في إطار سلسلة الأحكام القضائية التى تجسد حقيقة الدور الاجتماعي للقاضي الإداري، أصدرت المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الأولى – موضوع) حكما بتاريخ 1 يولية 2017  يلزم الحكومة باعتماد معيار البطالة كأحد معايير استحقاق مساعدات الضمان الاجتماعي. وهو ما يعنى تفعيل الحق الدستورى للعاطلين عن العمل فى الحصول على "معاش البطالة" المقرر فى عدة دول.        

صدر الحكم فى الطعن رقم 54916 لسنة 62 قضائية عليا من الدائرة الأولى، صاحبة أكبر عدد من الأحكام الاجتماعية التى تهدف إلى تفعيل أحكام الدستور ونقل الحقوق المنصوص عليها فيه من حالة السكون إلى حالة الحركة، برئاسة المستشار الدكتور محمد مسعود رئيس مجلس الدولة وعضوية المستشارين أحمد الشاذلى والدكتور محمد خفاجى وسامى درويش وعبد القادر أبو الدهب نواب رئيس مجلس الدولة.                                .                                                                                                      

 أولا: وقائع الدعوى                                                        

أقام اثنان من المواطنين العاطلين عن العمل الدعوى رقم 88947 لسنة 68 ق أمام محكمة القضاء الإداري (الدائرة الأولى) بتاريخ 28 سبتمبر 2014، ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير التضامن الاجتماعى ووزير المالية "بصفاتهم". وقد طلبا فيها أولا: إلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء السلبي بالامتناع عن إصدار قراره بإدراج البطالة كمعيار من معايير استحقاق مساعدات الضمان الاجتماعي، ثانيا: وقف تنفيذ ثم إلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء السلبي بالامتناع عن إصدار قراره بوضع ضوابط وقيمة الحدين الأدنى والأقصى لقيمة الاستحقاق- بعد الأخذ – بمعيار البطالة، مع كافة ما يترتب على ذلك من آثار.                                                               

وذكر المدعيان سندا لدعواهما أنهما حصلا على شهادة إتمام مرحلة التعليم الفني الصناعي سنة 2005، وتقدما إلى مكتب القوى العاملة والتشغيل المختص لقيد اسميهما ضمن طالبي العمل ومستحقيه، وفقا لقانون العمل، وسعيا فى البحث عن فرصة عمل لهما حتى استنفدا جهدهما. ولم يتمكنا من إيجاد فرصة عمل لهما لأسباب اقتصادية واجتماعية، وقد أعياهما البحث والسؤال. ولم توفر لهما الحكومة فرصة عمل مناسبة، وامتنعت فى ذات الوقت عن صرف مساعدات الضمان الاجتماعي لهما بالمخالفة للدستور والقانون والمواثيق الدولية.

وبتاريخ 15 مارس 2016، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها المطعون فيه "بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري"، وألزمت المدعين بتسديد المصروفات، على سند من القول بأن سلطة رئيس مجلس الوزراء فى إضافة مؤشرات أو معايير أخرى لقياس فقر الأفراد والأسر المستهدفة بمساعدات الضمان الاجتماعي هى من قبيل الملاءمات المتروكة للجهة الإدارية تستقل بتقديرها دون معقب عليها من القضاء، طالما أن تصرفها كان بعيدا عن مظنة الإنحراف بالسلطة. ومن ثم، فإن امتناع رئيس مجلس الوزراء عن إصدار قراره باعتبار البطالة من ضمن مؤشرات الاستهداف لاستحقاق مساعدات الضمان الاجتماعي لا يمثل قرارا سلبيا حال عدم وجود قاعدة قانونية تلزمه بالاستجابة إلى طلب المدعين. وعليه، يتعين على القضاء عدم قبول الطلب لانتفاء القرار الإداري. أما عن الطلب الثاني، وهو وقف تنفيذ ثم إلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء السلبي بالامتناع عن تحديد قيمة الحدين الأدنى والأقصى لمساعدة الضمان الاجتماعي الشهرى للمستفيدين منه، وما يترتب على ذلك من آثار، فليس للمدعين مصلحة فى الاستمرار فى هذا الطلب، لسبق صدور القرار محل الطلب برقم 375 لسنة 2014 وتاريخ 8 مارس 2014.                                                                           

