أحالت الحكومة المغربية بتاريخ 04-07-2017[1] على مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي) مشروع قانون "يتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة". وقد احتوى مشروع القانون المذكور على عشر مواد فقط. بالإضافة إلى الأحكام العامة، تناول اختصاصات رئاسة النيابة العامة وتنظيم رئاسة النيابة العامة فضلا عن أحكام ختامية[2]. وقبل التعليق على هذا المشروع، لا بد أن نتحدث بداية عن السياقات التي جاء فيها.

مشروع مستعجل لتمكين النيابة العامة

جاء مشروع القانون المتعلق بالنيابة العامة أعلاه، بعد النقاشات الحادة التي عرفها وضع النيابة العامة على ضوء أحكام دستور 2011. وقد ظهر اتجاهان:

  • الأول حكومي وتشريعي مؤيدا ببعض الأكاديميين يرى أن الدستور لم يحسم في مسألة استقلال النيابة العام وبالتالي وجب أن تظل تابعة للسلطة التنفيذية ضمانا لمحاسبتها من طرف البرلمان.
     
  • الثاني، وهو قضائي عبرت عنه الجمعيات المهنية وبعض المسؤولين القضائيين ودعمته فاعليات حقوقية وأكاديمون. وقوامه أن نظام النيابة العامة في الدستور المغربي نظام قضائي على خلاف ما هو عليه الحال في العديد من الدول الأخرى، وأن يتعين إذا الإعتراف باستقلاليته عن السلطة التنفيذية وأن هناك عدة وسائل لضمان محاسبة عملها.
     

وقد انتصر التشريع للإتجاه الثاني بمقتضى القانون التنظيمي رقم 106-13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة[3]. وتبعا لذلك، بدأ التفكير في  كيفية اشتغال مؤسسة النيابة العامة التي أسندت رئاستها الى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. ويشار إلى أن دور هذا الأخير كان فيما مضى محدودا داخل محكمة النقض كمحكمة قانون، ولم تكن له علاقة بالوكلاء العامين ووكلاء الملك في مختلف محاكم المغرب ولا بالسياسة الجنائية أو متابعة ممارسة الدعوى العمومية في المحاكم. وفضلا عن ارتباط هؤلاء إداريا بوزارة العدل عن طريق مديرية الشؤون الجنائية والعفو، فقد كان لهذه الوزارة بحكم انتمائها للسلطة التنفيذية ولأغلبية حكومية وبرلمانية الوسائل المادية اللازمة للإشتغال، وهو الامر الذي لا يتوفر عليه الوكيل العام  ولا يستطيع أن يصل ويحصل على شئ من هذه الوسائل ما لم يكن هناك نص قانوني يحدد ذلك بدقة. وكان يؤمل تجاوز هذه الوضعية من خلال مشروع القانون رقم 15-38 المتعلق بالتنظيم القضائي الذي نص على توفر رئاسة النيابة العامة "على بنية هيكلية لمساعدتها في ممارسة مهامها يحدد تنظيمها الداخلي وكيفية سيرها بمرسوم يتخذ باقتراح من رئيس النيابة العامة"[4]. لكن قانون التنظيم القضائي المذكور لم تتم المصادقة عليه في الولاية السابقة للبرلمان وبقي عالقا في مجلس المستشارين بعد المصادقة عليه بمجلس النواب. ومع قرب انتهاء الفترة الانتقالية المحددة في ستة أشهر من تاريخ دخول القوانين التنظيمية حيز التنفيذ الحاصل فعليا بتاريخ 07-04-2017 أي يوم تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تم التعجيل في وضع هذا المشروع الناظم لعمل النيابة العامة بشكل منفصل عن النصوص المتصلة بتنظيم القضاء عموما. وهذا ما سنعمد إلى تقييمه أدناه.

