عقد "الإئتلاف المدني لدعم إستقلال القضاء وشفافيته" مؤتمره الصحفي الأول بتاريخ 8 آب 2017 بحضور كثيف لوسائل الإعلام. ويأتي هذا المؤتمر على هامش الاعتكاف الأطول للقضاة في تاريخ لبنان، والذي أكمل يومه الـ22. ففيما يستمر القضاة بحراكهم الاحتجاجي الصامت بدليل تغيبهم عن المؤتمر عملا بموجب التحفظ، يأخذ الائتلاف على عاتقه مبادرة الكلام والدفاع عن "حق كل مواطن باللجوء إلى قاض كفوء ومستقلّ ومحايد". إذن، ينطلق الائتلاف من واقعة عزل القضاة بتجريدهم من حقهم بالتعبير وإنشاء الجمعيات، ليشرح للرأي العام أحقّية مطالب القضاة، ومدى الحاجة لدعمها بهدف حماية حق كل مواطن بالوصول الى العدالة.

مكمن الخلل

وإنطلاقاً من كون "بناء الدولة لا يستقيم من دون تعزيز إستقلال القضاء"، يؤكد الإئتلاف في بيان تلته المحامية من جمعية عدل ورحمة لينا العيّا، أن "أي تعرض لاستقلال القضاء هو تهديد لحق كلّ مواطن، وبخاصة المواطنين الذين لا نفوذ لهم، باللجوء إلى قاض مستقل وكفوء، وأن أي تدخل يشكل بالمقابل تغليباً لحكم القوة على حكم القانون". لذا فإن مسألة المساس بضمانات إستقلالية القضاء بما فيها المادية "ليست مسألة فئوية تخص القضاة أو كرامتهم وحسب، بل هي مسألة وطنية ودستورية تتصل بجميع المواطنين وحقهم بالكرامة والعدالة والحرية".

إلى ذلك ينتقد البيان مقاربة السلطة السياسية المعتمدة لتبرير الإجراءات المتخذة بحق القضاة. فمراجعة تصريحات السياسيين والنواب تعكس تبريراً مفاده أن "المساس بحقوق القضاة المالية سببه عدم رضاهم عن انتاجية القضاة الذين لا يعملون". ويرد الإتلاف على هذه الحجج، رافضاً "التشخيص السياسي لعوامل هذا الخلل والطريقة المعتمدة لمعالجته. حيث "أن الخلل الأكبر في الأداء القضائي"، وفقاً لبيان الإئتلاف، "يتصل بسوء تنظيم القضاء الذي تبقى السلطات السياسية هي المسؤولة الأولى عنه في ظل القوانين والممارسات الحالية". وتشكل المناقلات القضائية المعلّقة منذ عام 2010 "خير دليل على ذلك"، لا سيما أن سبب تعليقها هي "مساومات القوى السياسية لوضع يدها على المراكز الحساسة في القضاء". وأبعد من ذلك، يذهب الإئتلاف إلى مناقشة مضمون التدبير نفسه " بمعزل عن الجهة المسؤولة عن الخلل". "هل التدابير المتخذة تعالج الخلل أم تفاقمه؟ وفقاً للبيان فإن "معالجة الخلل بتخفيض ضمانات القضاء المالية هو أمر عبثي". ويعود ذلك أولاً الى كون إلغاء صندوق التعاضد "يشكل بطبيعته عقاباً تطول مفاعيله جميع القضاة بمن فيهم القضاة الذين يتفانون في أعمالهم". فيما هذا التدبير "يخلو من أي نية أو مسعى لتحسين الأداء القضائي وتطويره، بل يؤدي إلى نتائج عكسية لذلك تماماً، أي إلى تعميق الخلل داخل القضاء"، سواء لجهة تطهيره من عناصره الأفضل أو لجهة ثني الكفاءات في الجامعات والمهن من دخول القضاء.

الدفاع عن الفئات الهشة

ويتكون الإئتلاف المدني للدفاع عن إستقلالية القضاء من 27 جمعية حقوقية، يشكل القضاء بالنسبة إليها ضمانة أساسية للحقوق والحريات التي تدافع عنها. في هذا الإطار توضح المحامية لينا العيّا من جمعية عدل ورحمة أن "الجمعية في إطار عملها داخل السجون تتعامل مع الطبقة المهمشة وهي الأكثر حاجة لقضاة مستقلين وكفؤين للدفاع عن حقوقهم". بالتالي فإن هذه الفئة "هي الأكثر تضرراً من المساس باستقلالية القضاء وأيضاً من الإعتكاف". إنطلاقاً من تجربة عدل ورحمة، تجد العيّا أن "نسبة عالية من القضاة يتضامنون مع الفئات المهمشة لا سيما عندما يكون المتهمون بعمر الشباب، فهم يمنحونهم فرصة ثانية ويحيلونهم إلى تدابير اجتماعية". هؤلاء القضاة تحديداً "يدركون دورهم الاجتماعي ويتصرفون وفقاً لهذا الدور بهدف الإصلاح". كمثال على ذلك "رأينا في الفترة الأخيرة بعض القضاة بدأوا يزورون السجون للإطلاع على أوضاع الموقوفين في إطار تطبيق قانون تخفيض العقوبات". بالنتيجة "إن الدفاع عن إستقلالية القضاء هو دفاع عن إستمرار هذه الفئة من القضاة بعملهم الضامن للحقوق".

