بتاريخ 3 آب 2007، صدر مرسوم بعزل القاضي شكري صادر عن رئاسة مجلس شورى الدولة وتعيين القاضي هنري خوري محله. وبمعزل عن بعض الاعتراضات الصادرة هنا وهنالك، كان من اللافت المبررات المتناقضة التي أدلى بها وزير العدل سليم جريصاتي أو التي نُقلت عنه من دون أن يكذبها.

فأول ما تسرب في هذا الشأن هو ما نقلته جريدة الأخبار عن فحوى المداولات الحاصلة داخل مجلس الوزراء. وقد جاء في هذه الصحيفة أن جريصاتي رد على تساؤلات أحد الوزراء بقوله "إن مشكلة صادر أنه يؤخّر بتّ الكثير من الأحكام في مجلس الشورى، وهو ما يعيق سير العدالة". وإذ طالبه الوزراء بالكشف عن هذه المخالفات التي لم يُذكر أي منها في قرار عزله عملا بحقهم بمعرفة أسباب إقالة قاض بهذه الأهمية، امتنع جريصاتي عن تحديد هذه المخالفات بحجة أنه ليس عليه أن يفعل ذلك (الأخبار 4 آب 2017).

وقد اختلف خطاب جريصاتي داخل مجلس الوزراء عن خطابه في العلن فيما بعد، حسبما نستشف من عدد من تصريحاته:

  • الإختلاف الأول تمثل في استبدال خطاب المحاسبة بخطاب المجاملة في مقاربة إقالة صادر. وهذا ما نستشفه من تصريح جريصاتي والذي جاء فيه أن صادر لم يقترف أي مخالفة إنما تم نقله من مجلس شورى الدولة ليصبح رئيسا لغرفة في محكمة التمييز، وهو منصب يوازي المنصب الذي عزل عنه. فكأننا لسنا بصدد عزل قاض يشغل منصبا عاليا إنما بصدد عملية نقل قضائي عادية. وأي عارف بالتنظيم القضائي يعلم كل العلم أن هذا الإعلان هو مجرد مجاملة مجافية للواقع. فعدا أن المنصب الذي أُقيل صادر منه والذي يعادل منصب وزير (باستثناء الصلاحيات السياسية)، هو أعلى من رئاسة غرفة في محكمة التمييز وفق أصول التراتبية القضائية، فإن تعيينه في هذا المنصب الأخير بقرار من السلطة التنفيذية، يبقى معدوما ما لم يقترن بموافقة مجلس القضاء الأعلى (التي لم تحصل قط). وقد بدا جريصاتي وكأنه اضطر إلى اعتماد المجاملة في خطابه العلني (خارج الغرف المغلقة)، لعلمه الأكيد أنه ليس من صلاحياته أن يحسم المخالفات وأن أي استمرار في ادّعاء المخالفات سيعرضه لمسؤولية قانونية وسياسية على حد سواء. فتثبيت المخالفات القضائية في حال وجودها يتم من خلال هيئة التفتيش القضائي وليس باتهامات صادرة من دون إثبات عن وزير العدل.
     
  • الإختلاف الثاني وربما الأهم حصل أمام تصاعد الانتقادات لهذا الموقف، وخصوصا بعدما اتهم وزير الأشغال العامة والنقل يوسف فنيانوس الحكومة بأنها عزلت صادر انتقاما منه. ف  "من لا يمشي مع هذا العهد بطيرو". ونستشف هذا الأمر في البيان الصادر عن المكتب الإعلامي لوزير العدل سليم جريصاتي بتاريخ 4 آب والذي حمل تبريرا جديدا لعملية العزل. فهو لم يحصل على خلفية مخالفات، وهو ليس قراراً عادياً بنقل قاضٍ من منصب إلى منصب مواز، إنما هو أمر فرضته ظروف "موضوعية" تتصل بمنهجية العمل في القضاء الإداري الذي هو قضاء شورى وقضاء حكم في آن واحد. ونقرأ في تتمة البيان مناجاة من وزير العدل لوزير النقل: "ألا تعرف أيها الزميل المحامي السابق أن مجلس شورى الدولة هو أيضا قضاء رقابي، ولماذا لم تهبّ أريحة الإتهام لديك عند إقدام مجلس الوزراء على التعيينات في سائر الإدارات والأجهزة الرقابية". وقد عاد جريصاتي وأكد لل ”أم تي في” بتاريخ 5 آب 2017 هذا الأمر بقوله: "لا أنا ولا الحكومة استقصدنا استهداف القاضي شكري صادر. ما حصل هو بهدف تغيير المنهج داخل القضاء". ونفهم من هذا البيان أن الوزير عزا تبديل رئاسة مجلس شورى الدولة في رغبة العهد في تغيير النهج القضائي، وهو أمر يستلزم كما يظهر من البيان استبدال "صادر" بقاض آخر. ويكشف هذا الأمر عن قناعة لدى وزير العدل بأن للسلطة التنفيذية صلاحية تغيير القضاة ونقلهم لأسباب سياسية، تماما كما تغير العاملين في الإدارات العامة. وقد عادت النشرة القريبة من التيار الوطني الحر ونشرت بتاريخ 5 آب أن أوساط وزير العدل تؤكد أن "مجلس الوزراء له الحق بالتعيين، ولا يمكنه أن يتخلّى أو يتنازل عن هذا الحق لأي سلطة أخرى، كما أنه لا يجب أن يتوقف عن ممارسته وإستعماله".

وانطلاقا من هذه المواقف المتضاربة والمتناقضة، يسجّل المرصد المدني قلقه العميق إزاء الإجراء المتخذ للأسباب الآتية:  

  • أنه يشكل خروجا عن المبادئ التي جسّدها مؤخرا قانون الوصول إلى المعلومات، والتي تفرض على السلطات السياسية والإدارات العامة أن تحيط مجمل قراراتها العامة، وضمنا المراسيم، بأسباب موجبة واضحة وأن تنشر هذه الأسباب الموجبة. ومن هذه الزاوية، تشكل المعلومات والتبريرات المتضاربة والمبطنة والتي اتخذ على أساسها المرسوم خروجا عن هذا المبدأ.
     
  • أنها تشكل خروجا عن المعايير الدولية لاستقلال القضاء والتي تفترض تحصين القضاة إزاء أي عزل أو نقل تعسفي، حتى في الدول التي لا تكرّس مبدأ عدم نقل القاضي إلا برضاه أو لا تكرسه في جميع أبعاده. فلا يجوز اتهام القاضي صادر بارتكابات أو الإيحاء بذلك[1]، من دون تثبيتها بموجب آليات المحاسبة القانونية[2]. كما لا يجوز نقله إلا لأسباب وجيهة ثابتة تبين ضرورة القيام بذلك، وهذا الأمر لم يحصل. أما قول الوزير بوجود معطيات موضوعية مستمدة من نهج العهد من دون توضيحها، فهو يشكل سعيا إلى استغلال شعبية العهد لتظهير إرادته على أنها معطى موضوعي، فيكون موضوعيا أو "الحقيقة" بعينها والتي لا تقبل أيّ جدل كل ما يعبر عن إرادة العهد. وهذا التظهير هو في حقيقته مجرد أسلوب شعبوي قوامه الخلط بين الحقيقة الواقعية وتصروات السلطة الحاكمة.  
     
  • أنها تشكل انتهاكا لمبدأ فصل السلطات وسابقة خطيرة جدا من شأنها أن تزيد من هشاشة القضاء وامكانيات استتباعه. فماذا يبقى من مبدأ فصل السلطات إذا كان بإمكان السلطة التنفيذية أن تنقل القضاة من مراكزهم من دون أي مبرر موضوعي، إلا رغبتها بتعيين قضاة أكثر انسجاما مع إرادتها ورؤيتها لذاتها ونهجها[3]؟ وألا نكون في هذه الحالة في صدد استبدال مبدأ استقلال القضاء بمبدأ انسجام القضاة مع السلطة الحاكمة وتبعيتهم لها؟ والأهم، ألا يتناقض هذا الأمر مع خطاب القسم الذي جاء فيه أن على الحكم تحرير القضاء من التبعية السياسية؟ فكيف يحرر القضاء من هذه التبعية في حال استساغت الحكومة تعيين من تريد بمعزل عن أي معايير موضوعية وعزل من تريد من دون أي مبرر؟ وما يزيد هذه الأسئلة إلحاحا هو تزامن هذا العزل مع اعتكاف القضاة بموافقة مجلس القضاء الأعلى، مما يشكل تهديدا مبطنا لجميع أعضاء هذا المجلس. ولا يعني هذا الكلام تسليما بجدارة المسؤولين القضائيين أو حسن أدائهم. لكنه يعني أن الإصلاح لا يتم من خلال قرارات مشخصنة تنتقص إلى الشفافية، بل على العكس من ذلك تماما من خلال تكريس آليات تشريعية ضامنة لاستقلال القضاء وشفافيته، وتسمح للقضاء بتطوير وتطهير ذاته ضمن مشروع إصلاحي واضح المعالم. ولربما تشكل العريضة التي وقعها أكثر من 350 قاضيا بتاريخ 7  آب 2017 مطالبين بوضع قوانين للسلطة القضائية المستقلة ومن ضمنها انتخاب ممثليهم في الهيئات القضائية، خطوة هامة في بناء القضاء الكفوء والمستقل والعادل. 
     

