تتصف دراسة القانون في كليات العلوم القانونية أو الحقوق بالجامعات التونسية بمعيارية ومثالية تقليدية[1] لا تساهم في بناء عقول علمية تنتج المعرفة وتنقد مناهج التدريس وتقيّم سياسات التعليم العالي العامة والمواد المدرّسة. فتدريس العلوم القانونية اليوم يشهد أزمة ضعف التكوين وضعف إنتاج أساتذتها للمعرفة، فلا يقدّمون تصورات تطوير المناهج عند انتدابهم لأن لجان الإنتداب هي الأخرى لا تملك رؤية، كما يشهد أزمة سوء سير الإدارة وأدائها. وهي أزمة لا يرغب الجميع في الإفصاح عنها لجهل أو لكسل أو لإفتقارهم الجرأة العلمية لطرح هذا الموضوع.

ومن ثمّ يجرّنا هذا البحث في الواقع العلمي اليوم لتعليم العلوم القانونية في كليات الحقوق التونسية: كيف هو وضع الطالب الذي أنهى دراسته وعزم على أن يجعل من العلم مهنته، في إطار الحياة الجامعية[2] وخارجها؟  كيف هو أداء القاضي والمحامي وعدل التنفيذ وعدل الإشهاد؟

فتعليم العلوم القانونية لا يتأثر ولا يؤثر في المجتمع وهو غير منفتح على العلوم الاجتماعية التي يمكن أن تشكل روافد مهمة لفهم العلوم القانونية. فوجب أن تدرس القاعدة القانونية في سياق علم إجتماع القانون[3] لأنه ليس من المقبول أن تستمر طرق التدريس الحالية البائسة التي لا تستند إلى الواقع وما يفرزه من ظواهر؟ ينبغي أن تكون الدروس والمحاضرات والملتقيات دراسة للواقع مقدمة حلولا لمشاكله ومستشرفة لمستقبله وفق مناهج مستحدثة وعصرية.

تساعد هذه الدراسات الطالب على ربط ما يدرسه بواقعه العام فلا ننتج عندئذ طلبة وقضاة ومحامين وعدول تنفيذ منقطعين عن واقعهم. فتعليم العلوم القانونية اليوم في كليات الحقوق في مرحلة الماجستير أو الليسانس بائس يقوم على إلقاء معلومات مستمدة من كتب في مواد تقليدية يدوّنها الطالب على كراسه أو يشتريها من مراكز التصوير أو ينسخها من طالب آخر تابع هذه المحاضرات ويمكن أن لا يكون أمينا في تدوينها . فلا ينجز الطالب بحوثاً ذات علاقة بواقعه ولا يحضر ملتقيات علمية أو حلقات بحث لا يعرف إن كانت لكليته سياسة علمية وبحثية . ولا يرى في أساتذته المثال الذي قد ينسج على منواله في المبادرة العلمية أو البحث.  في المحصلة، لا يتعلم الطالب أي شيء لأنه لم يرَ إنجازهم في الواقع مكتوبا ومنشورا في مجلات وكتب. وقد نجد كتابات لبعض الأساتذة لكنها كتابات معيارية منقطعة عن الواقع وغير متفاعلة معه. فإن كانت مثلا في الإجراءات الجزائية أو المدنية أو التنفيذ أو سير القضاء، فهي لا تتعلق بمحاكم القضاء. فالدروس عموميات قد لا تفيد الطالب. التعليم القانوني في كلية العلوم القانونية يحتاج إلى مراجعة عميقة[4] في المناهج ولا حرج أن نقيّم أداءنا اليوم: مدرسين وطلبة وإدارة. فقد حان الوقت كي نطرح على أنفسنا: لماذا لا تنتج كليات العلوم القانونية المعارف ذات الصلة؟ لماذا طلبتها بهذا الضعف[5]؟ لماذا لم تتميّز بدراسات قانونية في علم اجتماع القانون أو القانون الإقتصادي مثلا؟ لماذا لا يكون للكليات صيت في المغرب العربي وإفريقيا والعالم؟ لماذا لم يجتمع أساتذة هذه الجامعات سنويا لتقييم الوضع العلمي والبحثي ونشر نتائجه؟ أين هو المشكل؟

أرى أن هذه الأسئلة هي في عمق الواقع الجامعي اليوم. فالجامعة ليست منعزلة عن العالم: إنها في عالم متغيّر[6]، فوجب أن تتغير معه وإلاّ أصبح إنتاجها عقيما ومناهجها بالية[7]. لم يعد من المقبول أن تبقى كليات العلوم القانونية منعزلة لا تحظى قضايا البلاد بالدراسة والتحليل في وحدات بحثها ومخابرها. ينبغي الشروع في وضع سياسات للتعليم في الكليات. فتطورها  وتطور مستوى التعليم بها لا يكون إلاّ بإنجاز البحوث العلمية التي ترجع الى الواقع.

التفكير في مستقبل الكليات يبدأ بالشروع في وضع خطة لتطوير أدائها في التكوين وإنتاج المعارف القانونية. ولإعداد هذه الخطّة وتنفيذها كلفة مالية يقتضي التفكير في كيفية تأمينها، مع العمل على تنويع المصادر المالية لكليات العلوم القانونية .

إن وظيفة الكليات اليوم هي تنمية المعرفة من خلال البحث، لأنه لا يمكن أن تكون رائدة إلا إذا كوّنت كل كلية لنفسها إتجاها علميا قويا ومتميزا، لأن المعرفة تغيّر الواقع والعقليات[8]. وهذه مسؤولية أساتذة الكليات وإداراتها. فالطلبة الضعاف سينتدب منهم المحامي والقاضي ....مما يؤثر حكما على أداء القاضي والمحامي.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]  ميشال مياي: دولة القانون ، مقدمة في نقد القانون الدستوري ، ديوان المطبوعات الجامعية, الطبعة الثانية ، الجزائر،1990.
[2]  ماكس فيير : العالم والسياسي ، تعريب سعيد سبعون بومعيزة دار القصبة للنشر، الجزائر ،2009، ص ،5.
[3]  Jean carbonnier , sociologie juridique , Quadriage –PFU, Paris,2004 // Max Weber, la sociologie du droit ,Quadriage –PFU , Paris, 2007 // عبد المجيد السملالي ،علم الاجتماع القانوني ، دار القلم ، الرباط ، ط ،  أولى ، 2011 // محمد الرضواني ،علم الاجتماع القانوني ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط، الطبعة الأولى ، 2007
[4] علي الزيدي: التعليم التونسي ظل منذ عقود يقف على ساق واحدة كما هو الحال مالك الحزين ، كلمات ، العدد السادس ، نوفمبر ديسمبر 2012 ، ص ، 36
[5] Samir Marzouki, L’enseignement supérieur tunisien , situation et perspectives  (1ére parie) tribunes plus , décembre 2012,p,,48
[6] ستيفن د.كيرتز، ترجمة عبدالعزيز سليمان و ابراهيم عصمت مطاوع، دار نهضة مصرللطبع والنشر ، القاهرة ، 1975 .
[7]  بنيامين بلوم، تقييم تعليم الطالب التجميعي والتكويني ، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية ، مصر ،2002 .عبدالله محمد عبد الرحمان ،سوسيولوجيا التعليم الجامعي ، دار المعرفة الجامعية ، 1991 ، ص، 2013 .
[8]  النخبة الجامعية في خضم الانتقال الديمقراطي ، مجلة اكاديميا ، العدد العاشر، اكتوبر 2012 ، ص ، 22.