بتاريخ 20/1/2017 نشرت المفكرة القانونية مقالاً يلخص كيف تعاطى مجلس النواب مع مناقشة "اقتراح القانون المعجل المكرر الرامي الى تجريم التحرش الجنسي والإساءة العنصرية "المقدم من النائب غسان مخيبر والذي قوبل بمواقف ساخرة من قبل نواب عدة، خلال مناقشان الهيئة العامة للمجلس النيابي بتاريخ 19/1/2017. وقد عادت المفكرة القانونية ونشرت في عددها الـ48 مقالاً تحليلياً بشأن مشروعي القانون المطروحين حالياً بشأن التحرش الجنسي: أي مشروع قانون وزارة الدولة لشؤون المرأة ومشروع القانون المقدم من النائب غسان مخيبر المذكور أعلاه. ونروي في هذا المقال روايات لنساء أودعن المفكرة قصصهن مع التحرش، لننشر غدا مقالا آخر حول آخر تفاصيل التشريع وارتباكاته.

رواية مريم مع التحرش
من أهم الروايات التي تلقيناها عن التحرش في أماكن العمل، رواية "مريم" وهو اسم مستعار لسيدة ثلاثينية رفضت ذكر اسمها ومكان عملها والمنطقة التي تعيش فيها خوفاً من معرفة هويتها لأنها وبحسب ما تقول "أضعف من أن تتحمل أن تشير أصابع الاتهام إليها". بتأثرٍ واضح تجلس مريم مربكة لا تعرف من أين تبدأ روايتها وكيف بإمكانها أن توجز تفاصيل لا تزال تعيش معها في كل لحظة من حياتها بالرغم من مرور زمن عليها. تشيح بنظرها بعيداً خوفاً من المواجهة ثم تبدأ بسرد قصتها قائلةً: "كنت في الواحدة والعشرين من عمري عندما قررت العمل لأعيل أسرتي وأكمل تحصيلي العلمي. كنت بريئة جداً، "ما باس تمي إلا أمي" كما يقول المثل، علاقتي بالرجال كانت محصورة في اعتبارين: من يماثلني بالعمر هو رفيق أو صديق ومن يكبرني هو بمثابة أخ كبير أو أناديه بكلمة "عمو". . كان صاحب العمل الذي عملت لديه رجلاً سبعينياً. وكان يعرف عدداً من أفراد أسرتي، لا سيما المرحوم جدي الذي كنت أحبه وهو كان شبيهاً به، ما جعلني أشعر بعاطفة كبيرة تجاهه وكأن جدي بعث مجدداً إلى الحياة. مضت عدة أشهر من العمل لديه وفي أحد الأيام طلبني لاجتماع وكان يحصل ذلك بشكل دائم، فدخلت وجلست على الكرسي أمامه. تحدثنا عن العمل ثم التفت إلى يساره وأخرج من الدرج قنينة عطر باهظة الثمن وقدمها لي. سألته عن السبب، فأخبرني أنه اعتاد أن يحضر الهدايا للموظفين عندما يسافر، ففرحت كثيراً وشكرته ثم خرجت. في اليوم التالي، طلبني إلى اجتماع جديد، فاستغربت إذ لم يمضِِ وقت على العمل الذي كلفني به. حضرت إلى مكتبه حيث رمى في حضني رزمة من النقود لم أر مثلها من قبل. شعرت بالصدمة، فسألته ’ما هذا؟‘ أجاب أنها لي، مضيفاً أنني أعجبته كثيراً ويريد إمضاء الوقت معي. لم أصدق ما سمعته أذني. انهارت صورة الجد بنظري وتبخرت العاطفة، وأجبته ’لماذا أنا؟ ما الذي فعلته؟‘ فأجاب أنه رجل كبير في السن ويحتاج إلى من يسليه وأنه مستعد لمساعدتي في كل ما أحتاجه. أجبته أنني لا أريد سوى العمل بكرامة وأن اجني المال بعرق جبيني. حاولت الدفاع عن نفسي بالقول أنني لم أعرف رجلاً من قبل وأنني ما زلت عذراء. لم يقتنع بكلامي وتركني أمام خيارين: إما أن أقبل وعندها أحظى بدعمه في العمل بحيث لن يسمح لأحد من الموظفين بانتقاد أدائي؛ أو أن أرفض وعندها لن يتوانى عن طردي في حال استياء أحد من سلوكي. أرجعت له المال وقبلت بالشرط الثاني لأنني كنت أثق بنفسي وسلوكي وأدائي. عندها قال لي ’اذاً انسي ما قلته لك ومن الآن وصاعداً أنتِ بمثابة إبنة لي‘. تنفست الصعداء وعدت إلى مكتبي شاعرة بالنصر. بعد شهرين من الزمن أجبرت على أن آخذ قرضا من البنك لدفع قسط جامعتي، وطبعاً أخذت ورقة براتبي من العمل ممهورة بتوقيع صاحب العمل، وماهي إلا أيام على استلامي القرض حتى وجدته يتصل بي ويطلب مني أن أوافيه إلى منزله للمناقشة في موضوع له علاقة بالعمل. ترددت طبعاً، لكنه قال لي أن جميع الموظفين يفعلون ذلك وأن في المنزل هناك زوجته والعاملة لديه، فوافقت على مضض. عندما وصلت إلى منزله فوجئت بأنه كان ينتظرني وحيداً. دخلت وجلست على الكنبة في غرفة الجلوس فجاء وجلس قربي، وبدأ يسألني عن حياتي الخاصة: عن عائلتي وعن عدد أفرادها وعمّاذا يعملون وعن مدخولنا الشهري كأسرة. ثم اقترب مني وقال لي أنه يريد أن يساعدني لأنني بمثابة ابنة له، ثم وضع يده على فخذي فأزحتها، إلا أنه أعادها مرة أخرى ثم قال لي أنه لن يؤذيني بتاتاً وأن جل ما يريده أن يمرر يده على رجلي فوق البنطال وذهب يسألني عن القرض الذي أخذته، ثم أخذ يرفع يده إلى ما بين فخذي ويمررها فأحسست بشعورٍ غريب لم أشعر به من قبل. فسألني بوقاحة "كم مرة بتجيبي ظهرك؟" لم أفهم ما سأله إذ لم أسمع هذه العبارة من قبل، فلم أستطع أن أجيبه. وكل ما شعرت به في تلك اللحظة، أنني أفقد السيطرة على نفسي وخلال ثوانٍ كان يمسك بثديي من فوق الملابس، ويطبق فمه على شفتيّ. دفعته عني بكل قوتي وهرعت هاربة. في اليوم التالي، ذهبت إلى العمل وأنا أعاني من حالة اضطراب يصحبها القرف والاشمئزاز. كان صاحب العمل قد طلب من السكرتيرة أن تطلبني فور وصولي، فحضرت أمامه كالضحية التي تساق نحو جلادها. أخبرني أن ما جرى سيبقى سراً بيني وبينه، وطلب مني الاقتراب منه، ففعلت فوضع أصبعين له بين فخذيّ وسألني إن كنت أريد منه أن يجعلني أشعر بما شعرت به في منزله، فأجبته بأنني سأفضحه، حينها أخرج من درجه مسدساً وضعه في رأسي وأخبرني أنه إن فتحت فمي فهو بإمكانه أن يسكتني دون أن يطاله أحد لأن لديه علاقاته الواسعة. ثم طلب مني أن أحدد موعداً آخر آتي إليه فيه مجدداً أو أغادر العمل نهائياً. وجدت نفسي مرغمة على أن أعده بزيارة. بالمقابل وعدني أن جل ما يريده هو تقبيلي قليلاً وأنه لا يريد إيذائي لأنّي مثل ابنته. حاولت المماطلة لاحقاً في تحديد موعد آخر، استمرت المماطلة قرابة العام اخترعت خلالها حججاً جمة تارة بالجامعة وأخرى بالعمل، وتحول كل اجتماع لي معه فرصة له للتعبير عن رغباته تجاهي إلى أن مضى أكثر من عام وبت ملزمة بأن أرضخ وفي الوقت نفسه كنت أحاول البحث عن عمل جديد دون جدوى. أخيراً وجدتني أذهب إلى منزله. كان اتفاقنا أنّ جل ما يريده أن يقبلني لكن عندما ذهبت إليه وجدته يستقبلني بسرواله الداخلي ثم ما لبث أن خلعه أمامي وطلب مني أن أمسك عضوه التناسلي وألعب فيه. كانت المرة الأولى التي أرى فيها مشهداً مقرفاً كهذا ولم أكن أعرف ماذا أفعل. ثم وجدته يأمرني أن أخلع بنطالي وأقترب منه ففعلت، ثم طلب أن أخلع سروالي الداخلي فرفضت فشدني إليه من سروالي ثم دفع بي نحو السرير أنزل سروالي الداخلي رغم مقاومتي له وأدخل أصبعه في داخلي. شعرت بتلك اللحظة بألم عظيم ولست أدري إن كان وجعاً ناتجاً عن الموقف المذل الذي وقعت به أو لأن فعله الشنيع هو مؤلم حقاً. صرخت من ألمي ورحت أبكي، أما هو فقال بصدمة كبيرة "أنت فعلاً عذراء"، ثم قبّل فرجي مراراً وقال لي "ما رح ائذيكي ابداً.. بس أنت من هاللحظة ملكي ورح تضلي ملكي لحد ما تتزوجي". نهضت وأنا أبكي. ارتديت بنطالي وغادرت منزله وأنا أبكي بحرقة. سرت طويلاً بالشارع في طريق عودتي إلى منزلي بكيت كثيراً. وشعرت يومها بأن عالمي كله انهار أمامي، كرهته وكرهت نفسي، كرهت أهلي لأن المثاليات التي ربيت عليها ضاعت في بحر الواقع. لم أعد إلى منزله مرة أخرى فعاقبني بأن خفض راتبي كثيراً على نحو بات 100 دولاراً أميركياً في الشهر. في ذلك الوقت، وجدت عملاً آخر، فسرعان ما هربت من المكان الذي كنت أعمل فيه. مرت أعوام على حادثتي، وقد تذكرتها في تفاصيلها مجدداً عندما قرأت أن نواب الأمة يهزؤون من قانون التحرش الجنسي في البرلمان. اليوم قد يُقال أنه كان بإمكاني أن أشتكي عليه. ولكن لم يكن لدي دليل. ففي ذلك الوقت، لم يكن هناك الإمكانيات الإلكترونية المتاحة اليوم. لم أكن أحمل هاتفاً ذكياً يصور ويسجل والأهم أنني كنت أخاف من المسدس الذي وضعه في رأسي دون تردد. لم أعد أرى هذا الوحش ولا أسمع أخباره منذ مغادرتي للعمل لديه رغم أنه يحاول أن يتصل بي من وقت لآخر لكنني لا أرد عليه. لكنني لا زلت أعيش الدمار الذي ألحقه بي لا سيما في حياتي العاطفية والجنسية التي باتت مدمرة كلياً. فأنا أعجز عن إقامة علاقة طبيعية مع أي رجل حتى لو كنت أحبه وأثق به. كما لا أسمح لأحد أن يقترب مني أو أن يلمسني.

قصة "مريم" ليست فريدة من نوعها. فالتحرش الجنسي متفش وهو غالباً ما قد يتبلور من دون أن يصل إلى درجة التعدي الجسدي كما حصل مع "مريم"، ولكنه بالرغم من ذلك يؤدي إلى مستويات عالية من الأذى على الضحية.

قصة ندى
عندما تناولت المفكرة القانونية موضوع قانون التحرش والمواد التي تتضمنه، جاءتنا "ندى" (اسم مستعار) مستفسرة إذا كان مشروع القانون يشمل التحرش اللفظي، راوية لنا ما حدث معها. "قدمت استقالتي منذ فترة من العمل"، تؤكد ندى "لأن صاحب العمل الذي كنت أعمل لديه كان متحرشاً. هو متقدم بالعمر (نحو 73 عاماً)، وجدته  يتحرش بزميلتي لفظياً أمام الملأ، ثم تحول نحوي "وراح يسمعني حكي". كان يقول لنا دائماً "أنا متل أبوكم" وتحرشه لم يكن مباشراً لكنه على سبيل المثال كان يأتي إلي ويتحدث عن زميلتي ويقول :"أنا بس شوف وحدة عم تنصح لازم نبهها، لأن أنا متل أبوكم وبعتبركم ولادي" مضيفاً دون صلة مباشرة "كثرة ممارسة الجنسية بتنصح"، ومن هذا النموذج أشكال. فكثرت الإيحاءات الجنسية وتكررت بحيث أصبحت تتخلل الحديث اليومي معه. لم أعد أحتمل وسرعان ما قدمت استقالتي من العمل".

قصة جيهان
تجد "جيهان" (اسم مستعار) أن ما يحصل معها في العمل هو شيء بسيط أمام ما تسمعه من حوادث. تعرضت للتحرش عدة مرات في عملها لكنها لم تستقِل إذ أنها بحاجة أن تعيل ابنتها، لا سيما أنها مطلقة وتعيلها دون مساعدة من أحد. "في أحد الأيام دخل صاحب العمل إلى مكتبي واقترب مني متذرعاً بالحديث عن العمل ثم راح يضع يده على شعري فأزحتها ثلاث مرات، من ثم وضعها على كتفي عندها دفعته بقوة بعيداً عني". "لم يتكرر الأمر على صعيد اللمس الجسدي - ربما لأنني وضعت له حدوداً – لكنه الآن كلما يدخل إلى غرفتي يسمعني كلاماً مثل "رفعي إجريكي بترتاحي وبتنبسطي"، و"إنت فيكي تستغلي جمالك هيك" وهلم جرا مع إيحاءات جنسية مستمرة. يطلب مني زملائي ألا أكبّر الموضوع إذ أن الرجل متقدم في العمر ولديه أحفاد، هذا فضلاً عن حاجتي الملحة للعمل لإعالة أسرتي. والى حين "الله يفرجها ولاقي شغل" اتخذت قراراً بأن أغلق باب غرفتي عندما يأتي وأصبر إلى حين الفرج".