوال، انفتحت اللجنة بشكل واسع، ليس فقط على القضاة العدليين، إنما أيضا على القضاة الإداريين وقضاة ديوان المحاسبة وقضاة المحاكم الشرعية. وهذا ما تجلى في اجتماعات تنسيقية عقدتها اللجنة المبادرة مع هيئات قضائية عدة قبل إطلاق التحرك. كما تجلى في الحضور الكثيف للقضاة في الجمعيّات العامّة المتلاحقة والذين زادت أعدادهم عن 350 قاضيا، وسط خطاب توحيديّ للقضاء تدعيما للموقف وتفاديا لحال التّشرذم.

كما من الواضح أنّه تمسّكا بالوحدة، وتجنّبا لأخطاء الماضي، تعاملت اللجنة، أقله في بدايات التحرك، بكثير من الدبلوماسية مع مجلس القضاء الأعلى. فعدا أنّها أعلنت أنّ التحرك ليس بديلا عن المجلس إنما مكملا لجهوده، ضاعفت العبارات الرامية إلى الإعراب عن مشاعر الامتنان إزاء جهود المجلس في هذا الإطار والتّرحيب بمساعيه (مشروع القانون المقدم منه والذي تضمن عددا من مطالبها)، بمعزل عن مدى نجاحها. وقد تجلّت محاولة مراعاة مجلس القضاء الأعلى ورئيسه (وهو نفسه يوسف جبران الذي استعاد منصبه بعد التغيير الحكومي) في الجمعية العمومية الأولى عبر تفويض لجنة تضمّه ورئيس مجلس شورى الدولة ورئيس ديوان المحاسبة ورؤساء المحاكم الشرعية والمذهبية ورئيس اللّجنة القضائية، مهامها إجراء "المراجعات اللاّزمة والنهائية مع المسؤولين تحقيقاً لكلّ المطالب[13]"، رغم احتفاظ جمعية القضاة بحق إعلان الإضراب في حال فشل هذه الجهود. وبشكل عام، لزمت اللجنة هذه الدبلوماسية فلم تتخلّ عنها إلا عقب ما أسمته بمحاولات إذلال، بعدما عمد مجلس القضاء الأعلى إلى تهديد القضاة الذين يرفضون معاودة العمل بإعلان عدم أهليتهم. لا بل أن اللجنة حاولت مرارا الاستفادة من وجود قاضيين سابقين، وهما سليم الجاهل وسامي يونس، في مجلس الوزراء لتدعيم مواقفها في هذا المجلس.

أما على صعيد الخطاب الداخليّ، فانّنا نلحظ توجّهين اثنين: التوجه الأول نحو تخفيف حدة الطهرانية –وهذا ما تجلى بالدرجة الأولى في المجاهرة في المطالب الماديّة كما سبق بيانه، الأمر الذي يعكس تفهما أكبر لهموم القضاة ورؤية أقل تمجيدا للذات دون تجاوز أسلوب المبالغة فيما هم القضاة عليه أو فيما يحاك ضدهم.

فيما أن التوجه الثاني تمثل في عبارات تصعيديّة في مجال ضرورة رصّ الصفوف تحقيقا للمطالب. فإلى الخطاب "التوحيدي" للقضاة المشار إليه أعلاه، وردت إشارات عدة إلى الطابع المصيريّ وتاليا الثوريّ والحتمي للتحرك. ولعل خير تعبير على ذلك، كلمة الرئيس المعوشي التي ألقاها في الجمعية العمومية الأولى في 27 آذار 1982 والتي رأى فيها أن "القرار الموقف" هو اليوم في أيدي القضاة: "فإمّا الإقدام فانتصار لخمسين عاماً، وإمّا إحجام وانهزام لخمسين عاماً. والحدّ الفاصل بين الانتصار والهزيمة تخطّه اليوم أيديكم بعيداً عن كلّ تأثّرٍ وتأثير". وقد ذهب القاضي حمدان في الاتجاه نفسه إلى الحديث عن حتمية "انتفاضة القضاة" على ما آلت إليه أحوالهم فيما ذهب الإعلام إلى وصف التحرك على أنه ثورة القضاة.

 وتاليا، فيما بدا خطاب التحرّك أكثر واقعيّة من خطاب تحرّك 1980، فانّ ذلك عكس بالنتيجة تغيرا في تكتيك التحرك في ضمان استقطاب العدد الأكبر من القضاة وضمان ثبات مواقفهم، على أساس مطالب معيشية وليس فقط شعارات سامية.

في الوجهة الخارجيّة: في اجتذاب تأييد الرأي العام والضغط على السلطات العامة:
في هذا المجال، نلحظ أوّلا تحوّلا أساسيّا في التحرّك نحو اجتذاب تضامن المهن القضائيّة. وقد تمثل ذلك بشكل خاص في شأن المساعدين القضائيّين. ففيما تمّ إدراج مطالبهم منذ البداية ضمن قائمة مطالب القضاة كما كان عليه الحال في 1980، شهدنا بالمقابل تحركا موازيا للمساعدين القضائيين وتلازما لافتا في التوقيت والتصعيد بين التحرّكين. ففي إثر بدء تحرّك القضاة، بدأ المساعدون القضائيّون تحرّكاً موازياً عبر الدعوة لاجتماعٍ عامّ في قصر العدل لبحث مطالبهم ودعم مطالب القضاة، بحضور القاضيين المعوشي وحمدان اللذين ألقيا كلمتين داعمتين[14]. كما يسجل أن اجتماعات تنسيقية عدة عقدت بين الجانبين أكدت دوما على ترابط مطالبهما. هذا مع العلم أن المساعدين القضائيين أظهروا أحياناً عزماً أكبر واندفاعاً أقوى، فلم يتردّدوا مثلاً في إعلان الإضراب أسبوعين قبل القضاة الذين كانوا يرجؤون قرار التوقف عن العمل من أسبوعٍ إلى آخر[15].

وإلى ذلك، أبدت اللجنة تمسّكها الدائم بدعم كل مكوّنات العدالة في لبنان، فأبدت مرارا اعتزازها "بالتجاوب الذي يلقاه الجسم القضائي من الهيئات الصحفية والنقابية والطالبية ورجالات الفكر وبخاصة رفاق الدرب في نقابتي المحاماة و كلّيات الحقوق[16]"، وذلك جوابا على بيانات الدعم الصادرة عن هذه الهيئات والمراجع.

وتماماً كما حصل عام 1980، طوّر أعضاء اللجنة القضائية علاقة مميزة مع الإعلام وخاصةً المكتوب منه، فكانت تصدر بيانات شبه يومية باسم اللجنة أو أحد أعضائها، كما نلحظ متابعة دقيقة للصحف لأعمالهم. و قد برز هذا الانفتاح الإعلامي منذ البدء حين دعا الأمين العام للّجنة القاضي منيف حمدان في بيانٍ صحفيّ له تاريخ 24 آذار 1982 أجهزة الإعلام المحلية والعربية والدولية إلى حضور الجمعية العمومية الأولى للمساهمة في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية وسيادة الدستور"[17]. وتاليا، تناول البيان الإعلام ليس فقط كوسيلة لإعلام الرأي العام بتحركات القضاة إنما أيضا كشريك في خوض المعركة.

كما بلغ التوجّه إلى الإعلام درجة أعلى حين لجأ حمدان في أكثر أوقات الأزمة حساسيةً إلى الدعوة إلى مؤتمر صحفي في قصر العدل معلنا استعداده للتكلّم على "الطريق العام"[18] في حال منعه وهذا ما نعود اليه أدناه. لا بل أنّ بعض اعضاء اللجنة ذهبوا إلى حدّ الدّخول في مساجلات إعلامية مع بعض السياسيين، أهمّها الصدام الذي حصل مع رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب أوغست باخوس[19]. وتاليا، يدلّ مجموع هذه العوامل على أن اللجنة توخّت دوماً اللجوء إلى الاعلام لتحسيس الرأي العامّ وإعلان المواقف في مجمل الأمور التي اعترضتها بما يتجاوز بكثير التحفظات التقليدية.