طعن المحكوم ضدهما فى حكم محكمة القضاء الإداري أمام المحكمة الإدارية العليا، التى أصدرت حكمها محل هذا التعليق.                                                                                    

ثانيا: أسانيد إلغاء حكم محكمة القضاء الإداري                                                                                                                                     

حكمت المحكمة الإدارية العليا بإلغاء الحكم المطعون فيه، لمخالفته القانون والخطأ فى تطبيقه وتأويله. كما حكمت بإلغاء القرارين السلبيين لرئيس مجلس الوزراء المطعون فيهما، مع ما يترتب على ذلك الإلغاء من آثار، أهمها إلزامه بإجابة طلبات المدعين. واستندت المحكمة فى حكمها إلى الأسانيد التالية:                                                                                      

أ – أن الضمان الاجتماعى حق مقرر للأفراد بموجب نصوص الدستور. ومن ثم فهو واجب على الدولة لايجوز لها - ممثلة فى شخص رئيس وزرائها – أن تتفلت عن الالتزام بأحكام الدستور، بمقولة أن القانون لا يلزمها بما ألزمها به الدستور.                                                    

ب – لا يجوز القول أن المشرع منح الدولة سلطة تقديرية فى تقرير مدى ملاءمة إعمال التزامها الدستوري من عدمه دون معقب عليها من قضاء أو غيره، لأن مؤدى هذا القول هو تعطيل العمل بنصوص الدستور. فالمشرع عندما خول رئيس مجلس الوزراء سلطة إضافة مؤشرات جديدة كان غرضه من ذلك ضمان سرعة الاستجابة للمتغيرات والالتزامات بإضافة المستجدات، وليس الحيلولة بين الطاعنين والاستفادة من النص، وأن عدم التزام الحكومة بذلك يمثل انحرافا بالسلطة المخولة لها.                                                                                      

ج - أنه بصدور دستور2014، ونصه صراحة على أن المجتمع يقوم على التضامن الاجتماعي (م8)، وأن لكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي الحق فى الضمان الاجتماعي، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرا على إعالة نفسه وأسرته، فى عدة حالات من بينها البطالة (م17)، لم تعد لرئيس مجلس الوزراء - باعتباره السلطة المخولة فى ذلك – أية سلطة تقديرية فى اعتبار البطالة أحد مؤشرات ومعايير استحقاق مساعدات الضمان الاجتماعي. لذلك يتعين على رئيس مجلس الوزراء أن يصدر قرارا باعتبار البطالة من ضمن مؤشرات ومعايير استحقاق مساعدات الضمان الاجتماعي، وأن يصدر قرارا بتحديد ضوابط وقيمة الحدين الأدنى والأقصى المقررين لهذه المساعدات، وذلك بالضوابط المشار إليها بالمادة 17 من الدستور، وهي ألا يكون المواطن الذى لا يعمل متمتعا بنظام التأمين الاجتماعي، وألا يكون قادرا على إعالة نفسه وأسرته. وعليه،  تكون درجة التزام رئيس مجلس الوزراء قد تغيرت من التقدير الذى منحه قانون الضمان الاجتماعي رقم 137 لسنة 2010، إلى التقييد الذى فرضه الدستور الجديد الصادر فى سنة 2014. ويكون قراراه السلبيان المذكوران حريين بالإلغاء.           

