تقدمت الحكومة التونسية بتاريخ 27-07-2016 بمشروع القانون الأساسي للقضاء على العنف ضد المرأة وكان ضمن نصه فصلٌ يُعيد صياغة الفصل 227 مكرر من المجلة الجزائية التونسية. ويتميز النص المقترح عن نظيره الجاري به العمل بأمرين: أولهما، أنه لا يعفي مغتصب القاصرة من العقوبة في حال زواجه منها وثانيهما أنه يحدد كأجل لبداية سريان سقوط الدعوى العمومية بمرور الزمن بلوغ المغتصبة سنّ الرشد. ودفع قرار قاضي الأسرة بالمحكمة الابتدائية بسليانة نهاية سنة 2016 تزويج قاصرة لم تتم ربيعها الرابع عشر بمغتصبها[1] الحكومة لأن تعود في ذات الموضوع للمجلس التشريعي وتتقدم بتاريخ 26-01-2017 بمشروع القانون عـــدد 1 لسنة 2017 والذي تضمن فصلا وحيدا ينص على إنهاء العمل بالزواج من المغتصبة كسبب للإعفاء من العقاب.

بررت الحكومة التكرار في مشاريع قوانينها بحاجتها لاستعجال النظر في المسألة التفصيلية في مواجهة ما عاينته من تعطل نظر مشروع قانونها ذي المقاربة الشمولية. رفض في المقابل أعضاء لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب الذين تعهدوا بالنظر في مشروعي القوانين منهجية العمل الحكومي وتمسكوا بضرورة نظر القانون الأصلي وبحتمية سحب الحكومة مقترحها الثاني ترشيدا للجهد التشريعي.

لم يستقر موقف اللجنة النيابية طويلا. فقد كشف تقريرها النهائي المتعلق بمشروع القانون الأساسي للقضاء على العنف ضد المرأة حذفها الفصل 227 مكرر من نصه بدعوى الحاجة فيما تعلق به "لحوار مجتمعي واسع ليكون قانونا يخدم توازن المجتمع في إطار ثوابت دستور 2014". وهو حوار اقترحت أن يكون في "إطار آخر ضمن المبادرة التشريعية الخاصة به"[2] أي مشروع القانون الخاص الذي اقتصر على تعديل هذا الفصل. فكان أن استغلت اللجنة مشروع قانون قدمته الحكومة بحثا عن حل سريع لمسألة اجتماعية ملحة، لإرجاء النظر فيها وإبطائها. وقد ورد موقفها هذا رغم أن وزير العدل تعهد أمامها بسحب مشروع القانون الخاص على أساس أنها كانت عبرت عن نيتها في درسه ضمن إطاره العام.

ويستدعي قرار لجنة الحقوق والحريات موقفا من الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب التي ستتعهد بنظر مشروع القانون بداية من يوم 21-07-2017 لتعارضه أولا مع آليات العمل النيابي ولكون مضمونه يؤثر سلبا على المقاربة الشمولية لمشروع قانون القضاء على العنف ضد المرأة ثانيا.

اعتداء على صلاحية الجلسة العامة وخرق للنظام الداخلي لمجلس نواب الشعب

أسند الفصل 88 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب للجان البرلمانية القارة صلاحية "دراسة ما يحيله عليها مكتب المجلس من مشاريع ومقترحات قوانين"[3]. وبيّنت الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين بموجب قرارها عدد 2/2015 بتاريخ 08-06-2015 أن ممارسة هذا الدور لا يجب أن ينتهي لإدخال تعديلات جوهرية على مشاريع القوانين تمس باختيارات جهة المبادرة التشريعية ويتعين أن يقتصر مداها على التعديلات والتحويرات التي تقتضيها موجبات الصياغة أو ضرورة الملاءمة الدستورية فقط[4]. واقتضى الفصل 121 من ذات النظام الداخلي في سياق متصل "أنه لا يصح شكلا تقديم مقترح تعديل عند نظر مشروع قانون بالجلسة العامة في حذف فصل".

ويستخلص مما سلف أن قرار لجنة الحقوق والحريات يخرق في مضمونه الدستور، لكونه يتعسف على إرادة صاحب المبادرة التشريعية أي الحكومة. كما أنه تدخل انتهى لحذف فصل كامل من مشروع قانون في حين أن النظام الداخلي يحجر ذلك على النواب بالجلسة العامة بما يفترض تحجيره على من كانوا دونهم سلطة على نص مشاريع القوانين.

حذف غير مبرر لفصل هام من شأنه إفساد تناسق السياسة العقابية

تربط النصوص الجزائية النافذة استمرار المتابعة الجزائية في حق مرتكبي العنف الأسري بعدم صدور إسقاط من المجني عليه. كما تجيز إيقاف الملاحقات في حق مغتصبي القاصرات -ما يصطلح عليه محليا بالمواقعة بالتراضي لقاصرة – متى تم الزواج بين الجاني والضحية.

 يهدف في المقابل مشروع قانون القضاء على العنف ضد المرأة كما ورد بالفصل الأول منه "إلى القضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة القائم على التمييز بين الجنسين من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية، وذلك بإتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكاله بالوقاية وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهم"[5]. وعليه، يكون مشروع القانون الجديد نقيضا للقانون الجاري العمل به في فلسفته.

ويؤدي بالتالي قيام لجنة الحقوق والحريات بحذف جزء من الأحكام الجزائية من مشروع القانون متى تم إقراره من الجلسة العامة إلى تضارب خطير في السياسة الجزائية التونسية فيما تعلق بالعنف ضد المرأة، لأنه سيسمح باستمرار الإفلات من العقاب في قضايا العنف.

ويتعين لكل ما ذكر أن تتراجع لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب عن حذف الفصل 227 مكرر من مشروع قانون القضاء على العنف ضد المرأة، لكون هذا الحذف يخرق القواعد الدستورية والقانونية علاوة على إضراره بانسجام أحكام مشروع قانون طال انتظاره.

 


[1] المفكرة القانونية، لأبيض لا يغطي الاغتصاب ولا الطفولة – 19-01-2017 موقع المفكرة القانونية                                                                                   
[2] تقرير لجنة الحقوق والحريات صفحة 54                                                                                                                                                   
[3] ينص الفصل 88 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب على أنه "تتولى كل لجنة قارة دراسة ما يحيله عليها مكتب المجلس من مشاريع أو مقترحات قوانين ومواضيع تدخل في نطاق اختصاصها كما تنظر في المسائل التي قررت الجلسة العامة إحالتها عليها "
[4] قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 02/2015 بتاريخ 8 جوان 2015 يتعلق بمشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء
[5] نص الفصل كما عدلته لجنة الحقوق والحريات و أحالته للجلسة العامة لمجلس نواب الشعب