كما يلحظ أن التحرك تميز بأساليب ضغط غير مألوفة لتحقيق المطالب. فتعليقا على توصية اللجنة المبادرة بالتوقف عن العمل وباستقالة القضاة إذا لم تتحقّق المطالب المشار إليها أعلاه، ظهر تباينٌ داخل الجمعية العمومية بين الخيارين المطروحين "الإضراب أو تقديم استقالات جماعيّة" على خلفيّة خلاف بشأن مشروعيّة الإضراب. وقد تمّ تجاوز هذا التّباين إلى حدّ ما من خلال التوافق على إعطاء السّلطة مهلة قصيرة (اسبوعين) لتحقيق المطالب تحت طائلة تنفيذ قرار التوقف عن العمل[20]، علما انّه تمّ تمديد هذه المهلة في فترات لاحقة[21]، دون أن يؤدّي ذلك إلى انهاء الشائعات بشأن نيّة عدد من القضاة بتقديم استقالات جماعيّة، لعدم اقتناعهم بمشروعيّة الإضراب[22].

واللافت كما سبق بيانه أن القضاة ذهبوا حقّا، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان (وقد شدّدت على ذلك صحيفة النهار التي وضعت الخبر على صفحتها الأولى) إلى تنفيذ ما هددوا به، بحيث قرّر القضاة التوقف عن العمل حتى تحقيق مطالبهم. لا بل أن القضاة أبدوا حماسة وتصميما مميزين لدى اعلان قرار الاضراب بحيث اتخذوا القرار في الجمعية العامة وقوفا وبالإجماع، رافضين الاقتراع السريّ  كما سبق بيانه. وقد تعالى في إثر ذلك التصفيق وتبادل القضاة التهاني مشيدين بالوحدة والقرار التاريخي المتّخذ[23].

وختاما، يجدر الذكر أن الجمعيات العمومية للقضاة تميزت إجمالاً بنبرة حادّة ضد وزير العدل، فطالب بعض القضاة في إحداها[24] بتجاوزه لمراجعة رئيس الجمهورية مباشرةً، بينما علت أصواتٌ أخرى مطالبةً بإقالته[25] واتهمه القاضي حمدان "بالتهرّب"[26].

في مدى تفاعل التحرّك اجتماعيّا: مواقف وردود فعل:
من الطبيعيّ تبعا للجوء اللجنة المكثّف إلى الإعلام، أن يولّد التحرّك لدى المجتمع والسلطات الرسميّة تأثيرات عدّة، سواء لدى المهن القضائيّة المعنيّة بشكل مباشر أو لدى دوائر الحكم أو في المجتمع بشكل أعمّ.  

المهن القضائيّة:

بلغ التّفاعل حدّه الأقصى لدى المساعدين القضائيّين إلى درجة حدتهم إلى القيام بتحرّك مواز. فضلا عن ذلك، بدت تأثيرات التحرّك أكثر وضوحا مما كانت عليه في 1980 لدى المحامين (أفرادا ونقابة) بل أيضا لدى طلاب الحقوق.      

