منظومة التشريعات الليبية المتعلقة بالمرأة شهدت تطورات عديدة وتقلبات مختلفة لكنها سارت على وتيرة واحدة منذ نهايات القران الماضي. وبتقييم موضوعي، سنرى بوضوح تشريعات داعمة للمرأة  تحصلت عليها  في عهد النظام السابق بغض النظر عن الدوافع السياسية وراءها منتصرة على قيود اجتماعية متعددة كبلت حريتها وحجبت عنها حقوقاً ومنعتها من ممارسة حقوق مقررة لها. وبعد الثورة ونتيجة لعدة عوامل، بدا ظاهرا أن هناك انتكاسة في هذه الحقوق تناولناها في مقالة سابقة من ناحية تشريعية. والآن نتابع تطورات هذا المشهد.[1]

أولاً: المشهد الدرامي

دون مقدمات أو تمهيد وفي مفاجأة غير متوقعة أربكت الجميع، أصدر الحاكم العسكري درنة بن جواد اللواء عبدالرازق الناظوري القرار رقم 6 لسنة 2017 الصادر في 16-2-2017 وجه فيه الخطاب للسلطة التنفيذية القائمة على المنافذ البرية والجوية الواقعة تحت سلطانه، بمنع سفر النساء دون الستين بدون محرم. وأرجعت ديباجة القرار أسبابه للدواعي الأمنية.

ما أن صدر القرار، حتى انتشر كالنار في الهشيم داخل الأوساط المدنية والحقوقية في داخل ليبيا وخارجها. وتصدّر إذ ذاك الحديث عن القرار صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المقروءة والمشاهدة العربية والأجنبية. ونتيجة لهذا الضغط القوي من التيار المدني، جمد الحاكم العسكري قراره. وفي 23 من الشهر ذاته، أصدر القرار رقم 7 لسنة 2017 بإلغاء القرار رقم 6 بحيث أصبح يمنع سفر المواطنين من الفئات العمرية "18 إلى 45" كافة، من دون موافقة أمنية من جهاز المخابرات.

وأوضح القرار في ديباجته والمادة الثانية منه أسباب إتخاذه وقوامها "دواعي المصلحة العامة لوضع ضوابط ضرورية لازمة لمواجهة الخطر الخارجي الذي يهدد الأمن القومي للبلاد ولضبط  عدد من السلبيات التي صاحبت هذه الفئة العمرية من أبنائنا وبناتنا وحمايتهم من الوقوع في فخ الإنضمام إلى التنظيمات الإرهابية". كما أوضح النص ماهية طبيعته بأنه "إجراء تنظيمي لا يمس جوهر الحقوق والحريات التي تنص عليها التشريعات النافذة". أما عن الجهات التي تتولى منح الموافقات الأمنية فتكون حسب الاختصاص الشخصي. فالإستخبارات العسكرية تتولى منحها للعسكريين، بينما يتولى جهاز المخابرات العامة منح الموافقة الامنية لمؤسسات المجتمع المدني ولمنتسبي جهاز المخابرات. ويتولى جهاز المباحث العامة منح الموافقة الأمنية للعاملين بالمؤسسات والهيئات والشركات العامة التابعة للدولة بشرط إحضار شهادة من جهة العمل.

وأشار القرار في مادته الثالثة إلى أن الموافقة تمنح فور تقديم المستندات المطلوبة وورود نتيجة استطلاع الرأي الأمني بشأنه.

وأخيراً فإن القرار حدّد صراحة نطاق تطبيقه الزمني مبيناً أنه من القرارات المؤقتة المتخذة في حالة الطوارئ. فقد نصت المادتان الرابعة والخامسة منه على أن يعمل بهذا القرار من تاريخ صدوره في 23 فبراير 2017 وينتهي العمل به فور الإعلان عن انتهاء حالة النفير والتعبئة العامة عند زوال أسباب قيامها.

 وبطبيعة الحال، يتحدد النطاق المكاني للقرار بجزء من الإقليم الليبي الواقع ضمن صلاحيات مصدر القرار ، المنطقة الممتدة من مدينة درنة شرقاً إلى مدينة بن جواد غرباً.

ثانياً: تداعيات المشهد

إنبرى الحقوقيون والمدافعون عن الحريات يفندون القرار النسوي "الأول" بالأسانيد القانونية الدولية، منها قبل المحلية والدستورية قبل العادية. وتمظهرت تلك الحملة في شكل بيانات صادرة عن المجتمع المدني جماعة[2] وأفراداً وفي شكل تصريحات برفع دعاوى لإبطال القرار. فالقرار يشكل إعتداءً سافراً على المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فحق الفرد في التنقل داخل إقليم دولته أو حقه في مغادرة دولته هي حقوق تم النص عليها في المادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 وكذلك المادة 12 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. وبالتالي فإن أي فرد بغض النظر عن جنسه وجنسيته يتمتع بهذا الحق شريطة أن يكون تواجده في تلك الدولة بشكل قانوني. كما تمت الإشارة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

كما أن قرار الحاكم العسكري يعتبر مخالفة للإعلان الدستوري الليبي الصادر عن المجلس الإنتقالي والمعمول به حتى الآن. فالمادة 14 منه تنص على ضمان الدولة لعدد من الحريات والتي من بينها حرية التنقل شريطة ألا تتعارض ممارسة هذه الحرية مع القانون. أما المادة 31 من الاتفاق السياسي الليبي فقد نصت على أنه "يحق لجميع الليبيين والليبيات التنقل بحرية في جميع أرجاء ليبيا والسفر خارجها و لا يجوز إتخاذ أي إجراء بهدف تقييد حرية تنقل أي شخص .."

وإذ خوّلت المادة 12 في الفقرة الثالثة من العهد الدولي والفقرة 2 من الميثاق الافريقي الدول الأطراف بما فيها ليبيا الحقّ في الحدّ أو تقييد حق التنقل أو المغادرة بموجب قانون  لغرض حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، فإنها اشترطت ألا يتم هذا التقييد إلا بموجب قانون يصدر من السلطة المختصة. وقد اضافت لجنة حقوق الإنسان الخاصة بالعهد الدولي أن تقييد حقوق التنقل والمغادرة يجب أن يكون ضرورياً لحماية إحدى المصالح المنصوص عليها، على سبيل المثال الأمن القومي وأنه يجب أن يكون أقل الوسائل تدخلا من قبل الدولة لحماية هذه المصلحة. وعليه، فإن حظر سفر الليبيات تصرفا قانونيا مخالفا للدستور الليبي حيث أن هذه القرارات لا تدخل مطلقاً في صلاحياته كحاكم عسكري، وفق قوانين الطوارئ أو حالة النفير العام أو التعبئة.

ثالثاً: خلف الكواليس

بغض النظر عن الأسانيد القانونية التي ساقها معارضو القرارات والأسباب القانونية التي صرح بها صانعوها، تظل هناك دواعي خفية غير مصرح بها ومبررات غير مباشرة يمكن من خلالها التعرف على علة القرارات وحكمة إصدارها وتتنوع تلك المبررات إلى ما هو ديني وأمني وثقافي اجتماعي على النحو التالي:

المبرر الديني
أصدرت دار الإفتاء أكثر من 35 فتوى في الفترة من 2013 وحتى 2015 كلها مقيدة لحقوق المرأة، تتضمن بعضها منع المرأة من السفر دون مرافق رجل. ورغم أن تلك الفتاوى غير ملزمة من الناحية الفعلية، إلا أنها مؤثرة في المجتمع الليبي. فبمجرد صدور القرار الأول مخصص التقييد على حرية النساء في السفر دون الرجال، حتى صعد المنابر الواقعية والإفتراضية دعاة للإسلام القويم يؤكدون وجوب إتباع أوامره والإبتعاد عن نواهيه، وهم المتبعون للمذهب السلفي أو ما يسمونهم "السلف الصالح". ومن دون الغوض في تشعبات هذا المذهب، نكتفي هنا بتفنيد المبرر الديني بالرأي الصادر عن الأزهر الشريف بالخصوص: "يجوز للمرأة أن تسافر بدون مَحرَم بشرط إطمئنانها على الأمان في دينها ونفسها وعرضها في سفرها وإقامتها وعودتها، وعدم تعرضها لمضايقاتٍ في شخصها أو دِينها"؛ ووردت عدة أحاديث التي تُحَرِّم سفر المرأة وحدها بغير مَحرَم؛ فهي محمولة على حالة إنعدام الأمن التي كانت من لوازم سفر المرأة وحدها في العصور المتقدمة. وقد أجاز جمهور الفقهاء للمرأة في حج الفريضة أن تسافر بدون محرم إذا كانت مع نساء ثقات أو رفقة مأمونة[3].

ويتبيّن لنا أنّ توفّر الأمن هو المعوّل عليه عند الفقهاء في الإقدام على السفر والإمتناع عنه. والذي عليه الفتوى أن سفر المرأة وحدها عبر وسائل السفر المأمونة وطرقه المأهولة ومنافذه العامرة؛ من موانئ ومطارات ووسائل مواصلات عامَّة، جائز شرعًا ولا حرج عليها فيه؛ سواء أكان سفرًا واجبًا أم مندوبًا أم مباحًا، وأنَّ الأحاديث التي تنهي المرأة عن السفر من غير محرم محمولة على حالة انعدام الأمن، فإذا تَوَفَّرَ الأمن لم يشملها النهي عن السفر أصلًا."[4]

المبرر الأمني
لإسكات اللغط الذي دار حول هيمنة السلف الصالح على المؤسسة العسكرية في شرق البلاد ولخشية الناس من أن يكونوا أنصار شريعة جدد، حسمت المؤسسة العسكرية أمرها وصرح مصدر القرار, بأن أساس التقييد ليس دينياً البتة بل أمني، وأطنب في تفصيل ذلك في قراره الثاني رقم 7 المعدل للقرار الأول رقم 6 .

فالقرار وراؤه الهاجس الأمني لأشخاص وليس لدولة، وخصوصا إزاء حركة غير مراقبة وغير مسؤولة لناشطات المجتمع المدني. وهذا ما تؤكده ديباجة القرار الأول "وللمصلحة العامة، وللسلبيات التي صاحبت سفر النساء بمفردهن" وما صرح به على أكثر من قناة إعلامية ك "الحدث" و"ليبيا روحها الوطن" سيادة اللواء عبدالرازق الناظوري في مداخلات هاتفية مساء 19 فبراير 2017. فقد جاء في كلامه "أنهم اكتشفوا إختراق عدة مخابرات أجنبية للفتيات الليبيات صغار السن غير المدركات للأمن القومي بحجة الإنخراط في مؤسسات المجتمع المدني والسفر إلى دول عدة. كما أعلن عن وجود تقارير أمنية تشير إلى أن حركة النساء قد زادت بأعداد كبيرة جدًا بحجة اجتماعات للمرأة، في حين أنهن يقمن بنقل تقارير كاذبة عن القوات المسلحة ويتم استخدامهن في أغراض ضد ليبيا".

وتخبرنا صفحات التواصل الاجتماعي وغرف المحادثات الجماعية على الفايبر بأن خلفية النصيحة الذهبية خلافات سياسية وإيدلوجية بين ناشطات المجتمع المدني في اللقاءات المشتركة التي تنظم خارج ليبيا، وخصوصا في تونس، "برعاية وحدة تمكين المرأة التابعة لبعثة الأمم المتحدة" والتي تهدف لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء ولتفعيل دور المرأة في السلام وإنهاء الصراع. ويصل الخلاف إلى محاولات المواطنات الشريفات بتحذير المؤسسة العسكرية من أولئك المختلفات معهن سياسياً على الرغم من أن المؤسسة العسكرية تعلم يقيناً أن الدولة الليبية رخوة الحدود ومنعدمة السيادة على كامل إقليمها مما يجعل التجسس من أي شخصية اعتبارية، منظمات أو دول، سهلا للغاية بدون الحاجة لتجنيد نساء أو رجال من الداخل الليبي.

