أصدرت منظمة العفو الدولية بتاريخ 12-04-2017 تقريرها السنوي حول عقوبة الإعدام لسنة 2016[1]. وفيما تعلق بتونس، كشف التقرير أن المحاكم التونسية أصدرت في سنة 2016 44 حكما بالإعدام، في موازاة توقيف تونس فعليا عن تنفيذ هذه العقوبة. وإذ أشاد المفوض السامي لحقوق الإنسان للأمم المتحدة في تقريره الذي عرض بمجلس حقوق الإنسان بتاريخ  02-05-2017[2] بهذا التوقف عن تنفيذ عقوبة الإعدام، استنكر بالمقابل اتجاه التشريع التونسي لتدعيم حضورها. يؤشر التقريران إلى تحوّل الاختلاف الحاصل داخل تونس حول عقوبة الإعدام إلى حالة إنفصام سلوكي بين مؤسسات رسمية تعطل تنفيذ الإعدام وأخرى تتجه على مستوى التشريع والأحكام لفرض حضور أكبر لهذه العقوبة.

يفرض الفصل 342 من مجلة الإجراءات الجزائية أن يحيل وزير العدل لرئيس الجمهورية كل الأحكام النهائية والباتة القاضية بالإعدام، لينظر في إستبدال تلك العقوبة بالسجن المؤبد  في إطار ممارسته لصلاحية العفو الخاص[3]. وقد استعملت رئاسة الجمهورية ابتداءً من نهاية سنة 1991[4] سلطتها تلك لتعطيل تنفيذ الإعدام. ففي مرحلة أولى استمرت لحين الثورة، وُضعت مطالب العفو التي وصلت إلى الرئاسة في الرفوف. وقد بدا موقف السلطة في هذه الفترة براغماتيا فهو يقوم على تجنّب تنفيذ هذه العقوبة، لما قد يكون له من انعكاسات على سجلها في مجال حقوق الإنسان، من دون أن يترافق مع أي موقف مبدئي بشأن مشروعية هذه العقوبة. وهذا الموقف لقي تطوراً في المرحلة الثانية التي امتدت طيلة فترة رئاسة منصف المرزوقي وشهدت رفضاً مبدئياً  لعقوبة الإعدام تمثّل في منح العفو لكل من حكم عليهم بالإعدام دون التفات لما ثبت في حقهم من جرائم[5]، مع استبدال تلك العقوبة بالسجن المؤبد. ومن المرجّح أن يمتنع الباجي قايد السبسي بدوره عن تنفيذ العقوبة، وإن بقي التساؤل قائما بشأن التوجه الذي سيتخذه في هذا المضمار.

إلا أنه ورغم انقضاء أكثر من ربع قرن على الإمتناع عن تنفيذ عقوبة الإعدام، لم تشهد المنظومة القانونية، سواء على صعيد التشريع أو المحاكم، أي تطور قيمي في هذا المجال. وهذا الأمر يطرح تساؤلات، ليس فقط حول الإنفصام بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في هذا المجال، إنما أيضا مع تصوّر القاضي لدوره الاجتماعي.

التشريع: من الإبقاء على عقوبة الإعدام إلى تدعيم حضورها

تلقت تونس بمناسبة الإستعراض الدوري الشامل الثاني لسجلها في مجال حقوق الإنسان سنة 2012[6] توصية بإلغاء عقوبة الإعدام. لم ترفض الحكومة حينها التوصية واكتفت بتقديم طلب إمهال لتحديد موقفها. بررت ترددها بحاجتها لأن تحسم الأمر في سياق توافق وطني. بنهاية أجل الإمهال، اعترفت تونس بعجزها عن البت في التوصية. وبرر وزيرها لحقوق الإنسان في تلك الفترة سمير ديلو إضطراب جوابها "بأن هذه العقوبة مرتبطة بواقع ديني إسلامي يجمع حوله كل الدول العربية الإسلامية وأن إلغاء العمل بها يتطلب توافقا على نطاق واسع سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الدول العربية المسلمة."[7]

منع البحث عن التوافق الحكومة التونسية الأولى بعد الثورة من تنفيذ التزامها بالانضمام للبروتوكول الاختياري الثاني[8] الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[9]. فيما  أدى التوافق السياسي الذي حكم صياغة الدستور[10] إلى إقرار الفصل 22 منه عقوبة  الإعدام في حالات وصفها بالقصوى[11].