أي ضوابط للتسلسلية؟

يمكن تقديم أهم الملاحظات على مشروع قانون رئاسة النيابة العامة المذكور أعلاه، فيما يأتي:

  • قُدّم هذا القانون من طرف الحكومة بشكل مفاجئ وتم تمريره بسرعة للبرلمان الذي شرع في مناقشته. ويرجّح أن يتم التصويت عليه وإقراره قبل انتهاء الدورة البرلمانية نهاية شهر الجاري، وهو أمر غير معتاد. فقد جرى العمل على نشر مسودات القانونين من طرف الوزارات المعنية بها إذا كان الأمر يتعلق بمشاريع القوانين وطرحها للنقاش العام قبل أن تصبح مشاريع بشكل رسمي وهو ما حصل مع قوانين السلطة القضائية ومشروع التنظيم القضائي ومشروع تعديل القانون الجنائي. ومن هذه الزاوية، شكل طرح المشروع على هذا الوجه خروجاً عن مبدأ المقاربة التشاركية في إعداده وهو المبدأ المنصوص عليه دستوريا كما هو معلوم،
     
  • إن مشروع القانون جاء مقتضبا جدا رغم أهمية الموضوع الذي ينظمه، بحيث اقتصر على 10 مواد فقط. والحال أنه كان ينبغي أن يكون أكثر تفصيلا فيما يتعلق باختصاصات رئيس  النيابة العامة وخاصة الادارية منها وتفصيل مفهوم الرئاسة التسلسلية لأعضاء النيابة العامة التي ينص عليها الدستور[5] وكيفية ممارسة التعليمات الكتابية،
     
  • أنه لم يتمّ توضيح دور الوكيل العام في ممارسة الدعوى العمومية وحدوده. وهذا الأمر يوحي انطلاقا من الصياغة المستعملة في المادة الثانية من المشروع بأن له صلاحية مطلقة في تسير الدعوى العمومية بدءا من الامر بالمتابعة وعدمها وممارسة الطعون في ملفات معينة وامكانية إعطاء الامر بعدم ممارسة الطعون. والحال أن الامر يقتضي أن يكون تدخل رئاسة النيابة العامة عن طريق الإشراف وبشكل عام دون أن يمتد الأمر إلى الحلول محل أعضاء النيابة العامة في المحاكم. فحتى صلاحية وزير العدل في المراحل السابقة كانت من الناحية القانونية مقيدة فقط في الأمر بالمتابعة دون أن تمتد صلاحية الوزير إلى الأمر بعدم المتابعة  وفق ما تنص عليه المادة 51 من قانون المسطرة الجنانية. وحصر الصلاحية على هذا الوجه إنما يتماشى مع بعض المعايير الدولية مثل توصيات مجلس أوروبا رقم 19 لسنة 2000 بشأن دور النيابة العامة في نظام العدالة الجنائية: فيجب أن لا يُقيد عمل النيابة العامة عندما يتعلق الأمر بملاحقة المسؤولين العموميين قانونيا عن الجرائم المرتكبة ولا سيما جرائم الفساد واستغلال النفوذ والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان.
     
  • لا يتضمن مشروع القانون المذكور أي مقتضيات  تهم الرفع من شفافية عمل رئاسة النيابة العامة وسبل أن تكون اجراءاتها علنية من خلال توجيهاتها العامة، وذلك ضمانا لمراقبتها من طرف الرأي العام.
     
  • خرق مشروع القانون المذكور القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي منحه الدستور وحده البت في وضعيات القضاة الفردية، وذلك عندما نصت المادة الثالثة منه على أن اقتراح أو تعيين أحد قضاة النيابة العامة المدعوين لشغل لجنة أو هيئة يتم من طرف الوكيل العام للملك، وهو تطاول غير مبرر على اختصاصات المجلس الذي يبقى الوكيل العام أحد أعضائه وله أن يبدي رأيه داخله.
     

ويبقى أن أهم إيجابيات القانون هو تنظيمه للبنية الهيكلية الادارية بشكل جدي مع اقتراح تمكن رئاسة النيابة العامة للموارد المالية اللازمة لسير عملها ومنح الوكيل العام صفة الآمر بالصرف وهي وسائل من شأنها أن تساعد في إداء مهام النيابة العامة على أحسن وجه.

 


[1] - أنظر  الموقع الالكتروني الرسمي للبرلمان المغربي على الرابط الآتي : http://www.chambredesrepresentants.ma/ar تاريخ التصفح هو 15-07-2017.
[2] - انظر نص مشروع القانون رقم 33-17  المرفق(...)
[3] -المادة 25 من القانون المذكور.
[4] - يراجع نص مشروع  قانون التنظيم القضائي في الموقع  الالكتروني لوزارة العدل المغربية : http://www.justice.gov.ma/lg-1/documents/doccat-4.aspx  تاريخ التصفح هو 14-07-2017 .
[5] - نص الفصل  110من الدستور في فقرته الاخيرة  على  ما يلي :" ..كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها".