إعتصم حشد من صيادي السمك في مرفأ الدورة أمام مينا الصيادين المقابل لمكب برج حمود القديم، بعدما سهروا الليل ليقطعوا الطريق أمام شاحنات النفايات مانعين دخولها إلى المكب. وقد احتج الصيادون على رمي نفايات المكب في مياه البحر دون معالجة أو عزل، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة تلوث المياه نتيجة الرسوبات والنفايات التي تجتاح البحر. وجراء نقل النفايات المطمورة إلى مطمر آخر خلف مجمع السيتي مول منذ نحو السنة، حيث أن كميات هائلة من النفايات السامة تقع يومياً في مياه البحر. هذا الأمر انعكس على مصدر رزق الصيادين الوحيد، حيث تسببت الملوثات بموت بيض السمك في عز موسم الصيد وتحول لون المياه إلى أسود داكن مما أدى إلى حجب الرؤية تحت المياه. وقد شارك في الاعتصام جمعية طلعت ريحتكم والحركة البيئية اللبنانية وممثلون من حزب الكتائب وغيرهم من الناشطين والجمعيات بيئية.

وقد ناشد الصيادون وزارة البيئة والحكومة اللبنانية مطالبين إياهما بـ "إيجاد حل لأزمة النفايات والعمل على تنظيف البحر ليتمكنوا من العودة إلى استكمال أعمالهم بصورة طبيعية". كما طالبوا "رفع التعديات عن الأملاك البحرية، والحد من المشاريع التي تهدف إلى توسيع الأرض أمام المينا لإنشاء مشاريع سياحية تطيح بمصدر رزقهم". إضافة إلى ذلك، توجهوا إلى رئيس الجمهورية لمناشدته بتأمين تعويضات لائقة، اشترطوا ألا تمر عن طريق نقابة الصيادين وتعاونية صيادي الأسماك. وقد أكد غالبية الصيادين أن الأموال التي جيرت إلى النقابة لمساعدة الصيادين لم يستحصلوا عليها. بمعزل عن ذلك، وبحسب ما أجمع عليه الصيادون فإن بعض هذه المساعدات تُقسّم على حوالي 500 صياد في الوقت الذي لا يتعدى فيه صيادو السمك الفعليون على مرفأ الدورة الـ 120 صياداً. وأن باقي الزوارق التي ترسو على المينا تعود لهواة الصيد وليس لكاسبي الرزق. وقد شدد الصيادين على عدم رفع الاعتصام إلى حين البت بمطالبهم، متوعدين بالتصعيد وإغلاق الأوتوستراد.

بدوره، أكد الصياد جان جاك الموهانيان أن "المياه تجتاحها رسوبات نفايات سامة، وشكلت طبقات رغوة على سطح المياه". ناهيك عن الملوثات التي تسقط باستمرار في البحر، فإن معظم الصيادين يؤكدون حصول عمليات طمر مباشرة في البحر دون إنشاء عازل أو معالجة. من جهته، يتخوف الصياد سليم الهاشم، الذي اصطاد في هذا الميناء منذ 30 عاماً، من المواد السامة التي أدت إلى موت الكثير من الأسماك وتدمير الثورة السمكية.

نتيجة هذه الكارثة التي حلت على مياه البحر، فإن الصياد أصبح ينفق أكثر مما يكسب. يؤكد الصياد الياس الخوري أن "مصاريف المازوت للقارب تتعدى الـ 100 ألف ليرة يومياً، من دون مصاريف الصيانة الاعتيادية ومواد الصيد"، مشيراً إلى أن "هذه المهنة ما عادت تؤمن أدنى المصاريف اليومية". علاوة على ذلك، فإن "صياد الدورة" (اسم المنطقة) لا يتمكن من اللجوء إلى مرافئ أخرى للصيد تفادياً الصراع مع صيادي المناطق الأخرى. من ناحية ثانية، شارك في الاعتصام صيادو منطقة الجناح. بعدما جمعتهم مصيبة النفايات مع صيادي الدورة. وفي هذا المجال، أشار رئيس جمعية صيادي الأسماك في الجناح إدريس عتريس إلى أن "مغاسل الرمل في الجناح التي لوثت مياه البحر وأصبح لونه أحمر أدت إلى قتل بذور السمك والقضاء على الموسم".

بدوره، يشير الناشط في حملة طلعت ريحتكن وديع الأسمر إلى أن "شاحنات النفايات التي تعبر المرفأ بشكل يومي تسبب الإزعاج وتنثر الغبار" بالإضافة إلى "الغبار الذي يأتي من جبل النفايات جراء نقل النفايات منه إلى مطمر السيتي مول". يقول الأسمر إن "الحكومة وعدت ببناء عازل في البحر وقد وضع في طي النسيان". بالمقابل فإن "مشروعا سياحيا على غرار الزيتونة باي يتم العمل على إنشائه عن طريق ردم البحر". من جهتها تلفت الناشطة في الحركة البيئية اللبنانية سارة أبو كامل إلى "قيام الجمعية بجمع تواقيع أكثر من 11000 ألف شخص بهدف تقديمها إلى برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والتي من واجبها مراقبة عمل المطامر بقرار من الحكومة اللبنانية".

تصدى المعتصمون لمحاولات القوى الأمنية إعادة فتح الطريق الذي أغلقه الصيادون، فوقفوا بأجسادهم مطالبين القوى الأمنية أن تمنع الشاحنات التي تمر بشكل غير قانوني على طريق المينا. ورغم وجود طريق آخر محاذٍ لطريق المينا، فإن الشاحنات تستمر يومياً بالمرور بحجة وجود حطام سفن وآليات على ذلك الطريق. وقد كانت وزارة الأشغال العامة قد علّقت عدة إنذارات لإزالة الآليات والحطام المتعدية على المرفأ ومحيطه، لكن لم يحرك أصحابها أي ساكن.

وقد كان لافتاً عدم مشاركة نقابة صيادي الأسماك في الاعتصام. فقد كانت النقابة إلى جانب تعاونية صيادي الأسماك في ساحل المتن والكرنتينا وتعاونية صيادي أصحاب المراكب في لبنان قد أصدرت بياناً استباقياً توقعت فيه أن يتسبب الصيادون بأعمال شغب. وقد رأى البيان أنها "غير معنية بأي تحرك على مرفأ برج حمود الدورة للصيادين". وذهبت النقابة الى حدّ اعتبار "كل تحرك ومشاغبات وتسكير للطرقات يعبر فقط عن أشخاص منفردين لا يمثلون إلا أنفسهم". وأردف البيان أن "النقابة والتعاونيتين تسعى جاهدة للحصول على مساعدات وتعويضات من الدولة عبر اجتماعات مع الهيئة العليا للإغاثة وكافة المسؤولين المعنيين".

ما يمكن وصفه من مشاهد مقابل ميناء الصيادين، من لون المياه داكن مع رائحة النفايات القوية، ليس إلا القليل أمام ما يبرزه الصياد طوني عيد من صور على هاتفه الخليوي للأوساخ التي اجتاحت المياه. وهي التي كان قد التقطها من على مركبه أثناء جولته في البحر. وتظهر هذه الصور تجمع مواد بيضاء شكلت طبقات سميكة على سطح المياه. صورة أخرى توثق عملية القضاء على الثروة السمكية ونحر عشرات الأسماك ومنها صغيرة، مجمعة بين الصخور ويحوم حولها نفايات بلاستيك وأكياس نايلون.

صيادو الأسماك قبل غيرهم يستشعرون أهمية الحفاظ على البيئة، أن المسّ بالبيئة يعني الموت.