أشرنا في مقالنا السابق حول التعديلات التي أدخلتها الهيئة العامة على قانون الانتخاب إلى اشكالية دستورية تتعلق بالمادة 124 التي فرضت أن "تحدد دقائق تطبيق هذا القانون بمراسيم تتحذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين". وأضفنا بأن النص المذكور يخالف ما نجده عادة في الأحكام الختامية لمجموعة كبيرة من القوانين التي تكتفي بإعلان أن دقائق تطبيق القانون تحدد بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء. وبما أن آلية اتخاذ القرار في مجلس الوزراء هو شأن دستوري بامتياز رعته الفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور، نستطيع أن نستنتج أن الغالبية المطلوبة في حال تم اللجوء إلى التصويت لإقرار المراسيم التطبيقية هي غالبية الحضور كون المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء عددتها الفقرة ذاتها بشكل حصري.  

ولم يكتفِ قانون الانتخابات بفرض غالبية الثلثين لاتخاذ المراسيم التطبيقية بل أيضا نصت المادة 84 منه على التالي: "على الحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين بناء على اقتراح الوزير اتخاذ الإجراءات الآيلة إلى اعتماد البطاقة الالكترونية الممغنطة في العملية الانتخابية المقبلة".

فهل يحق لمجلس النواب التدخل في طريقة عمل مجلس الوزراء كلسلطة دستورية عبر فرض غالبية مشددة لا أساس دستوري لها؟ وألا يشكل توجه مماثل مخالفة للفقرة "هاء" من مقدمة الدستور التي تعلن صراحة أن "النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها"؟

أولا: في السوابق

سنة 1992، صدر المرسوم رقم 2552 (تاريخ 1/10/92) الذي قضى بتنظيم أعمال مجلس الوزراء. وكان هذا النص الأول والوحيد حتى اليوم الذي يتعلق بتحديد التفاصيل العملية لاجتماعات مجلس الوزراء لجهة كيفية تحضير جدول الأعمال والمداولات وتلاوة المقررات وصياغتها. ولم يتضمن هذا المرسوم في أحكامه ما يمس جوهر المادة 65 من الدستور بل اكتفى فقط بتحديد بعض النقاط التفصيلية التي لا مكان لها في متن الدستور.

لكن سنة 1993، عندما أثيرت مسألة توقيع الوزراء على المراسيم جراء الخلاف الذي نشب بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من جهة وبعض الوزراء من جهة أخرى، تقدمت رئاسة مجلس الوزراء بمشروع لتعديل المادة 28 من المرسوم 2552 بحيث تضاف الفقرة التالية: "وعلى الوزير المختص تبعا لذلك (أي مبدأ التضامن الوزراي) الالتزام يتوقيع المراسيم تنفيذا لقرارات مجلس الوزراء. وفي حال تمنع أحد الوزراء عن التوقيع ضمن مهلة عشرين يوما من تاريخ ايداعه مشروع المرسوم يعتبر المرسوم نافذا دون توقيعه".

وقد أرسل مشروع التعديل إلى مجلس شورى الدولة لاستشارته فما كان من هذا الأخير إلا أن اعترض على الفقرة الاخيرة من مشروع التعديل معلنا مخالفته للمادة 54 من الدستور التي تفرض حصول المراسيم على توقيع الوزير المختص إذ أن ذلك "ليس أمرا شكليا لازما فحسب بل هو من المقومات الجوهرية لتكوين المرسوم الصادر" (رأي رقم 14 تاريخ 18/11/1993). وأضاف مجلس الشورى بأن كل مرسوم يصدر دون توقيع الوزير المختص معرض للإبطال في حال تم الطعن به أمامه.

إن الرأي الاستشاري الذي أبداه مجلس شورى الدولة يقع في محله القانوني. فلا يحق لمجلس الوزراء إضافة شرط جديد لم يلحظه الدستور في آلية إصدار المراسيم. فإذا كان لا يعود للسلطة التنفيذية أن تتخذ مراسيم تنظيمية تؤدي إلى تعديل القواعد الاجرائية التي ترعى عملها من الناحية الدستورية حتى لو كانت هذه القواعد متعلقة بها فقط، فمن الأولى أن نستنتج بأن السلطة التشريعية، وهي سلطة دستورية أخرى، لا يحق لها التدخل في المسائل الاجرائية التي ترعى عمل مجلس الوزراء كون تلك المسائل جرى تحديدها من قبل الدستور. فمبدأ الفصل بين السلطات لا يعني فقط منع أي سلطة من التدخل في الصلاحية المادية للسلطة الأخرى كأن يتعدى المرسوم على اختصاص مجلس النواب التشريعي أو أن يفرض القانون على السلطة التنفيذية تدابير تعتبر من صلاحياتها بل أيضا هو فصل عضوي يمنع على كل سلطة التدخل في المسائل الاجرائية (questions de procedure) والأحكام الشكلية التي ترعى عمل هذه السلطة أو تلك.