وبعد إصداره للقرار الأول المانع للنساء دون الستين من السفر دون محرم، ثارت كل الناشطات الحقوقيات ضد القرار  الذي رأينه أشبه بعقوبة جماعية. ولذلك سارعت مجموعة من ناشطات المجتمع المدني في بنغازي بتنظيم وقفة احتجاجية ضد القرار وإصدار بيان يندد به بل أن مجموعة منهن قابلت الحاكم العسكري وقدمن أوجه إعتراضهن وكيف أنه وصمة توصم بالخيانة كل الناشطات المدنيات.[5]

وبالفعل ألغي القرار بقرار ثان فيه تقييد مختلف وإن أضفيت عليه صبغة قانونية وحقوقية. فقد تم تحديد نطاقه الزماني والمكاني والنوعي والشخصي وجعله عاما يتساوى فيه المواطنون من فئة عمرية معينة رآها صاحب القرار أنها الفئة المستهدفة للتجنيد ضد ليبيا.

المبرر الاجتماعي والثقافي
يرى المثقف والإعلامي محمود شمام نتائج بالون الإختبار السلفي الأول في ليبيا غير ناجحة  وأن المرأة الليبية إمرأة كاملة الأهلية وليست حرمة وأن البيت الليبي هو من يربي ويوجه.  وفي إشارة منه للمبررات الامنية الواهية، يشير  شمام أن من خان عمر المختار وتعاون مع الاحتلال الايطالي كانوا رجالا ومن خان القذافي وانشق عنه كانوا رجالا. أما اتهام الأمم المتحدة بأنها تجند نساء ليبيا للتجسس فذاك موضوع اجتماعي وثقافي آخر[6].

لكن موقع المرأة من المنظومة القيمية الليبية  لا يدعو للتفاؤل. فباستقراء التوجه العام للعقل الجمعي الليبي أبان صدور القرار الأول وبعده نلمس ما تؤكده المسوح العلمية[7] بشأن تدني قيمة حقوق وحريات المرأة في المنظومة القيمية الليبية. فقد انقسم الرجال بشأن القرار الأول إلى ثلاثة صنوف بدرجات ونسب متباينة:سلفي ومن يدور في فلكه نصير للدين ومهلل ومكبر للقرار ، مدني متهم بالعلمانية يدعمها في رفضها وهم قلة، والأغلبية الصامتة ولسان حالها يقول: هناك ما هو أهم فالبلاد تضيع والحق في الحياة الكريمة بتوفير حد أدنى من المأوى والمأكل والملبس أقصى أمانيهم.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] للكاتبة، المراة الليبية بين مكتسبات الماضي وتوجسات المستقبل، المفكرة القانونية- تونس، العدد 3، ديسمبر 2015.  
[2]  بيان صدر عن نحن نشطاء ومنظمات المجتمع المدني  .بنغازي .في 20/2/2014
[3] واستدلوا على ذلك بخروج أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم للحج في عهد عمر رضي الله عنه وقد أرسل معهن عثمان بن عفان ليحافظ عليهن رضي الله عنه
[4]  الإمام أبو الحسن بن بطال المالكي في "شرح البخاري" (4/532، ط. مكتبة الرشد)
[5] كانت الدكتورة عبير أمنينة على رأس الوفد النسوي بصفتها رئيس مفوضية المجتمع المدني وحوى الوفد محاميات وناشطات حقوقيات من مدينة بنغازي , وهو ما صرحت به الدكتورة على صفحتها الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك".
[6] السيد محمود شمام على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي تعليقاً على تجميد القرار
[7] يعارض ثمانية من كل عشرة حق المرأة في السفر بمفردها خارج البلاد , ص 7 من المسح الشامل لآراء الليبيين حول الحوار الوطني , منشورات مركز البحوث والاستشارات جامعة بنغازي 2015.