ولعل أولى البوادر لمواقف المحامين جاءت في 24 آذار 1982، أي قبل الاجتماع العامّ بثلاثة أيام، على شكل بيان-عريضة وقّعه أكثر من 578 محامياً أبدوا فيه تضامنهم مع مطالب القضاة واستعدادهم للمشاركة في "كلّ الخطوات التي تراها اللّجنة مناسبة[27]". ولم تتأخّر نقابة المحامين في بيروت عن تأييد "مطالب القضاة المحقّة"[28]، بمفردها أو لاحقا في بيان مشترك مع نقابة المحامين في لبنان الشمالي[29]. بالمقابل، بدا موقف النقابة أقلّ وضوحا بشأن وسائل الضغط التي هدّد القضاة باللجوء اليها. فبعدما تفادت بيانات النقابة أي إشارة إليها في بداية التحرك، عكس موقف نقيب المحامين عصام خوري غداة قرار التوقف عن العمل انزعاجا "ملتبسا" مما قد يسببه من آثار سلبية على مصالح المحامين والمتقاضين. فبعدما وصف القرار بأنه "تاريخي ومهمّ جداً"، صرّح بأنه "خطير على الجميع سلطات وأفرادا وفي مقدّمهم المحامين والسلطة القضائية"، مردفاً بشيءٍ من الحدة أن "طاقة المحامين في الصبر والتضحية كبيرة ... ولكن لكلّ طاقة حدود والمحامون يعلنونها صراحةً أنهم غير مستعدّين لأن يدفعوا وحدهم ثمن تصارع سلطات الدولة أو ثمن عدم انسجامها[30]". فكأنما  النقابة عمدت إلى وضع القضاء والسلطة التنفيذية في الخانة نفسها.

كما يسجل في هذا الإطار موقف اللجنة التنفيذية للاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية التي نظمت مؤتمرا صحفيا باسم جيش الأربعين ألف طالب لدعم تحرّك اللجنة القضائية[31].

مجلس القضاء الأعلى:

في هذا الصدد، نلحظ أنّ مجلس القضاء الأعلى لزم موقفا حذرا، تغلب عليه السلبية، على خلفيّة أنّه الممثل الوحيد للقضاة. فتعليقا على الجمعية العموميّة الأولى للقضاة، لاحظ المجلس فيها "تصرّفات سلبية تخالف التقاليد القضائية وتتنافى مع الولاية الذاتية التي للمجلس ولرئيسه". كما أن مجلس القضاء ذكّر سريعاً بأنه هو من "يتحمّل عبء الهمّ القضائي"، وأنه هو من يمثّل "كلمة القضاء وملاذه". و قد دعا أخيراً المجلس "جميع القضاة إلى مزيدٍ من الصبر في المعاناة ومن التضحية في العمل"[32].

ورغم هذا الموقف الرافض، وجد مجلس القضاء الأعلى نفسه مضطرا إلى التعامل مع واقع التحرك. ففي العاشر من نيسان 1982، أوفد إلى الجمعية العمومية ممثلاً عنه هو رئيس التفتيش القضائي عبد الباسط غندور الذي سعى جاهدا إلى ثني القضاة، وأكثريتهم الساحقة متحفزة على إعلان الإضراب، عن هذا القرار. فوقف العمل معناه، برأيه، "الخروج عن التزام المناقبية والرسالة التي يحملها القاضي، ويكون بالتالي تصرّفاً غير لائق بالقضاء"[33]، مردفا أنه لا يجب أن "يقال أن القضاة توقّفوا عن العمل لأمورٍ ماديّة. نحن لا نريد أن يقال أن القضاة يريدون تركيع الدولة حتى تتحقّق مطالبهم. هذا الأسلوب غير لائق والدولة الآن على ما هي عليه من ضعف. علينا التحلّي بفضيلة الاتزان، والعمل للحصول على حقوقنا بطرق سلمية". وقد أسفرت مداخلته عن جدل واسع داخل القاعة تميّز بحدّته النسبية، مما أدى عمليا إلى إرجاء قرار الإضراب دون التراجع عن التهديد به.

إلاّ أنه من البيّن أيضا أن التحرك شجع مجلس القضاء الأعلى إلى مضاعفة جهوده وتسريعها نحو تحسين أوضاع القضاة في محاولة للإستفادة من التحرك وفي الوقت نفسه لاستيعابه. وقد تمثل ذلك في إنجازه بالتعاون مع مجلس شورى الدولة مشروع قانون يقرّ عددا من مطالب القضاة، وهي مطالب مادية، وتقديمه إلى وزير العدل[34]. وقد لقيت هذه الخطوة ترحيبا من قبل اللجنة التي رأت أنها أظهرت القضاء جسما "متماسكا" و"موحّداً"[35]. كما أبدت اللجنة ارتياحها لتمسك الهيئات القضائية بمطالب القضاة، ومن اللافت أن اللجنة قد وضعت نفسها بين عداد تلك الهيئات إلى جانب مجلس القضاء الأعلى ومجلس شورى الدولة[36].

