أثار  القرار الصادر عن المحكمة الدستورية بالمغرب  بتاريخ 27-07-2017 بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية[1] عددا من النقاشات القانونية. كما سيكون لهذا القرار تأثير واقعي على مؤسسة المجلس والقضاة كأفراد، وذلك لكون هذا القرار لم يحسم بالبت في دستورية النظام الداخلي للمجلس ومطابقته للقانون التنظيمي رقم 100-13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية من عدمها. فقد قررت المحكمة الدستورية في توجهها المفاجئ والنادر[2]، تعذر البت في النظام الداخلي على الحالة التي أعده بها المجلس وأرسله إلى المحكمة الدستورية. فما هي إذن أهم الاشكالات التي يثيرها قرار المحكمة الدستورية هذا؟ وقبل ذلك نقوم بتلخيص وقائع هذا القرار .

ملخص قرار المحكمة الدستورية

قضت المحكمة الدستورية من خلال منطوق  القرار المشار إليه أعلاه، بتعذر البت في مطابقة النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية للدستور وللقانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة على الحالة، والأمر برفع قرارها إلى علم الملك، و بتبليغ نسخة من القرار إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبنشره في الجريدة الرسمية .

وقد استندت المحكمة في قرارها  على ما يأتي:

  • إن المادة 49 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية[3] لم تحدد الجهة المبادرة لاقتراح النظام الداخلي، وضوابط جلسة التصويت عليه والأغلبية المتطلبة لإقراره وتعديله، وأن مشروع النظام الداخلي في مادته 72 لم يُفَصل في هذه الامور واكتفى بنقل مضمون المادة 49 من القانون التنظيمي فقط.
     
  • إن القواعد العامة المتعلقة بسير المجلس كما هي محددة في المادتين 58 و 59 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لا يمكن أن تطبق على إجراءات وضع النظام الداخلي أو تعديله إلا في حالة التنصيص على ذلك صراحة ضمن مقتضيات هذا الأخير[4]  .

 

ثانيا: الإشكالات التي يثيرها قرار المحكمة الدستورية

أثار قرار المحكمة الدستورية عددا من الإشكالات والتساؤلات القانونية والواقعية، يمكن إجمالها فيما يلي:

  • إن أول التساؤلات مرتبط باختصاص المحكمة الدستورية نفسه. فهل يحق لها أن ترفض البت في الأنظمة الداخلية للمؤسسات الدستورية المحالة عليها تطبيقا للقانون أم أن اختصاصها يبقى محددا في التصريح بالمطابقة للدستور وللقوانين التنظيمية التي تهم تلك المؤسسات  أو عدم المطابقة دون أن يمتد اختصاصها إلى رفض البت.

الواقع أن ظاهر نصوص الدستور والقانون التنظيمي رقم 13/66 المنظم للمحكمة الدستورية[5]، هو أن اختصاصها يبقى محدودا في البت بالمطابقة للدستور وللقوانين التنظيمية من عدمها وفق المفصل قبله.

  • أن قرار المحكمة الدستورية استثنى إجراءات وضع النظام الداخلي وتعديله من القواعد العامة المتعلقة بسير المجلس كما هي محددة في المادتين 58 و59 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلا في حالة التنصيص على ذلك صراحة ضمن مقتضيات هذا النظام الداخلي، دون أن يبين الأساس القانوني الذي اعتمده في هذا الاستثناء. فالمقتضيات المرتبطة بانعقاد اجتماعات المجلس وكذا النصاب المعتمد في التصويت داخل هذه الاجتماعات، تعتبر في نظرنا مقتضيات عامة تسري على جميع المقررات التي يتخذها المجلس كيف كانت، بما فيها كيفية وضع نظامه الداخلي وكيفية تعديله أيضا، بحيث إن اعتماد نصاب آخر مختلف عن النصاب المحدد بالمادة 58 من القانون التنظيمي يعتبر مخالفا للقانون المذكور. وعليه، إن عدم إشارة النظام المحال للنصاب المتطلب لاقراره وتعديله  يجعله خاضعا للنصاب المحدد في القانون التنظيمي من غير حاجة للإشارة إلى ذلك في صلب مواده.  
  • ويتفرع عن هذا الإشكال الأخير إشكال آخر يتعلق بفرضية اختيار المجلس لنصاب آخر يخالف النصاب المحدد في المادة 58 من القانون التنظيمي. فهل ستقضي المحكمة الدستورية إذ ذاك بمطابقة النظام الداخلي للقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية أم أنها ستعتبره مخالفا له ؟
  • إن قرار المحكمة الدستورية أوجد إشكالا قانونيا آخر يتعلق بالمدة المحددة لكل من المجلس الذي له ثلاثة أشهر من أجل إعداد نظامه الداخلي وللمحكمة الدستورية التي لها أجل شهر من أجل البت في مدى دستوريته ومطابقته للقانونين التنظيمين من عدمه. فكلا المؤسستين الآن (المحكمة والمجلس) أصبحتا في حل من المدد المشار اليها قبله، ما دام أن هناك فراغا قانونيا يتعلق بهذه النقطة.
  • إن قرار المحكمة الدستورية بهذا الشكل المبين أعلاه (المقصود رفض البت على الحالة)، سوف يترتب عنه ضرر يتمثل في زيادة التأخر الحاصل أصلا في  الانطلاقة الكاملة للمؤسسة المجلس الاعلى للسلطة القضائية التي عليها عدة رهانات كبرى من طرف المجتمع والقضاة، لكون سير المجلس متوقفاً على هذا النظام من أجل تثبيت هياكله الإدارية والتنظيمية والمالية. كما أن وضعية القضاة مرتبطة في جانب كبير منها بصدور هذا النظام.