من جهته، يجد علي درويش ممثلاً جمعية الخط الأخضر أنه "بالنسبة للناشطين في مجال الشأن العام والمواطنين جميعاً، إن الإجراءات المتخذة بالنسبة لصندوق التعاضد تهدف لإخضاع القضاة لسطوة السلطة السياسية وجعل القضاة تابعين لها". والحال أنه "كلما انتقص من إستقلالية القضاء، كلما زادت شكوكنا بصحة أحكامه، فلا يعود عندها مرجعاً صالحاً بالنسبة لنا". بالتالي فإن أي تحرك للدفاع عن استقلالية القضاء، هو وفقاً لدرويش، "حاجة أساسية للحفاظ على حد من الثقة تجاه هذه السلطة وتجاه إمكانية تحصين الحقوق والحريات".

تقول رئيسة جمعية كفى عنف وإستغلال زويا روحانا أنها (أي الجمعية) تعنى بالدفاع عن "النساء لا سيما المعنفات، والنساء بشكل عام مستضعفات. فما حال المعنفات منهن؟". تضيف أنه في سياق ملفات عديدة حملتها كفى إلى القضاء، "كان لدينا إستفسارات وعلامات إستفهام حول كيفية معالجة الملفات من قبل القضاء". فعلماً أن روحانا لا تجزم "بحصول تدخلات في هذه الملفات لعدم امتلاكها دليلا حسيا على ذلك". إلا أن "التغاضي عن معطيات أساسية في هذه الملفات تدفعنا لطرح العديد من الأسئلة حول وجود تدخلات". بالإضافة الى ذلك، يشكل هذا الواقع دافعاً للعمل على "دعم إستقلالية القضاء وتحصينه أكثر للحد من الملفات التي تدور حولها شكوك". بالمقابل تؤكد روحانا أن "التجربة التي خاضتها كفى في موضوع "حماية النساء من العنف لا سيما بعد صدور قانون الحماية من العنف الأسري، أبرزت وجود قضاة مهتمين بحماية النساء والدفاع عن حقوقهن، وهو مكسب لا بد من الدفاع عنه من خلال الحرص على إستقلال القضاة".

بيروت مدينتي هي أيضاً شريكة في التحالف، وقد اختارت منذ إنطلاقتها القضاء ساحةً لها لخوض معارك أساسية، لا سيما فيما يتعلق بالمساحات العامة في المدينة. تشرح المحامية نرمين السباعي في هذا المجال، أن لدى "بيروت مدينتي مطالبات عديدة من خلال القضاء، بالتالي فإن إستقلالية القضاء تنعكس إيجاباً على مطالبنا والأحكام التي تصدر تكون عادلة بعيدة عن التدخلات السياسية". من هنا تعتبر سباعي أن بيروت مدينتي بمشاركتها "تدعم أن يكون "القضاة أسياد ملفاتهم". وتضيف: "السبب الأساسي هو الدعوة لتكون الدولة قوية ودولة مؤسسات، ويكون القضاء القوي والحيادي والنزيه إحدى ركائزها الأساسية". بالنتيجة "دعمنا يتجه ليس فقط لبناء دولة المؤسسات، إنما دولة العدالة أيضاً".

بالخلاصة، تظهر مسألة تحصين استقلالية القضاء من وجهة نظر جمعيات حقوقية فاعلة، مسألة جوهرية للتمكن من الدفاع عن حقوق الأفراد. فهذه الجمعيات، سواء التي تقدم الدعم القانوني للأفراد، أو التي أخذت على عاتقها رفع دعاوى للدفاع عن حق عام، كلها تعلق أملها على القضاء لإنصاف الناس أفراداً وجماعات. بالتالي فإن إستمرار السلطة السياسية بالمساس باستقلالية القضاة ونجاحها بذلك يعني خسارة كل منفذ الى العدالة، وهو ما يستدعي الاستمرار بالدفاع عن استقلالية القضاء.