وقد شكّل الاجتماع الذي عقد في القصر الجمهوريّ بحضور رئيس الجمهورية الياس سركيس بعد أيام من إعلان إضراب القضاة، وبحضور أعضاء مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل، نقطة تحوّل في سياق الأحداث. فقد رأى المجلس فيه مناسبة تسمح له باستعادة المبادرة، فأصدر في 3 أيار 1982[37] بياناً تحذيريا شديد اللهجة للسلطة التنفيذية وللجنة القضائية ومن تمثله في الآن نفسه. وبالفعل، ذكّر البيان بداية وزير العدل "بالتزاماته أمام المجلس" وطلب من السلطتين التشريعية والتنفيذية "إقرار أنظمة جديدة تؤمن للمجلس إيلاء شؤون القضاة و المساعدين القضائيّين"، منبهاً أنه "إذا لم يتحقّق ذلك سيصبح المجلس بعد الخامس من حزيران 1982 في وضع من الاستحالة معه القيام بولايته والسهر على حسن سير العمل في الدوائر القضائية وفقاً لما أقسم عليه أعضاؤه في اليمين القانونية". وفي موازاة ذلك، وجّه المجلس تحذيرات شديدة اللهجة وبأسلوب لا يخلو من الفوقية للقضاة العدليّين والمساعدين القضائيين المتوقفين عن العمل كافة داعيّا إياهم إلى استئنافه فوراً على أن يعدّ أي "عمل مخالف لهذا القرار وكل إعلان أو بيان أو تصريح يصدر عن أحد القضاة إخلالاً جوهرياً بالخلقية القضائية يستوجب تطبيق القانون الرقم 49/65 تاريخ 6/9/1965"، أي ما يعرف بقانون التطهير.

وقد أحدث هذا البيان –القرار- بلبلة وانقساما كبيرين داخل القضاء. فمن جهة، قررت  أكثرية أعضاء اللجنة في اجتماع لها تعليق الإضراب حتى 7 حزيران 1982 -أي بعد انتهاء المهلة الواردة في بيان مجلس القضاء الأعلى لتحقيق المطالب-، علما أن بعض القضاة طالب المجلس بسحب التهديد بالتطهير كشرط لمعاودة العمل[38]. وقد علق يوسف جبران على هذه الخطوة واصفا إياها بالعظيمة وأنها "تنسجم مع مبدأ الانضباطية القضائية"[39]، مدلياً بأن مجلس القضاء لا يتراجع عن قراره لأنه "يستمد وجوده من الشعب وهو يعمل لمصلحة الشعب فقط[40]". كما زاره "عشرات" القضاة والمساعدين القضائيين لتأكيد "رغبتهم" بالعودة لمزاولة أعمالهم.

بالمقابل، فإن الأعضاء المخالفين لتعليق الاضراب (وأبرزهم كبريال معوشي ومنيف حمدان) رأوا في بيان مجلس القضاء الأعلى استفزازا ومحاولة إضافية لاذلال القضاة، مما حداهما إلى الطعن بصفة المجلس التمثيلية وتصعيد المواقف الاعلامية على نحو يذكر بالمواقف التصعيدية في نهاية تحرك 1980[41].

وهذا ما تسبب فعليا باستدعاء قضاة عدة[42]. كما أن القرار شكل أساسا لقرار النائب العام التمييزي كميل جعجع بحظر المؤتمر الصحافي[43] الذي دعا اليه منيف حمدان في الخامس من أيار 1982. لا بل ذهب جعجع الى حد تكليف رجال قوى الأمن بمنع حصوله[44]. وقد جاءت بالواقع الحرب في الخامس من حزيران 1982 لتحسم المسألة وفق ما سنبينه أدناه.

