في سابقة لافتة، أصدرت محكمة صلح نابلس الدائرة الجزائية في الدعوى الجزائية رقم 3525/2016 بتاريخ 14/5/2017 حكماً قضى بإعلان براءة د. عبد الستار توفيق قاسم أستاذ العلوم السياسية والمرشح السابق للرئاسة الفلسطينية من التهم الأربعة المسندة إليه على خلفية انتقاده الشديد للسلطة الفلسطينية فيما يتعلق بالتنسيق الأمني مع دولة الاحتلال. وقد حذر د. قاسم من تنامي التطبيع مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال.

وقد تميز الحكم الصادر عن القاضي محمود الكرم في استناده المكثف إلى المعايير الدولية المتعلقة بالحق في حرية الرأي والتعبير، وتركيزه على توسيع حدود حرية الرأي والتعبير وإشاعة النقد المباح في المسائل المتصلة بالشأن العام. كما تضمن الحكم تأكيداً على حق الشعب الفلسطيني في بسط الرقابة الشعبية على السياسات العامة من خلال توسيع حقه في التعبير عن رأيه والنقد المباح لا سيما في ظل غياب الرقابة البرلمانية بسبب تعطل المجلس التشريعي. وقد ذهب القاضي حدّ الطلب في متن حكمه من القيادة الفلسطينية العمل على إنهاء حالة الانقسام، وإعادة تفعيل دور السلطة التشريعية الغائبة منذ العام 2006.

وتشير الوقائع الثابتة في أوراق الدعوى والمعززة بالبينة التي تطرق لها الحكم إلى أن د. قاسم المتهم في الدعوى قد قال في أحد لقاءاته التلفزيونية: "أن قانون العقوبات الثوري الذي أصدرته منظمة التحرير لا زال ساريا ومطبقا في المحاكم العسكرية، وهو يتضمن نصوصا تعاقب على التقارب مع دولة العدو، وطالب بتطبيقه في مواجهة الجهات الأمنية التي نسب إليها تصريحات بإحباط  200 عملية فدائية فلسطينية ضد الاحتلال". وأشار بالقول إلى أنّ من وقع  اتفاق أوسلو يمارس خطابين، أولهما خطاب تضليلي للشعب الفلسطيني، وثانيهما خطاب آخر للإسرائيليين والأمريكيين، وأنّ الخطاب الموجه للإسرائيليين يؤكد أنّ هناك تعميقاً لعملية التطبيع التي جرت عليها السلطة منذ عام 1988 نحو مزيد من التجاوب مع الإرادة الاسرائيلية. وأشار قاسم إلى أنّ البعض يصر دائما على أن يكون أداة للإرادة الاسرائيلية وللاحتلال الإسرائيلي، وأشار بالقول أيضا أن الرئيس الفلسطيني يخالف القانون الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1979، ويخالف القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية لكون مدة رئيس السلطة لأربع سنوات هو يتجاوز حتى الآن سبع سنوات"، إضافة إلى العديد من الأقوال في ذات السياق وبخطاب حاد ينتقد فيه أداء السلطة الفلسطينية في احترام القانون الأساسي الفلسطيني.

أربعُ تهمٍ في مواجهة حرية الرأي والتعبير

بعد شيوع المقابلة التلفزيونية والتداول الكبير لها في أوساط الشارع الفلسطيني، تقدم مواطن بشكوى للنيابة العامة في مدينة نابلس والتي بدورها قامت بإصدار مذكرة اعتقال للمتهم ووجهت له أربع تهم جنحوية، وهي تباعا تهمة إذاعة أنباء كاذبة تنال من هيبة الدولة (المادة 132/1 من قانون العقوبات) وتهمة إثارة النعرات المذهبية (المادة 150) وتهمة القدح (المادة 193) وتهمة النيل من رئيس الدولة أو نائبه (المادة 132/2). وقد حركت النيابة العامة الدعوى الجزائية  أمام محكمة صلح نابلس الدائرة الجزائية وتقدمت حول هذه الواقعة ببينات عدة في حين أنكر المتهم التهم المسندة له.

انتقاد الشأن العام لا يشكل جريمة إثارة النعرات

في سياق معالجة المحكمة للتهم المسندة للمتهم، وفيما يتعلق بتهمة إثارة النعرات العنصرية،  قالت المحكمة أنها "وباستقراء نص المادة الجرمية وجدت أنها تتعلق بتجريم أي فعل يبعث على إثارة النعرات العنصرية أو المذهبية أو الفتن بين أفراد الأمة، ما من شأنه أن يهدد حالة التعايش بين الطوائف المختلفة أو الإخلال بالنسيج الاجتماعي للمجتمعات التي تعيش حالة من التعدد الطائفي. وبالنظر إلى الواقع الفلسطيني، وجدت المحكمة أن المجتمع الفلسطيني ينتمي إلى طائفة موحدة، ولا يوجد نظام طائفي مبني على التفرقة العنصرية بين مكونات المجتمع، وأن تعدد الأحزاب السياسية لا يعد من قبيل المذهبية أو التعدد الطائفي حتى يصار إلى إعمال هذا النص".

الاستناد المكثف للمعايير الدولية في تعليل الحكم

وفي سياق تعليل المحكمة لحكمها فيما يتعلق بالتهم الثلاث الأخرى، أشارت المحكمة إلى أنه وفي معرض بحثها، فإنه يتوجب على المحكمة الرجوع إلى نص المادة 19 من القانون الاساسي  المعدل لسنة 2003 والتي تنص على أن "لا مساس بحرية الرأي ولكل انسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون". ووجدت أن القانون الأساسي في هذه المادة جاء منسجما مع ما جاء في العهد الدولي في الحقوق الدولية والسياسية في الفقرة الثانية من المادة 19 منه، ومع ما جاء في المادة 32 من الميثاق العربي في حقوق الانسان الذي تم اقراره في مؤتمر القمة العربية المنعقد في تونس بتاريخ 23/5/2004 والساري المفعول منذ عام 2008، ومع ما جاء في المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948. وجميع هذه النصوص جاءت لتؤكد على الحق في حرية التعبير عن الرأي وهو ما أكده أيضا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 144/53 بتاريخ 29/12/1998.

