على خلفية إصدار رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين بتاريخ 15 -08-2016 قرارا يقضي  بإنهاء إلحاق القاضية عفاف النحالي رئيسة وحدة العناية الفورية والتدخل العاجل وعضو مجلس التأديب بالهيئة،  أصدر أربعة من  أعضاء المجلس التنفيذي لهيئة الحقيقة والكرامة[1] بيانا اتهموها فيه بتجاوز صلاحياتها لكونها لم تعرض الأمرعلى مجلس الهيئة صاحب الصلاحية في اتخاذ قرارات مماثلة. كما حمّلها هؤلاء مسؤولية ما ذكروا أنه "سعيها لإفراغ الهيئة من كل الكفاءات الجادّة المخلصة لمسار العدالة الانتقالية والتي لم تتمكن من إخضاعها لإملاءاتها الخاصة".

اختارت في الجهة المقابلة رئيسة الهيئة أن تعكس الهجوم بذات سلاح معارضيها وفي ذات ساحتهم. فأصدرت بلاغا للرأي العام استهلته باتهام المعارضين "بالخروج عن واجب التحفظ وإفشاء أسرار الهيئة" وخصصت جزءا منه للتحذير من استغلال أعداء مسار العدالة الانتقالية لخلافات أعضاء المجلس. وذكرت في خاتمته أن قرارها يندرج ضمن صلاحياتها القانونية وإن كانت ستعمل على إيجاد حلول للأزمة الطارئة.

وتبدو الأزمة التي فجرتها قرارات رئيسة الهيئة هامة لاعتبارين: فهي تشكل مؤشرا إضافيا على سوء الإدارة المزمن الذي تعاني منه الهيئة، كما أنها تنذر بمخاطر تعطيل حقيقي لمسار العدالة الانتقالية.

أزمة مزمنة تحتاج حلولا

لازمت أزمات الإدارة عمل الهيئة منذ بدايته وانتهت في محطاتها السابقة باستقالات وإقالات شملت عددا من أعضائها[2]. وقد  كان السبب المعلن لهذه الاستقالات اتهام رئيستها بعدم احترام قواعد التسيير الديمقراطي للهيكل الذي يحمله مسار العدالة الانتقالية مسؤوليات متعددة منها المحاكمة التاريخية لنظام سياسي يعاب عليه أنه كان نظام يحكمه الفرد.

وبعيدا عن الصور الإيجابية التي نجحت الهيئة في تحقيقها من خلال استماتتها في الدفاع عن مسار العدالة الانتقالية في مقابل من حاولوا وأده في بدايته، فإن اقتران عملها بفكرة الإدارة الفردية وشبهات سوء الإدارة يفقدها المصداقية اللازمة للقيام به. فمن العبثي أن نفحص نظاما متهم بالفردية بآليات تتعرض لذات الاتهام، ولا يغيب عنها حديث الفساد الذي حكمه. ويفرض هذا الأمر أن يكون أي حل للأزمة الطارئة شاملا لا يتوقف عند حدودها ويبحث عن تجاوز كل مشاكل الهيئة. ويؤمل فعليا التوصل لمثل هذا الحل لاعتبار أن الأزمة ستكون قاتلة إن تطورت فتذهب هباء كل الجهود التي تبذلها الدولة التونسية لتذكر الماضي منعا لتكراره.

أزمة مؤشراتها خطرة على استمرارية عمل الهيئة

يجدر التذكير هنا أن الهيئة كانت فصلت ثلاثة من أعضائها في وقت سابق. ورغم صدور قرارات قضائية بوقف تنفيذ قرارات الفصل هذه، فإن رئيسة الهيئة ما تزال ترفض الإذعان لهذه القرارات. وعليه، بات عدد أعضاء الهيئة الفعلي هو 12 من أصل 15. وعليه، وفي حال استمرار الأزمة الحالية، سيهبط هذا العدد دون الحد الأدنى للنصاب القانوني المطلوب الذي هو ثلثي الأعضاء الأساسيين (أي عشرة)، مما قد يؤدي إلى تعطيل أعمال الهيئة بالكامل.

ويبدو تجاوز هذا الخطر مرتبطا أساسا بمراجعة رئيسة الهيئة لمواقفها[3] وبقبولها الخضوع  للنظام الداخلي لهيئتها[4]. ونأمل أن يتحقق هذا بشكل ينهي كل إشكاليات الهيئة وينتهي بإنجاح مسار العدالة الانتقالية خدمة لأهدافها السامية.

 


[1] و هم "علا بن نجمة  وابتهال عبد اللطيف و صلاح الدين راشد و علي رضوان غراب "   
[2] يتكون مجلس الهيئة  بحسب قانونها الأساسي من خمسة عشر عضوا بمجرد تشكيلها  استقال عضوها خميس الشماري لأسباب وصفت بالخاصة كما استقال لاحقا ثلاث أعضاء ( عزوز الشوالي -محمد العيادي – نورة البرصالي)  احتجاجا على  أسلوب إدارتها فيما طرد مجلسها ثلاثة من أعضائها على خلفية مواقفهم من عمل هيئتهم   ( زهير مخلوف -– ليليا بريك بوقرة -  مصطفى البعزاوي  )  وقد تولى المجلس النيابي تعويض كل الأعضاء المستقيلين ورفض تعويض المطرودين لصدور أحكام عن القضاء الإدارية لفائدتهم توقف تنفيذ القرارات الصادرة في حقهم . وتضم حاليا الهيئة 12 عضوا فعليا في ضل رفض رئيستها قبول تنفيذ القرارات القضائية .
[3] انتفاضة اعضاء الهيئة تجد سندها القانوني في  الفصل 07 من النظام الداخلي للهيئة  الذي يعطي  للجلسة العامة للهيئة صلاحية  المصادقة على الانتدابات و الفصل 12 من ذات النظام لا يكلف رئاستها الا بامضاء قرارات التعيين بوصفها ممثلة الهيئة .
[4] صدر النظام الداخلي تنفيذا لقانون الهيئة  عن مجلسها بموجب القرار عدد 1 لسنة 2014 مؤ ّرخ في 22 -11-  2014 يتعلق بضبط النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة