هل تتمكن المرأة المغربية من اقتحام خطة العدالة لتصبح مأذونا شرعيا؟ مناسبة طرح هذا السؤال ما يروج الآن من نقاش حاد في مواقع التواصل الاجتماعي حول أحقية المرأة المغربية في ممارسة مهنة "خطة العدالة"، بعد نشر خبر مفاده استعداد وزارة العدل لتنظيم مباراة مهنة العدول في أكتوبر المقبل مع مشاركة النساء فيها وذلك لأول مرة في تاريخ هذه المهنة التي توصف بأنها ذكورية بامتياز[1].

خطة العدالة آخر قلاع الفكر الذكوري الذي لم تتمكن المرأة المغربية من اقتحامه

خطة العدالة هي مهنة حرة تعتبر من المهن المساعدة للقضاء، وتهتم بتوثيق العقود والمعاملات، ويتم في المغرب التمييز بين التوثيق العدلي، وتخضع أحكامه لمقتضيات قانون 16-03 المتعلق بخطة العدالة، ويستمد مرجعيته من الفقه المالكي، ويهتم التوثيق العدلي بتوثيق عقود الزواج، وملكية العقارات غير المحفظة، والوصايا والهبات وغيرها من العقود والمعاملات ذات الطابع الشرعي. الى جانب التوثيق العصري والذي أحدثه الاستعمار الفرنسي، لتوثيق العقود الواردة على العقارات المحفظة.

واذا كان القانون المنظم لمهنة التوثيق العصري لا يميز بين المرأة والرجل في ممارسة هذه المهنة، فإن الأعراف هي التي أقصت المرأة المغربية من ممارسة مهنة التوثيق العدلي، اذ أن قانون خطة العدالة لا يتضمن أي نص يمنع المرأة من اجتياز مباراة التوظيف لهذه المهنة. الا أنه جرت العادة على استبعاد طلبات المرشحات اعتمادا على تأويل ديني يستمد مرجعيته من تراث فقهي ظل معمولا به طيلة التاريخ الإسلامي، والذي يرفض توثيق النساء للعقود كيفما كان نوعها، بعلة أن شهادة المرأة ناقصة استنادا إلى فهم معين لآية قرآنية كريمة.

آراء متباينة من ولوج المرأة المغربية لخطة العدالة

تستند أغلب الآراء المناهضة لولوج المرأة المغربية لمهنة التوثيق العدلي على التاريخ الاسلامي عامة والمغربي على وجه الخصوص حيث لم يسبق لامرأة –مسلمة-أن تولت هذه المهام عبر التاريخ الطويل. فمهنة خطة العدالة، لا يمكن أن تلجها المرأة، لكونها مرتبطة بالدين والشرع، بالإضافة إلى الأعراف والتقاليد، وهي مهنة صعبة تتطلب من الممارس طاقة ذهنية وجسدية وفكرية، بالإضافة إلى المعرفة بالشرع والقانون والأعراف والعادات، وكلها عوامل لها تأثير كبير على شخصية العدول.

لكن هذه التبريرات لم تصمد اليوم أمام ارتفاع وتيرة الأصوات المطالبة بإنهاء هذا التمييز ضد المرأة الذي أصبح متجاوزا بحكم تطور السياق التاريخي والمجتمعي. فلا يعقل أن تمارس المرأة المغربية مهنة القضاء وهي مهنة مراقبة لمهنة خطة العدالة، وتحرم من ممارسة مهنة التوثيق العدلي، فضلا عن أن القانون المنظم لخطة العدالة لا يتضمن أي نص قانوني يستوجب الذكورة؟ وحتى القوانين المنظمة للمهن القريبة لهذه المهنة، كلها تتشابه في شروط الانخراط مع شروط قانون مهنة العدالة، وليس فيها تنصيص على الأنوثة، بل كلها جاءت بصيغة المذكر. ومع ذلك فيمكن عمليا أن يلجها الذكور والإناث على حد سواء (الموثقة، المحامية، المفوضة القضائية، الناسخة، الخبيرة، المترجمة...) إلا مهنة العدالة. فهي الاستثناء الشاذ من جميع هذه القوانين[2]. أما ضرورة الإلمام بالشرع والقانون والأعراف فيمكن تحقيقه عن طريق الاهتمام بالتكوين الجيد وبفتح مباراة التوظيف أمام الكفاءات الموجودة دون تمييز قائم على أساس النوع الاجتماعي.

مباراة ولوج خطة العدالة هل تنه التمييز ضد المرأة المغربية؟

خلال شهر تشرين الأول القادم تنظم وزارة العدل مباراة لولوج خطة العدالة. وبحسب عدد من المنابر الاعلامية التي تداولت الخبر، فإن الوزارة تدرس جميع الاحتمالات التي قد تعوق إدماج المرأة في خطة العدالة، بما في ذلك إمكانية الحصول على رأي المجلس العلمي الأعلى وهو الجهة الرسمية المكلفة بالفتوى الدينية في المغرب.

ويمارس مهنة العدول في المغرب أزيد من 4000 شخص، جميعهم رجال. غير أن الخطوة الأخيرة بفتح أبواب المهنة أمام النساء، تثير سجالا وردود فعل رافضة، خاصة في الأوساط السلفية وحتى من بعض العدول أنفسهم، فيما تصر المترشحات للامتحان التنافسي على التشبث بحقهن في المناصفة.

 


[1]- لمزيد من التفاصيل يمكن الدخول على الروابط التالية التي نشرت الخبر: وزارة العدل تفتح باب مهنة العدول أمام النساء - تليكسبريس // مراكش الاخبارية |وزارة العدل تفتح أبواب مهنة العدول في وجه النساء // أخيراً .. نساء المغرب بإمكانهن أن يصبحن “عدُولات” وهـذه هي الشروط ... // آخر خبر akherkhabar.ma _ لأول مرة في تاريخ مهنة العدول... ... // تأنيث "مهنة العدولبالمغرب .. استنكار سلفيين وانقسام مِهَنيين // مهنيون يلجؤون إلى الشارع أمام تأنيث "مهنة العدولبالمغرب
[2]- حول مختلف الآراء المساندة والمعارضة لممارسة المرأة لخطة العدالة، أنظر: رشيدة أحفوض: هل يمكن للمرأة أن تتولى مهمة التوثيق العدلي؟، مقالة منشورة بجريدة الأخبار، العدد 1326، بتاريخ 10 مارس 2017.