وقد أفرغت المحكمة فهمها لهذه المعايير الدولية من خلال إسقاطها على وقائع الدعوى والواقع التشريعي الفلسطيني. فقد أشارت إلى "أنّ القانون الاساسي الفلسطيني حرص على أن يفرض على السلطة التنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلا بصون الحقوق والحريات العامة على اختلافها وأن تطوير هذه الحقوق والحريات وإنماءها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الامم المتحضرة مطلب أساسي وتوكيد لقيمتها الاجتماعية وتقدير لدورها في مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها. ويتعين بالتالي أن يكون انتقاد العمل العام من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل التعبير وأدواته حقا مكفولا لكل مواطن وأن يتم التمكين لحرية عرض الآراء وتداولها بما يحول كأصل عام دون إعاقتها، و هي حرية يقتضيها النظام الديموقراطي."

ووجت المحكمة أن التفرقة بين الشخص وأفعاله هي التي تحدد دائرة العدوان المجرم ودائرة النقد المباح الذي لا جريمة فيه، وأن ما جاء في تصريحات المتهم وإن كان قد استعمل كثيرا من الشدة ومن قوارص الكلام والمبالغة في التعبير لا تدخل ضمن نطاق الذم والقدح والمساس المجرم، في ظل كون حدود النقد المقبول تكون أكبر عند تطبيقها على السياسيين بالمقارنة مع آحاد الناس. وهو ما استقرت عليه المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان في حكمها الصادر بالقضية المعروفة باسم "لينجنز ضد النمسا".

نقد العاملين في الشأن العام مباح، وإن تضمن انتقاداً حاداً للقائمين بالعمل العام

في تعميق لتحليل المعايير الدولية والنصوص الدستورية الفلسطينية، تضمن الحكم القول بأنّ  "ما يميّز الوثيقة الدستورية ويحدد ملامحها الرئيسية هو أن الحكومة خاضعة لمواطنيها، ومن ثم كان منطقيا بل وأمراً محتوما أن ينحاز القانون الأساسي إلى حرية النقاش والحوار في كل أمر يتصل بالشؤون العامة ولو تضمن انتقادا حاداً للقائمين بالعمل العام. فلا يجوز أن يفرض الصمت ولو كان معززا بالقانون، لأن حوار القوة إهدار لسلطان العقل ولحرية الإبداع والأمل والخيال، وهو في كل حال يولد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن آرائه ويكرس العدوان عليها، بما يهدد في النهاية أمن الوطن واستقراره. فالقانون الأساسي في المادة 19 منه حرص على إبراز الحق في النقد الذاتي والنقد البناء باعتبارهما ضمانين لسلامة البناء الوطني. كما أن هذا القانون أكد من خلال ذلك أن النقد البناء كإحدى صور حرية التعبير عن الرأي هو في تقدير المشرع الدستوري ضرورة لازمة لا يقوم بدونها العمل الوطني سويا على قدميه، وما ذلك إلا لأن الحق في النقد خاصة في جوانبه السياسية يعتبر إسهاما مباشرا في صون نظام الرقابة وضرورة لازمة للسلوك المنضبط في الدول الديموقراطية، وحائلا دون المساس بحرية المواطن في أن يعلم وأن يكون في ظل التنظيم بالغ التعقيد للعمل الحكومي قادرا على النفاذ إلى الحقائق الكاملة المتعلقة بكيفية تصريفه، وهو حق متفرع من الرقابة الشعبية النابعة من يقظة المواطنين المعنيين بالشؤون العامة الحريصين على متابعة جوانبها وتقرير موقفهم منها."

المحكمة تهيب بالقيادة إنهاء حالة الانقسام وتفعيل دور السلطة التشريعية

في إشارة لافتة لدور القاضي في المشاركة والتأثير على مستوى استراتيجيات العمل العام والمؤسسي، وكتطبيق حيّ لنموذج ممكن لأثر التقاضي الاستراتيجي، أشارت المحكمة إلى أهمية الرقابة الشعبية، وطالبت القيادة الفلسطينية بضرورة إنهاء حالة الانقسام وتفعيل دور السلطة التشريعية. وبهذا المعنى، تضمن الحكم أنه "ولا يخفى على أحد ما للرقابة الشعبية من أهمية على الساحة الفلسطينية في ظل كونها الأصل للرقابة التشريعية، وما الأخيرة إلا رقابة شعبية بواسطة ممثلين منتخبين عن الشعب، وأن أهمية الرقابة الشعبية تبرز من خلال الظروف الاستثنائية التي يمر بها الشعب الفلسطيني في ظل حالة الانقسام المرير، وتعطل عمل المجلس التشريعي كجهة للرقابة التشريعية وكضامن للحقوق والحريات العامة كحالة صحية في المجتمع، وصولاً إلى دولة القانون على الطريق لتحقيق حلم تحرير كامل التراب الوطني. ومن هنا، أهابت المحكمة بالقيادة الفلسطينية وفصائل العمل الوطني والأحزاب الفلسطينية لعمل كل ما يلزم في سبيل إنهاء حالة الانقسام و تفعيل دور السلطة التشريعية. وإلى ذلك الحين، لا بد وفق المحكمة من إعطاء هامش أكبر لحرية التعبير "تفعيلا للدور الأصيل للرقابة الشعبية".