فإذا كان يحق لمجلس النواب بمقتضى صلاحياته التشريعية المحجوزة له بالدستور إنشاء هيئات ومجالس في أي مجال كان ما يستتبع حقه أيضا بتنظيم آلية عمل تلك الهيئات وبتعديل تلك الآلية وفقا لما يرتئيه مناسبا، إلا أنه لا يحق له التدخل في آلية عمل مجلس الوزراء الذي يعتبر سلطة أنشأها الدستور ونظم طريقة عملها. فمجلس النواب ليس سلطة دستورية أعلى وعلاقته مع مجلس الوزراء ليست علاقة تسلسلية بل علاقة قائمة على التوازن. فكما أن الدستور أنشأ السلطة التنفيذية وخصها بصلاحيات معينة كذلك الأمر بالنسبة لمجلس النواب الذي يستمد وجوده من الدستور وفقا لاختصاصات واضحة ومحددة.

ثانيا: مفهوم السلطة التنظيمية

فرض مجلس النواب كما رأينا على مجلس الوزراء اتخاذ المراسيم التطبيقية بغالبية الثلثين. وجاء النص مبهما إذ أعلن ضرورة اقرار المراسيم بغالبية الثلثين ولم يحدد لنا هل المقصود هو ثلثا مجموع أعضاء الحكومة أو ثلثا الوزراء الحاضرين. فإذا كان المقصود هو الثلثين من مجموع عدد أعضاء مجلس الوزراء[1] يكون هذا القانون قد فرض غالبية مشددة غير ملحوظة في الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور التي تعدد المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى غالبية الثلثين بشكل حصري. هذا علما أن جميع قوانين الانتخابات السابقة كانت تنص فقط على اتخاذ تلك المراسيم التطبيقية في مجلس الوزراء دون الإتيان على ذكر الغالبية. وفي حال كان المقصود هو غالبية الثلثين من الحضور يكون القانون قد أوجد غالبية جديدة لا وجود لها في الدستور بين غالبية الحضور وغالبين الثلثين من مجموع أعضاء الحكومة كما يتبين لنا من قراءة المادة 65:

"ويكون النصاب القانوني لانعقاده (أي مجلس الوزراء) أكثرية ثلثي أعضائه، ويتخذ قراراته توافقياً. فإذا تعذر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور· أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها· ويعتبر مواضيع أساسية ما يأتي...".

إن فرض غالبية مشددة لاتخاذ القرار هو استثناء لا بد من حصره بشكل واضح ودقيق في متن الدستور. فمن شأن أي خروج عن ذلك أن يؤدي إلى الاخلال بميدأ التوازن بين السلطات. فما الذي يمنع مجلس النواب مستقبلا من فرض غالبية ثلاثة أرباع أو حتى اجماع جميع الوزراء لاقرار مرسوم ما؟ وما الذي يمنع السلطة التشريعية من رفع نصاب جلسات مجلس الوزراء بحيث تصبح غالبية أكبر من الثلثين؟

تقودنا هذه التساؤلات إلى التطرق لمفهوم السلطة التنظيمية التي منحها الدستور صراحة إلى مجلس الوزراء.  فالسلطة التنفيذية تطورت عبر الزمن إذ لم تعد محصورة في التطبيق الآلي للقوانين بل أصبحت أشمل  بحيث يحق لها اصدار قواعد عامة تهدف إلى تطبيق القانون أو حتى لاتمام أحكامه ما بات يعرف بالسلطة التنظيمية شريطة ألا يكون المرسوم التنظيم مخالفا للقوانين النافذة.

ويمارس مجلس الوزراء سلطته التنظيمية إما بتفويض يرد في قانون أو حتى بدون تفويض، فالعلم والاجتهاد الاداريان مستمران "على جواز ممارسة السلطة التنظيمية ضمن بعض الشروط ليس فقط بناء على تفويض من السلطة التشريعية ولكن في حال سكوت المشترع وفي موضوعات لم تتناولها التشريعات السابقة" (هيئة التشريع والاستشارات، استشارة رقم 468 تاريخ 10/1/1975).

صحيح أن مجال القانون هو في لبنان غير محدود كما  كان في فرنسا قبل 1958. وصحيح أنه يعود للسلطة التشريعية أن تتدخل في المواضيع التنظيمية فتجعل منها عبر تدخلها هذا مادة تشريعية لكن التدخل يتم في الحيز المادي فتمنع على مجلس الوزراء اتخاذ تدابير كانت في السابق تنظيمية وأضحت بحكم التدخل مواد تشريعية.

لكن تدخل مجلس النواب في قانون الانتحاب لم يتعلق بنطاق السلطة التنظيمية بل بطريقة عملها عبر فرضه لشروط مشددة وجديدة لا أساس دستوري لها وهذا ما يخالف جهارا مبدأ التوازن بين السلطات. لأنه يسمح لسلطة دستورية بتكبيل عمل سلطة دستورية أخرى وينقل لبنان من النظام البرلماني إلى النظام المجلسي الذي يتسم بتبعية الهيئة التنفيذية لسلطان المشرع وإرادته السياسية.

 


[1]  نشير هنا أن المادة الثانية من القانون رقم 250 لسنة 1993 (انشاء المجلس الدستوري) فرضت تعيين نصف أعضاء المجلس الدستوري من قبل مجلس الوزراء ولكن بأكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة.