بتاريخ 20 حزيران 2017، صدر المرسوم رقم 916 بشأن التعويضات الشهرية المستحقة لقضاة المجلس العدلي وموظفيه. ويُشار إلى أن هذا المرسوم هدف إلى تعديل التعويضات الشهرية المحددة في المرسوم السابق له رقم 7715 والصادر بتاريخ 23 كانون الأول 1995[1]. ومن أهم التعديلات التي تضمنها المرسوم، الآتية:
 

  • بخصوص القضاة العاملين في المجلس العدلي، رفع المرسوم التعويضات العائدة لهم حوالي 200% بالنسبة إلى رئيس مجلس العدلي (وهو نفسه رئيس مجلس القضاء الأعلى) والنائب العام (التمييزي) والمستشارين في المجلس وقضاة التحقيق العدليين. وعليه، ارتفعت التعويضات بالنسبة إلى الأول من 500000 ل.ل إلى 1.500.000 ل.ل، وبالنسبة إلى المراكز الأخرى من 350000 ل.ل إلى مليون ل.ل. ومن اللافت أيضا أن المرسوم استحدث مراكز مستحقة لتعويضات وهي نائب رئيس المجلس العدلي والمحامي العام والتي تحددت ب1000000 ل.ل.
  • بخصوص المساعدين القضائيين، فقد تم رفع التعويض المستحق له من  135000إلى 190.000 ل.ل. أي بنسبة تقارب 40%،
     

وهذا المرسوم يستدعي الملاحظات الآتية:

  • من اللافت أولا الفارق الكبير بين نسبة الزيادة الطارئة على تعويضات القضاة والزيادة الطارئة على تعويضات المساعدين القضائيين والذي بلغ 5 أضعاف. وأمام هذا الفارق، نستنتج أن زيادة التعويضات ليست مبررة بالتضخم الحاصل منذ 1995 بل برغبة سياسية واضحة بزيادة تعويضات ملحوظة للقضاة العاملين في المجلس العدلي، وهي إرادة سياسية لم تشمل المساعدين القضائيين،
     
  • أن المرسوم رقم 916/2017 أدى إلى زيادة رواتب قضاة يشغلون عموما أعلى المراكز القضائية في وقت تتجه فيه الإرادة السياسية المعلنة إلى حجب أي زيادة على سلسلة رتب ورواتب القضاة، كما يتحصل من ردود الأفعال النيابية على مطالبة القضاة بهذه الزيادة. وعدا عن أن هذا الأمر يؤدي إلى إيجاد حالة تناقض في المصالح بين القضاة الكبار وسائر القضاة، فإنه يشكل رسالة بليغة بتفضيل القضاء الاستثنائي على المحاكم العادية.
     
  • أن المراكز المستحدثة تخصّ قضاة يعملون بالإنابة، أي فقط في حال تعذر على القضاة الأصيلين إشغال مناصبهم أو امتنعوا عن ذلك. فالرئيس بالإنابة (وهو عضو المجلس المعين الأعلى رتبة) يحل محل رئيس المجلس فقط في حال تعذر على هذا الأخير "أن يترأس هيئة المجلس..." (مادة 358 قانون أصول المحاكمات الجزائية). وهذا ما يحصل حالياً في غالبية القضايا، بحيث يمتنع رئيس المجلس عن ترؤس جلساته. الأمر نفسه يطبق على المركز المستحدث الثاني الذي يخص المحامي العام. فالمادة 357 من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصت في فقرتها الأخيرة أن "يمثل النيابة العامة لدى المجلس العدلي النائب العام التمييزي أو من ينيبه عنه من معاونيه." واللافت في هذا الصدد أن التعويضات المذكورة في المرسوم ستسدّد للأصيل وللقاضي الذي حل محله في أي من المركزين المذكورين، بمعزل عن الجهود التي بذلها كل من هؤلاء. بهذا المعنى، أن لا يترأس رئيس المجلس العدلي (الأصيل) أيا من جلساته، لا يمنعه قطعا عن قبض كامل تعويضه الشهري. وعليه، يكون وضع هذا الأخير سيان سواء عمل في المجلس أم لم يعمل. الأمر نفسه بالنسبة إلى النائب العام التمييزي الذي يكون له فضلا عن ذلك، صلاحية تمكين أي من المحامين العامين العاملين معه من قبض مبالغ إضافية من خلال تكليفهم بأعمال في إطار المجلس العدلي. وهذا الأمر سيفتح أمامه باباً لإغداق منفعة على من يرضى عليه من معاونيه وحرمان من لا يرضى عليه منها.
     
  • أن التعويضات تعطى لأصحاب المراكز المحددة في المرسوم من دون أن يكون عليهم أن يثبتوا قيامهم بأي جهد خلال الفترة المذكورة. وهذا الأمر ينطبق على رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام التمييزي والمستشارين، ولكن أيضا على قضاة التحقيق العدليين المعينين في القضايا المحالة إلى المجلس العدلي والذين يتقاضون التعويضات الشهرية من دون أن يقدموا أي اثبات بحصول أي جلسة أو إجراء في القضايا التي يحققون فيها. وهذا الأمر تزداد قابليته للنقد إذا عرفنا أن العديد من القضايا متوقفة منذ سنوات ويحتمل أن تستمر متوقفة خلال العديد من السنوات القادمة.
     

وعدا عن أن هذا الأمر يكبّد الخزنة العامة مبالغ طائلة تسدد لبعض القضاة من دون أن يثبتوا قيامهم بأي جهد، فإنه يؤدي إلى تمييز هؤلاء عن زملائهم بما يمسّ بمبدأ المساواة بين القضاة. ولإدراك مدى خطورة الأمر، تقتضي الإشارة إلى أن القضاة العدليين يعينون بقرار من وزير عدل وبموافقة مجلس القضاء الأعلى، مما يعطي هذين المرجعين هامشا واسعا للتمييز بين القضاة ولتنفيع البعض وحرمان البعض الآخر. وتجدر الإشارة إلى أن طريقة التعيين هذه تتناقض مع مرسوم تحديد التعويضات الشهرية المعطاة لرؤساء مجالس العمل التحكيمية وأعضائه ومفوضي الحكومة المعنيين لدى هذه المجالس، بحيث أن هذا المرسوم ربط بوضوح قيمة التعويضات المستحقة بعدد جلسات المجلس (100.000[2] ل.ل. عن كل جلسة على أن لا يتعدى عدد الجلسات خمس جلسات شهرياً).

أما وأن المرسوم لم يفعل ذلك، فإنه سيؤدي إلى إنشاء مزراب تنهدر منه الأموال من دون أي تطوير في إنتاج القضاء.

 


[1] المرسوم رقم 7715 الصادر بتاريخ 23 قانون الأول 1995 "إعطاء تعويض شهري إلى قضاة وموظفي المجلس العدلي"
[2] المادة الأولى من المرسوم رقم 1415 تاريخ 4/2/2015