ختاما، قد يكون خير نقد لما حصل هو ما قاله أحد أعلام القضاء الراحل نسيب طربيه في محاضرته الشهيرة حول التشكيلات القضائية بتاريخ 5 حزيران 1971 في قاعة محكمة التمييز. وقد ورد في هذه المحاضرة التي ما تزال جدّ منتجة رغم انقضاء ما يزيد عن 46 سنة عنها: "كل مرة يتغير رئيس أو تتبدل حكومة، يبدأ الحديث عن تشكيلات في الإدارة والقضاء، كأنما القضاء كالإدارة أداة تنفيذ يجب أن تنسجم مع سياسة كل رئيس وكل حكومة. أظن أنه حان الوقت لنظامنا الديموقراطي وقد جاوز سن الرشد، أن يدرس هذه الحقيقة البديهية اللازمة لطبيعته وهي أن القضاء سلطة لا إدارة. وهي سلطة تتميز عن السلطتين الدستوريتين التنفيذية والتشريعية في أنها لا تتبدل وتتغير ولا تتحزب أو تتسيس، بل تبقى في بناء الدولة الديموقراطية العنصر الأثبت والأكثر استقرارا كي تتمكن من البقاء سورا منيعا يحمي الحريات والحقوق الأساسية التي لا تتأثر في النظام الديموقراطي الصحيح بتقلبات السياسة وتصارع الأحزاب. وعليه لا يجوز- ما لم نستبدل نظامنا السياسي بأحد النظم الكلية- أن يأتي الحاكم إلى الحكم بقضاته كما يأتي بوزرائه ومستشاريه أو حتى بمدرائه وبمحافظيه. لا يجوز ضنا باستقلال القضاء والقضاة وبسمعة النظام الديموقراطي الذي ننتسب إليه أن تربط التشكيلات القضائية بتبدل الوجوه على مسرح السياسة". فعل العهد الحالي يتعّظ.

 

 


[1] Avis no18 du Conseil consultatif de juges européens § VIII-18: La critique sans nuance de la part de responsables politiques est irresponsable et elle représente un sérieux problème. Elle peut saper la confiance du public dans le pouvoir judiciaire et pourrait, dans un cas extrême, correspondre à une attaque contre l'équilibre constitutionnel d'un État démocratique (paragraphe 52). Il faut que les tribunaux et l’ensemble du pouvoir judiciaire débattent des moyens de faire face à ces critiques (paragraphe 53).
[2] Avis no18 du Conseil consultatif de juges européens § 44 : « Les décisions, même déguisées, qui suppriment les garanties fondamentales de l’indépendance de la justice sont inacceptables. Par exemple, une nouvelle majorité parlementaire ou un nouveau gouvernement ne doivent pas remettre en question la nomination ou le mandat de juges ayant déjà été nommés dans les règles. Le mandat des juges ne peut être remis en question que s’il a été dûment établi, au terme d’une procédure judiciaire, que le juge a enfreint des règles disciplinaires ou le droit pénal ».
[3] Avis no18 du Conseil consultatif de juges européens § VIII-4 : La légitimité constitutionnelle des juges individuels qui ont été nommés définitivement ne doit pas être menacée par des mesures prises par le pouvoir législatif ou exécutif résultant de changements au sein du pouvoir politique (paragraphes 13 - 15 et 44).