بتاريخ 8/3/2017 والذي يصادف يوم المرأة العالمي، أقر مجلس الوزراء اللبناني مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة الدولة لشؤون المرأة والذي يرمي إلى معاقبة جريمة التحرش الجنسي. وقد اعتبر وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسبيان يومها، أن هذا الأمر يشكل إنجازاً وهدية للمرأة اللبنانية في يومها العالمي، علماً أن ما جرى في جلسة 19/1/2017 من موافقة للنواب على اقتراح القانون المعجل المكرر المقدم من قبل النائب غسان مخيبر، ثم تراجع عنها لم يكن مبشراً بالخير رغم فرح الوزير بإنجاز وزارته.

وبعد أن نشرنا في مقابلة سابقة شهدات لضحايا التحرش سنعرض في هذا المقال  مقابلات مع كل من النائب غسان مخيبر والمستشار القانوني  لوزير الدولة لشؤون المرأة وليد النقيب

مخيبر: مجلس النواب مع القانون

بتاريخ 10/5/2017، أجرينا مقابلة مع النائب غسان مخيبر لنعرف ما هو مصير اقتراحه في ظل المجريات الحاصلة. فأكد أن "الموضوع ما زال على جدول أعمال الهيئة العامة، إنما أُمهلت الحكومة بعض الوقت، لتأتي بمشروع متكامل، لأنه وقتها (أي خلال جلسة مجلس النواب المذكورة في مقدمة هذا المقال) اعتبر النواب أنه لا يجب التسرع، وصياغة نص "على الواقف" حتى ولو أُعطينا بعض الوقت لمناقشة بعض النقاط".

وأوضح أنه "لايزال اقتراح القانون المقدم منه حول التحرش الجنسي على جدول أعمال الهيئة العامة". ورأى أنه "من أهمية المقاربة للمجلس أنه قبل أن يناقش الاقتراح بصيغة المعجل المكرر وبالتالي هذه خطوة إيجابية، في حين أن هناك قوانين عدة أخرى رُفضت لعدم ارتباطها بمصلحة وبعجلة". وعن مجريات ما بعد الجلسة قال: "عندما أعطيت الحكومة المهلة، تمّ العمل على مشروع قانون ويبدو أنه أنجز".

إذا الآن بات هناك مشروعان حول التحرش الجنسي مشروع القانون واقتراح القانون، وعنهما أضاف مخيبر: "اقترحت على الوزير أوغاسبيان أن نقوم بدمج النصين، لأن ذلك يسمح لنا بالعودة إلى الهيئة العامة بنص موحد ويبقى معجلاً مكرراً وتبقى إمكانية إقراره بالهيئة العامة قائمة. لأنه إذا أراد أن يصل بصيغة مشروع مقدم من قبل الحكومة، سوف يتم تحويله إلى اللجان وعندها لا نعود نعرف متى سيعود الى الهيئة العامة".

ورداً على سؤال إن تم وضع آليات محددة لتثبيت واقعة التحرش (وهو ما علق عليه بعض النواب داخل جلسة الهيئة العامة) أجاب بأن "المسألة لا تحتاج إلى آليات محددة، وإنما يتم تثبيتها مثل أي جريمة أخرى، ويعود للقضاء أن يتأكد من الوقائع الجرمية لها".

وأوضح مخيبر أنه: "من الأخطاء الشائعة القول أن اقتراح القانون الذي تقدمت به مقتصر على البعد الجزائي لأنه يتضمن بالإضافة إلى البعد الجزائي، أحكاما تتعلق بقانون العمل، والوظيفة العامة، وأدوات للوقاية من التحرش عبر إلزام الإدارات العامة والشركات وتضمين أنظمتها الداخلية للموظفين أحكاما تتعلق بالوقاية من التحرش ومعاقبته. وبالتالي اقتراحي يتضمن كل هذه الجوانب ولا يقتصر على البعد الجزائي، وإنما بالدرجة الأولى بالإمكان التوجه إلى مجالس العمل التحكيمية حيث تحصل الضحية على تعويض على أساس أن هذا التصرف يدخل ضمن الخطأ الفادح الذي يسمح للموظف إذا قرر أن يترك عمله، أن يطالب صاحب العمل بعطل وضرر".