السّلطة التنفيذيّة:

في هذا المجال، شكّل دور وزير العدل (خاتشيك بابكيان) عنصرا أساسيّا. والى جانب ذلك، لعب الوزيران سليم الجاهل و سامي يونس دورا محدودا على خلفية انهما قاضيان سابقان  فيما أدى الاضراب الى تدخل رئيس الجمهورية الياس سركيس في فترة لاحقة. 

والواقع أن علاقة الوزير باللجنة اتسمت بالتشكيك والعدائية. فهو لم يكتف بالتنكر لمشروعية اللجنة على أساس أنّ مجلس القضاء الأعلى هو "ممثّل الجسم القضائي"[45] وهو "السلطة التي تشرف على أوضاع القضاء بالتعاون مع وزارة العدل" وأن بحث المطالب معه ضمانة لبحثها على مستوى المسؤولية "الوطنية"، بل ذهب إلى حد طعن القضاء كجسم بحيث دعاه إلى التحلّي بروح المسؤولية (مسؤولياته الكبرى والتاريخية) التي قد يكون فقدها أو على شفير ذلك[46].

كما أنه حاول الحدّ من طموحات القضاة بحجج مختلفة لا تخلو من التعارض. فبعدما حصر مطالب اللجنة بمطالب مادية، زايد عليها في الحرص على مصالح القضاة من خلال التأكيد على أنه أعدّ قبل تحرك اللجنة مشروع قانون لإنشاء صندوق تعاضد للقضاة. كما زايد عليها في الحرص على المصلحة الوطنية بقوله أن لا بد من التعامل مع المطالب في الإطار الوطني العام، "فتحرك القضاة لا بد أن يسبب تحرّكات مطلبية موازية لموظفي مختلف القطاعات العامة"[47].  

وهذا التحوّل في المواقف استجرّ استياء مجلس القضاء الأعلى الذي طالبه مرارا بالإيفاء بالتزاماته. لا بل نقلت الصحف أن رئيس التفتيش القضائي عبد الباسط غندور قاطع الاجتماع في القصر الجمهوري إحتجاجا على تصرفات وزير العدل[48]، هذا مع العلم أن وزير العدل تقدم بمشروع قانون تفاديا للإضراب اعتبرته اللجنة أنه غير كاف.[49]

الإعلام والرأي العام والنواب:

في هذا المجال، نسجل بداية الاهتمام الإعلامي المتزايد بالتحرك. وفيما تداولت الصحف أخبار اللجنة في الصحف على شكل شبه يوميّ، فإنه ما عدا خبر الإعلان عن الإضراب[50] وعن توقفه، كانت هذه الأخبار ترد إجمالا في الصفحات الداخليّة في المحليّات. وقد عمدت بعض الصحف إلى نشر تحقيقات تناول بعضها محطات تاريخيّة من التحركات القضائية[51]. كما نسجّل أن إحدى المجلات عنونت أحد مقالاتها "ثورة القضاة". 

كما أنه كان للتحرك أصداء في أوساط النواب انقسمت بين مؤيد ومعارض، علما أن بعض مؤيّديه ذهبوا إلى حد وضع اقتراحات قوانين[52].

في مشروعية التحرك:
كما في التحركات القضائية السابقة، طرحت مشروعية تحرك 1982 اشكاليات عدة، ليس فقط على صعيد التجمع بحد ذاته، بل أيضا على صعيد الوسائل والأساليب ومدى توافقها – ليس فقط مع المناقبية القضائية - بل أيضا مع القوانين.