ويكفي أن نشير هنا إلى أنه منذ أن علق المجلس الأعلى للقضاء السابق البت في وضعية القضاة سنة 2015 والقضاة ينتظرون ترقياتهم التي وصلوها بعد عدة سنوات من الانتظار فضلا عن المناقلات. كما أن ملف التأديبات معلق هو الآخر، إذ كان المجلس السابق في السنوات الاخيرة يكتفي فقط بالبت في الضروري من الوضعيات القضائية كما هو حال التمديدات بعد وصول بعض القضاة لسن التقاعد القانوني.

  • من الإشكالات الأخرى المهمة المرتبطة بقرار المحكمة الدستورية، مخالفة هذه الاخيرة لتوجهات المجلس الدستوري السابق عند بته أنظمة داخلية لمؤسسات دستورية مشابهة دون تعليل وتبرير هذه المخالفة. فقد سبق للمجلس الدستوري أن أقر نفس الاجراءات المتبعة لاقرار النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي  على سبيل المثال[6]، وهو ما من شأنه أن يضر بمبدأ "الأمن القضائي".

 


[1] - صدر هذا القرار تحت عدد 31-17 م.د وتاريخ 27-07-2017 وللاطلاع عليه كاملا يراجع الموقع الالكتروني للمحكمة الدستورية على الرابط الآتي: http://www.cour-
[2] - حسب اطلاعي فإن هذا التوجه استعمله المجلس الدستوري السابق بمناسبة بته في النظام الداخلي لمجلس المستشارين بعد اقرار  دستور 2011، في قراره عدد 928/13 م د  وتاريخ 14-11-2013 راجع القرار بكامله  في موقع المحكمة الدستورية على الرابط الآتي: http://www.cour-constitutionnelle.ma/ar/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-2013928
[3] - تنص المادة 49 على ما يلي :" يضع المجلس نظامه الداخلي، ويحيله قبل الشروع في تطبيقه إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته لأحكام الدستور وأحكام هذا القانون التنظيمي، وكذا أحكام القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة. ينشر النظام الداخلي للمجلس بالجريدة الرسمية. يخضع كل تعديل للنظام الداخلي لنفس الإجراء المتبع في وضعه".
[4] - تنص المادتان 58 و 59 على ما يلي :" المادة 58 :  يجتمع المجلس بصفة صحيحة بحضور أربعة عشر (14) عضوا على الأقل؛ وإذا تعذر توفر النصاب المذكور يؤجل الاجتماع إلى تاريخ لاحق. وفي هذه الحالة، يعتبر الاجتماع صحيحا بحضور عشرة (10) أعضاء على الأقل. مع مراعاة مقتضيات المواد 17 و18 و19 و48 أعلاه، يمارس المجلس اختصاصاته، ويصدر مقرراته، وفق نصاب لا يحتسب فيه الأعضاء الذين لم يتم بعد انتخابهم أو تعيينهم، على ألا يقل عدد الحاضرين عن عشرة (10) أعضاء. يتخذ المجلس مقرراته بأغلبية الأعضاء الحاضرين، وفي حالة تعادل الأصوات يعتبر صوت الرئيس مرجحا. يمكن لكل عضو أن يطلب تسجيل رأيه المخالف بخصوص المقررات التي يتخذها المجلس". "المادة 59 : لا يحق لأي عضو بالمجلس أن يحضر مناقشة القضايا المتعلقة به أو بأحد الأزواج أو الأصهار أو الأقارب إلى الدرجة الرابعة. يصرح العضو المعنى للمجلس بكل تنازع للمصالح من شأنه التأثير على المقررات المزمع اتخاذها".
[5] - للاطلاع على هذا القانون يراجع الموقع الالكتروني للمحكمة الدستورية على الرابط الآتي:   http://www.cour-constitutionnelle.ma/sites/default/files/documents/loi-organique_066.13_ar.pdf
[6] - انظر على سبيل المثال قرار المجلس الدستوري عدد 11-811 م ،د  وتاريخ 4 ماي 2011 متاح في موقعه الالكتروني على الرابط الآتي : http://www.cour-constitutionnelle.ma/ar/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-11811 تاريخ الاطلاع هو 28-07-2017