وبسؤالٍ إن تطرق اقتراحه إلى التحرش المعنوي بالموظف/ة ردّ بالإيجاب وقال: "نعم إنه يتضمن ذلك، والتعريف الذي يتضمنه اقتراحي  واسع جداً. (يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبالغرامة من ضعفي إلى عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور، كل من أقدم بشكل صادم أو ملحّ أو متكرر على فرض أقوال أو أفعال أو إيحاءات ذات طابع جنسي أو ذات طابع عنصري، على شخص دون رضاه أو من دون إيحاء بالترحيب، فأدى ذلك إلى الاعتداء على كرامته إما بسبب طبيعتها أو ظروفها المهنية أو الضاغطة أو المحرجة، تتوقف الملاحقة على شكوى المتضرر). وعليه، فإن الأقوال تشمل كل الأقوال وبالإمكان أن تكون شفهية أو مكتوبة، والاعتداء على كرامته" تعبير بإمكانه أن يغطي ما يمكن أن يشار إليه بـ المعنوي إذ ليس بالضرورة أن تكون هناك ملامسة أو اعتداء جسدي. الجرم بتعريفه كامل وهو قريب جدا من الصياغة الفرنسية".

وأكد أن "اقتراح القانون، يشمل جميع الأشخاص ومن ضمنهم العاملات المنزليات، المرتبطين بوظيفة، أجانب أم لبنانيين. وقد ذكر الاقتراح أن العقوبة تشدد إذا وقع جرم التحرش الجنسي على شخص في وضع تابع اجتماعياً أو اقتصادياً أو مهنياً أو وظيفياً، في هذه الحالات يستثنى توجب انتفاء الرضى".

ورأى مخيبر أن "الأمل كبير في أن يتم إقرار هذا الاقتراح فالجو العام داخل المجلس هو "مع". حتى خلال الجلسة الأخيرة وعلى الرغم من التساؤلات التي أقرت، قناعتي إذا جاء نص موحد إلى الهيئة العامة سوف يصوّت عليه ويقرّ".

النقيب: التحرش لا تتم معالجته بمادة واحدة  

وفي مقابلة أجريناها بتاريخ 18/5/2017 مع المستشار القانوني لوزير الدولة لشؤون المرأة وليد النقيب أوضح أن النص المطروح من قبل الوزير أوغاسبيان  ليس موجها ضد النص المقدم من النائب مخيبر وإنما هو محاولة لتقديم "مشروع يكون غير قابل للطعن وأنه يستحيل أن يتم الدمج بين النصين، فالاقتراح المعجل المكرر يكون بمادة واحدة، ولا يمكن أن نحشر كل الأمور بهذه المادة".  

النقيب تحدث عن مشروع القانون الذي تقدم به الوزير أوغاسبيان، لافتاً إلى أنه "يختص فقط بالتحرش الجنسي، أما الإساءة العنصرية التي تناولها مخيبر في اقتراحه  فتحتاج إلى نص متكامل يرعى هذه الجريمة".

وعن مراحل إعداد القانون تحدث النقيب معتبراً أن "مشروع القانون لدينا يركز على ثلاث نقاط هي: أولاً قانون العمل، ثانياً قانون العقوبات، وثالثاً من المعروف أنه لا يمكن ملاحقة الموظفين قبل الحصول على إذن. وقلنا في المشروع أننا لسنا بحاجة إلى أخذ إذن الإدارة لملاحقة الموظف. لأنه أحيانا التحرش الجنسي لا يكون لأغراض جنسية وإنما تنفيذاً لرغبة شخص آخر، فماذا لو كان هذا الشخص هو أعلى منه أو من يفترض أن نحصل منه على الإذن عندئذ لن نتمكن من ذلك".

وأكدّ أن "الاقتراح يشمل فكرة اللجوء إلى مجالس العمل التحكيمية، التي مهمتها أن تنظر في النزاعات التي تنشأ عن كافة أشكال عقد العمل. فصلاحيات مجالس العمل لا حاجة لأن يتم ذكرها فهي تحصيل حاصل". كما أنه "لا داعٍ لتفسير المقصود من كلمة "الأجير" لأن التعريف مذكور في قانون العمل وهذا المشروع سوف يصبح جزءاً منه".

ولفتت إلى أن المشروع المقدم يبدأ بجملة "يضاف إلى الباب الأول من قانون العمل الصادر بتاريخ 23/9/1946 الفصل الجديد التالي: الفصل الرابع مكرر في التحرش الجنسي" وبالتالي عندما يقرّ المشروع سوف يكون المادة كذا/49 من قانون العمل الخ... وأنه "تم إرساله الى مجلس الخدمة المدنية ووزارة العمل ووزارة الدفاع ووضعت الصياغة النهائية بعد الأخذ بكافة الملاحظات التي وضعوها، في محاولة لتطويره".