المشروعية التمثيلية للتحرك:

هنا نسجّل بداية مساعي اللجنة المبادرة إلى مضاعفة العناصر الآيلة إلى اعطائها مشروعية تمثيلية للقضاة. فمن جهة أولى نسجل مساعيها، وربما تكون الأولى من نوعها، إلى الربط بين جميع الهيئات القضائية. وهذا ما سيكون لاحقا مقدمة لمجموعة من مشاريع قوانين قدمت في الأعوام 1996-1998، لجهة إنشاء هيئة عليا للسلطة القضائية (تعنى بالقضاء العدلي والقضاء الإداري وديوان المحاسبة) على حدّ سواء، علما أن الخطاب التوحيدي للجنة ذهب أبعد من ذلك بحيث شمل إطاره أيضا المحاكم الشرعية. وهذا المسعى التوحيدي أسهم ولا بد في زيادة عدد القضاة الحاضرين في الجمعيات العمومية (أكثر من 350 قاضيا). فضلا عن ذلك، برزت المشروعية التمثيلية للتحرك في إظهار أعداد مماثلة من القضاة في جمعيات عامة انعقدت خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا. والواقع أن هذا المسعى التوحيدي فرض ذاته حتى في الآليات الرسمية المتبعة في موازاة هذا التحرك. وهذا ما عبر عنه اشتراك مجلس القضاء الأعلى ومجلس شورى الدولة بوضع مشروع قانون لتحسين أوضاع القضاة.

كما أن القوة التمثيلية للتحرك دفعت وزير العدل إلى الادعاء بأن تمثيل القضاء منوط قانونا بمجلس القضاء الأعلى وحده، وكأنه بذلك يغلب الشرعية القانونية المفترضة على المشروعية التمثيلية المتمثلة في الجمعيات العامة للقضاة.

في مشروعية الوسائل والأساليب:
فيما لقينا هنا جدلا مماثلا لما حصل سابقا بشأن التصريحات الإعلامية، بلغ الجدل درجة أعلى بشأن قرار التوقف عن العمل (الإضراب). ففي هذا المجال، تجاوز الجدل مدى توافق الوسيلة مع المناقبية أو الأخلاقية أو الأعراف القضائية ليتناول مدى توافقها مع القانون ولا سيما على ضوء حظر الإضراب الوارد في قانون الموظفين العامين.

فكيف للقضاة أن يخالفوا القانون الذي يحظر صراحة على الموظفين التوقف عن العمل، فيما أن وظائفهم هي تحديدا ضمان احترام القانون؟ وألا يرمي تصرفهم في كل الحالات إلى تحقيق مطالب ذاتية بما يشكل تصرفا نقابيا بحتا، بمعزل عن المصلحة الاجتماعية، بل بمعزل عما يتسبب به من أضرار اجتماعية وخصوصا فيما يتصل بآلاف الموقوفين على سبيل التحقيق؟ وهذا ما لقي مساحة واسعة في الإعلام، كما هو حال ذلك الموقوف الذي نفذت مذكرة إحضاره، فطلب المدعي العام في بيروت من رجال الأمن "وضعه في أمرة وزارة العدل لبتّ مصيره". والواقع أن هذه الاعتراضات لم تصدر فقط عن السلطة أو عن نواب أو مواطنين، إنما أيضا عن أعضاء في التحرك نفسه (صباح حيدر)، وفقا لما نقرؤه في مناقشات الجمعيات العمومية.

بالمقابل، فإن اللجنة بررت هذه الوسائل بالطابع الاستثنائيّ للظروف الحالية الذي يفرض تخطّي النصوص والأعراف التي تنظّم عمل القضاء والقضاة في الظروف العادية وبعبارة أخرى بالضرورة. فهل من المعقول والمقبول التكلم على المناقبية القضائية بمفهومها الضيق، وعلى موجب التحفظ، في حين أن سلطة القضاء تنهار، وقراراته تستباح من قبل الميلشيات وقوى الأمر الواقع؟ وعليه، تمّ ربط قرار التوقف عن العمل باعتبارات "ككرامة" القضاء و"استقلاله" و"استحالة القيام بالمهام الدستورية" في الظروف الحالية. كما عمدت اللجنة إلى نشر دراسة قانونية لأحد أعضائها، القاضي فرنسوا ضاهر، يعتبر فيه أن ذلك القرار شرعي وقانوني نظرا للأوضاع الحالية.

لا بل ذهبت اللجنة أخيرا الى الإشارة إلى ما قام به قضاة فرنسا عندما تظاهروا في شهر كانون الثاني 1971 لتستمدّ من هذه المقارنة مع بلد أوروبيّ عريق شرعية أكبر. 

 


[1] هؤلاء الأعضاء الجدد هم: عبد الكريم سليم، رشيد حطيط، عدنان عضوم، مختار سعد، نديم عبود، يوسف سعدالله الخوري، نصرت حيدر، شبيب مقلّد، فرنسوا ضاهر والياس الخوري.
[2] مقابلة مع منيف حمدان في 8/8/2007.
[3] النهار، 28/3/1982.
[4] النهار، 3/5/1982.
[5] النهار، 6/6/1982.
[6] النهار، 28/3/1982.
[7]النهار، 20/3/1982 و النهار، 25/3/1982.
[8]النهار، 28/3/1982
[9]النهار، 15/4/1982
[10] تصريح لرئيس اللجنة، كبريال معوشي، النهار، 24/4/1982
[11]النهار، 29/4/1982
[12]كما حدث مثلاً في الجمعية العمومية التي عقدت في 27 آذار 1982
[13]النهار، 28/3/1982.
[14]النهار، 1/4/1982.
[15]النهار، 11/4/1982.
[16]النهار، 9/4/1982.
[17]النهار، 25/3/1982.
[18]النهار، 5/5/1982.
[19]النهار، 26/5/1982 فشنّت هجوماً إعلامياً عنيفاً عليه ممّا اضطرّ نقيب المحامين عصام خوري إلى التدخّل معتبراَ أن حكم اللجنة على النائب "لم يكن عادلاّ".
[20]وقد قدم الاقتراح الشيخ حليم تقي الدين (رئيس المحاكم المذهبية الدرزية) بامهال السلطة لأسبوعين، النهار، 27/3/1982 .
[21]كما في الجمعية العمومية التي انعقدت في 10/4/1982.
[22]النهار، 27/4/1982.
[23] كما ورد حرفياً في صحيفة النهار، 25/4/1982.
[24] اجتماع العاشر من نيسان 1982.
[25]  وبعد إلغاء الاجتماع في قصر بعبدا لبحث شؤون القضاء يوم الجمعة 23/4/1982، شنّت اللجنة هجوماً عنيفاً على وزير العدل استنكرت فيه "أسلوبه في معالجة شؤون السلطة القضائية" سائلةً ما هو المبرّر لبقائه؟ و اعتبرت أن "تأجيل الاجتماع قبل ساعتين يدلّ على تكريس الأسلوب المتّبع منذ أربعين عاماً في إذلال القضاء وربطه بعجلة الإدارة ومعاملته معاملة الموظفين العاجزين المستضعفين" كما عاهدت "جميع الزملاء على أن عهد إذلال القضاء قد ولى إلى غير رجعة". و صرّحت اللجنة في مناسبةٍ أخرى[25]: "و تجدر الإشارة إلى أن الأمر سيكون مدعاة للدهشة و الاستهجان يوم يختلّ التوازن بين السلطة القضائية و الوزارة التي أعدّت أصلاً لتسهيل عمل المرفق القضائي وتوفير المقوّمات اللاّزمة لحسن سيره، لأن الوزارة بذلك تكون قد عطّلت دورها وألغت مبرّر وجودها وعندئذٍ ينبغي ترتيب النتائج على أسبابها".
[26] النهار، 11/4/1982.
[27] النهار، 25/3/1982.
[28] النهار، 1/4/1982.
[29] النهار، 15/4/1982.
[30] النهار، 27/4/1982.
[31] بيان منشور دعما لتحرك القضاة.
[32] النهار، 31/3/1982.
[33] النهار، 11/4/1982.
[34] النهار، 21/4/1982.
[35] النهار، 21/4/1982.
[36] النهار، 23/4/1982.
[37] النهار، 4/5/1982.
[38] النهار، 6/5/1982.
[39] النهار، 8/5/1982.
[40] النهار، 6/5/1982.
[41] فقد رأى رئيس اللجنة معوشي أن هذا القرار "محزن و متخاذل وهو طعنة في صميم الجسم