ثالثا: هل تلتزم الحكومة المصرية بمنطوق الحكم وأسبابه؟           

منطوق الحكم محمولا على أسبابه، مؤداه التزام الحكومة بمنح معاش البطالة لكل من يوجد فى حالة بطالة تعجزه عن إعالة نفسه ومن تلزمهم نفقته، وفقا للضوابط التى وضعها الدستور الجديد. ويفرض ذلك على الحكومة أن تتخذ فورا الإجراءات اللازمة لتعديل القوانين القائمة بما يضمن تفعيل الحق الدستوري وتنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا. فهل هي فاعلة ذلك أم سوف تلجأ إلى خيارات أخرى، وما هي هذه الخيارات؟     

للإجابة على هذا السؤال، يتعين بيان طبيعة الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا. حكم المحكمة الإدارية العليا هو حكم بات واجب النفاذ، لا يقبل أى صورة من صور الطعن. ووفقا للدستور، تلتزم الدولة بتنفيذ أحكام القضاء التي يعد الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل هذا التنفيذ بأي وسيلة جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات بالحبس والعزل من الوظيفة إذا كان الممتنع موظفا عاما.                                                              

فى ضوء هذا التوضيح، يكون أمام الحكومة خياران:                                      

- أحدهما خيار غير قانوني، يتمثل فى تعطيل تنفيذ  الحكم مؤقتا عن طريق عمل إشكال فى التنفيذ أمام محكمة الأمور المستعجلة، غير المختصة بنظر إشكالات التنفيذ بالنسبة لأحكام القضاء الإداري طبقا لنص المادة 190 من الدستور. لكن الحكومة كانت تلجأ إلى هذه الوسيلة قبل صدور الدستور الجديد -- وحتى بعد صدوره -- لتعطيل أحكام القضاء الإدارى واجبة النفاذ بمسودتها حتى ولو كانت قابلة للطعن فيها أمام محكمة أعلى من محاكم القضاء الإدارى.                                  

- الثانى هو الخيار القانونى، الذى نفضله، وهو البحث فى كيفية تنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا. وهنا قد يقول قائل إن الظروف الاقتصادية للدولة المصرية فى الوقت الراهن لا تمكنها من الوفاء بهذا الالتزام الدستوري، على الرغم من إيمانها بحتميته وأحقية من يوجدون فى حال البطالة في الاستفادة من خدمات الضمان الاجتماعي على النحو الذى قرره الدستور وأكده حكم المحكمة الإدارية العليا. لكن فى ذلك تغليب الواقع على مقتضيات إعمال أحكام الدستور والقانون. ولا شك فى أن من يوجدون فى حالة تعطل عن العمل، بحيث لا يجدون ما يسد رمقهم هم وأفراد أسرهم، أولى برعاية الدولة التى يمكنها مراجعة أولوياتها على نحو يمكنها من الوفاء باحتياجات فئة من مواطنيها يحتاجون أكثر من غيرهم لرعايتها.

وفي هذا الخصوص، يمكن أن نقف على فضيلة أخرى من فضائل هذا الحكم الهام، وهي حث الحكومة على تشجيع الاستثمار وإزالة المعوقات التى تعترض طريقه، بهدف توفير المزيد من فرص العمل أمام المحتاجين إليه والراغبين فيه، فلا تتحمل الدولة عناء تدبير الموارد المالية الضخمة التى تنوء بتحملها ميزانية الدولة.

كما لا ينبغي أن نغفل عن تأثير البطالة، وما يترتب عليها من الفقر والعوز وضيق ذات اليد، فى تزايد معدلات الإجرام، وهو تأثير بات من المسلمات فى علم الإجرام. ولا نظن أن حكم المحكمة الإدارية العليا، حين ألزم الحكومة بمنح معاش للمتعطلين عن العمل، كان غافلا عن هذا الأثر السلبى للبطالة والعجز عن الإنفاق على معدلات الإجرام فى الدولة، وهى معدلات تتفاقم مع ارتفاع معدلات البطالة، ليس فى مصر وحدها بل فى كل دول العالم.

ولا نحسب أن الحكم قد أغفل المواثيق الدولية، وقد ورد ذكرها فى الحكم، التى صدقت عليها مصر، وتصير لها قوة القانون، طبقا للمادة 93 من دستور 2014، فقد وجد مقرر الحكم، وهو المعروف بتقديره للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان حين تعوزه النصوص الوطنية، فى الدستور المصرى ما يكفى لتأسيس التزام الحكومة بمنح معاش لمن هم فى حالة بطالة.