وبسؤال إن كان هناك تحديد لشروط التقدم بشكوى عن التحرش، أجاب: "إن التحرش يكون إما من خلال الكلام، أو الكتابة أو أية وسيلة من وسائل الاتصال واستخدام كل ما يحمل دلالات جنسية وينال من كرامة الضحية، أو ينشأ تجاهها أوضاع عدائية أو مهينة. كما تعتبر كافة أنواع الضغوط ومنها التهديد سواء بإقامة علاقة جنسية مع الفاعل أو مع الغير".

وبسؤاله عما قدمناه من رواية في بداية المقال، اعتبر أن "التحرش من خلال اللمس هي جريمة أخرى، أكبر بكثير من مجرد التحرش (harcèlement) وتصل إلى حدود محاولة الاغتصاب. فالتحرش الملحوظ في المشروع أو ـharcèlement يكون، إما عن طريق الكلام وإما عن طريق الكتابة أو "التلطيش" بشكل متكرر. هذا هو التعريف المعتمد بكافة التشريعات".  

بحسب مشروع القانون، فإن العقوبة التأديبية لجريمة التحرش الجنسي قد تصل إلى درجة الصرف من الخدمة. لكن ماذا لو كان صاحب العمل هو المتحرش، كيف يتم التعامل معه؟ عن ذلك أجاب متسائلاً: "إن كان هو صاحب العمل فهل نغلق له الشركة؟ على الأقل يتم التوجه إلى الجزاء. لكن على افتراض أنه ليس الرقم 1 في الشركة، من الرقم 2 ونزولاً بالإمكان وضعه خارج الشركة. أما في حالته، فالعقوبة الوحيدة التي بالإمكان القيام بها إما إدخاله إلى السجن وإما تصفية الشركة، وهذه ولا تشريع دخل بها".

أما عن فكرة لجوء الضحية إلى مجالس العمل التحكيمية سأل: "ماذا تريد الضحية أن تفعل هناك؟" مضيفاً: "القانون يقول أن أحداً ليس بإمكانه أن يفعل له شيئا كأن يتم طرده. وفي حال تعرض للطرد نتيجة التشكي، عندها يتوجه إلى مجالس العمل ويخبرهم بالقصة ويقول لهم أن الإجراء باطل. لذا عند إثبات واقعة التحرش يأخذ مجلس العمل قراره بأن الطرد باطل. فمجلس العمل يحتاج نحو الأربع سنوات ليصدر قراره عندها ماذا أكون قد فعلت؟".

وردّاً على إذا كان مشروع القانون يلحظ التحرش المعنوي، أجاب: "في كل قوانين العالم التحرش الجنسي شيء والتحرش المعنوي شيء آخر، ونحن سنعمل على قانون حول التحرش المعنوي، وأيضاً لجريمة الإساءة العنصرية فكل واحدة من هذه الجرائم أفعالها المادية مختلفة عن الأخرى وكذلك الدافع الجرمي لها".

تعد العاملات المنزليات من أبرز ضحايا التحرش الجنسي وهن غير مشمولات بقانون العمل اللبناني، وعن وضعهن بالقانون قال: "إن قانون العقوبات يحميهن". وعن ضمان حقهن، رأى أن "هذا ملف قائم بحد ذاته، فهن لا يملكن أية حماية قانونية بلبنان لأن قانون العمل استثناهم من حمايته". وربما أصعب ما قد تواجهه العاملة المنزلية هو إثبات واقعة أنها تعرضت للتحرش إذ إن أحداً من أفراد المنزل لن يقف في صفها. وبسؤاله عن كيفية إثبات الفعل لتدافع عن حقها أجاب:  "لا أعرف. أعتقد أن العنف الممارس على العاملات المنزليات يتخطى harcèlement اليوم العاملة ليس أمامها سوى قانون العقوبات ومثل أي جريمة تحصل يتمّ إثباتها".

وبسؤاله عما ينتظر المشروع الآن أجاب: "أن المشروع بات لدى مجلس النواب ولا يعرف إذا تمت إحالته الى اللجان. وهو بإنتظار الأصول والإجراءات البرلمانية".

إذا بين مشروع القانون واقتراح القانون، تبقى قضية وضع حدٍ للتحرش الجنسي عالقة بانتظار أن يصل الموضوع مجددا إلى جدول أعمال الهيئة العامة.