منذ بداية شهر تموز 2017، وفي إثر المداهمات الحاصلة في منطقة عرسال، يتطور خطاب شديد الدلالة والخطورة على حد سواء.

هذا الخطاب تمثل بداية في رفض أي تشكيك بالجيش ولا سيما تبعا لوفاة أربعة أشخاص تمّ احتجازهم أثناء المداهمات، تحت شعار أنّ "الجيش خطّ  أحمر". وعليه، جوبهت المطالب بإجراء تحقيق في وفاة هؤلاء بعنف شديد على وسائل التواصل الاجتماعي وفي عدد من وسائل الإعلام. وقد صُوّرت على أنها بالضرورة موجهة ضد الجيش بهدف النيل من سمعته، من دون أن يترك أي مجال لافتراض حسن النية.

ولكن خطورة الخطاب بلغت أوجّها تبعا للدعوة إلى اعتصام دعما للاجئين السوريين والصادرة عن المنتدى الاشتراكي، والتي سرعان ما لحقها دعوات لاعتصام في الوقت نفسه لدعم الجيش اللبناني. وما عزز من خطورة هذا الخطاب التبسيطي هو طابعه الترهيبي والقمعي: فإما أن تكون وطنيا "شريفا" (التعبير استخدم بكثرة في وسائل التواصل) وتدعم جيشك من دون أي سؤال، وإما أن تدعم "اللاجئين السوريين" الذين جلبوا لك الإرهاب والمشاكل الاقتصادية والسياسية (بعدما قمعوك في التسعينيات وبداية الألفية الثلاثة)، فتكون متآمرا أو خائنا أو بأحسن الأحوال تافها من جماعة المثاليات وحقوق الإنسان.

وتبعا لذلك، انزلقت الأمور إلى درك لا يصمد أمام أي نقاش جدي، وقوامه أن ثمة تناقضا حتميا بين دعم الجيش ودعم اللاجئين السوريين، وأنه على جميع اللبنانيين الداعمين لجيشهم أن يعلنوا رفضهم لحق اللجوء وحقوق اللاجئين على أرضه، ليصبح المجال مفتوحا أمام خطاب المزايدة والحقد، وصولا إلى منع السوريين من التجول أو العمل على ترحيلهم فورا. ومن الأمثلة الفاضحة على ذلك، ما عبر عنه "إعلان هام جدا" تم تداوله بشكل واسع دعا "اللبنانيين الشرفاء للقيام بواجبهم الوطني بمنع التجول للسوريين يوم الثلاثاء واعتبار ترحيل أي سوري متجول متظاهرا ضد الجيش" وكأنما دعم اللاجئين أو الدفاع عنهم أو فقط رفض التمييز الحاصل ضدهم يعدّ إخلالا بالشرف.

ويكتسي هذا الخطاب خطورة ثلاثية:

فهو أولاً، يطلق يد الجيش على نحو يجعل أي محاسبة للأخطاء التي قد يرتكبها أمرا شبه مستحيل: فإما أن تكون معه في المطلق أو تعتبر ضده مهما كنت حريصا فعليا عليه،

وهو ثانياً، يؤدي إلى ترهيب الناشطين وحرية التعبير وسط صمت إعلامي مهيب، كما حصل مع المنتدى الاشتراكي، والذي يتعرض ناشطوه بالأسماء لحملة تشهير بشعة تتناقض مع الحد الأدنى من الحسّ الديمقراطي،

وهو ثالثاً وهو الأخطر، يجعل التعارض حتميا بين سيادة الدولة وجيشها والتزامها بالمنظومة الحقوقية والقيم الإنسانية، وفي مقدمته حق اللجوء ومنع التمييز والكراهية. وهو أمر ينعكس سلبا على مستقبل لبنان المتعدد برمته.       

وأمام هذا الإنزلاق الخطير في الخطاب، وإذ تتضامن المفكرة مع ناشطي المنتدى الاشتراكي ومع حقهم الكامل بالتعبير وتحذر من مغبة التمادي في ترهيبهم، وإذ تبدي في الوقت نفسه أشد الحرص على مجمل مؤسسات الدولة وفي طليعتها مؤسسة الجيش، فإنها تستعيد البيان الذي كانت أصدرته في بداية 2015 ووقعته آنذاك 17 منظمة لبنانية وسورية، بهدف عقلنة النقاش والسياسات العامة في مجال اللجوء السوري. وكان البيان انبنى على ثابتين يدحضان هذا التناقض المفتعل وغير المقبول:

  • الأول، الإلتزام بسيادة لبنان وحق الدولة اللبنانية في تنظيم شؤونها الداخلية وحماية أمنها على نحو يحفظ مصالح مواطنيها وجميع المقيمين فيها، على أن تُمارس هذه السيادة طبعاً ضمن احترام الحقوق والمبادئ التي أرساها لبنان والتزم بها بموجب دستوره والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمواثيق الدولية والتي باتت جزءاً لا يتجزأ من هذا الدستور
     
  •  الثاني، الإلتزام بحق كل إنسان باللجوء إلى بلدٍ آمن وفق المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك انطلاقاً من عدم تعارض حق اللجوء مع مفهوم سيادة الدولة، خصوصاً أن مواطنين لبنانيين كثيرين قد خبروا محنة اللجوء في مراحل عدة من مسارات حياتهم، وليس من مصلحتهم اليوم أن ينكروا هذا الحق على أحد.

من شأن العودة إلى هذين الثابتين أن يحرر الخطاب العام من انزلاقته الأخيرة، وأن يؤسس لسياسات مبنية على المنطق والعقل والعدالة، تكون فيها سيادة لبنان مكونا أساسيا من انسانيته، وليس نقيضا لقيمها.