بعد ذلك، أدّت فوبيا الحرب على الإرهاب لعودة تشريعية قوية للإعدام عبر بوابة القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 الخاصّ بمكافحة الإرهاب. وانتهى بالتالي العمل التشريعي بعد الثورة لانتكاسة للتوجه الحقوقي المناهض لعقوبة الإعدام. ويتبيّن من النقاش العام حول الدستور وقانون الإرهاب أنّ الشعورين الديني والوطني مهّدا لهذه الانتكاسة.

القضاء: أحكام الإعدام في تزايد.. أي دور للقاضي؟

أصدرت المحاكم التونسية سنة 2010 إثني وعشرين حكما بالإعدام وكانت قضت بذات العدد من الإعدامات  سنة 2011[12]. وفي سنة 2016، تضاعف عدد هذه الأحكام وفق تقرير منظمة العفو الدولية. وينتظر مع تواتر صدور أحكام الإعدام في القضايا الإرهابية زيادة على أحكام الإعدام في قضايا الحق العام[13] أن يواصل العدد تضخمه سنة 2017.

ويتعين هنا بداية القول بأن تصريح المحاكم بأحكام الإعدام ينسجم مع القانون الذي يتحمل القضاة واجب تطبيقه. كما يتناغم مع قناعات أكثر من سبعين بالمائة من التونسيين الذين يعتقدون في وجوب إعدام من اقترفوا جرائم بشعة[14]. إلا أن تواتر الأحكام القضائية يطرح سؤالين: كيف يقبل القضاة أن يواصلوا إصدار أحكام لا تنفذ؟ وكيف يتصور القاضي دوره الإجتماعي المحدد دستوريا في هذا المجال؟

فخطاب السلطة السياسية التونسية يؤكد أن الاختلاف حول عقوبة الإعدام يقابله اتفاق ثابت على عدم تنفيذها[15]. ومن شأن ذلك أن يحول أحكام الإعدام إلى أداة تعذيب لكون المحكوم عليه بالإعدام يفرض عليه زيادة عن العقوبة التي صدرت بحقه حالة خوف دائم  من تنفيذ الإعدام تتجاوز مدته الحيز العادي الذي كان يفترض له. وهذا الواقع يفرض أسئلة إضافية حول الموقف الحقوقي من عقوبة الإعدام لطرح السؤال حول موقف القاضي الذي يحمله  الدستور واجب حماية الحقوق والحريات ويفرض عليه مناهضة كل أشكال التعذيب من "الإعدام غير القابل للتنفيذ". ويؤسس هذا السؤال متى طرح  لقضاء يضطلع بدوره كقوة دفع في اتجاه تطوير منظومة العدالة في تونس في مختلف أبعادها.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] أحكام الإعدام وما نفذ من أحكام سنة 2016: التقرير العالمي لمنظمة العفو الدولية 11-04-2017.                                                                   
[2] في إطار الاستعراض الدوري الشامل الثالث لسجل حقوق الإنسان بتونس.
[3] ينص الفصل   342 من مجلة الإجراءات الجزائية “إذا صدر حكم بالإعدام فإن الوكيل العام للجمهورية يعلم به بمجرد صيرورته باتا كاتب الدولة للعدل الذي يعرضه على رئيس الجمهورية لممارسة حقه في العفو  ولا يمكن تنفيذ الحكم إلا إذا لم يمنح العفو".
[4] بين سنة 1987 تاريخ تسلم زين العابدين بن علي منصب رئيس الجمهورية التونسية و19-10-1991 نفذت ستة أحكام إعدام – يراجع ملف حول عقوبة الإعدام مجلة ليدرز عدد 23-05-2013
[5] بتاريخ 14-01-2012، أصدر رئيس الجمهورية قرارات عفو شملت كل المحكوم عليهم بالإعدام وعددهم 120 شخصا الجانب الأكبر منهم صدرت العقوبات في حقهم وتقدموا بمطالب العفو في عهد زين العابدين بن علي
[6] عقد بتاريخ 22-05-2012
[7] سمير ديلو أمام مجلس حقوق الإنسان: موقفنا النهائي من إلغاء الإعدام والمساواة في الإرث مازال غير جاهز   -26-09-2012 الشروق التونسية.
[8] ينص على إلغاء عقوبة الإعدام صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15-12- 1989
[9] يراجع تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة التونسية بتاريخ 01-02-2011 حول اعتزام تونس الانضمام للاتفاقيتين الاختياريتين الملحقين بالعهد الدولي لحقوق الإنسان وبيان الترحيب بهذا القرار الصادر عن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بتاريخ 02-02-2011  
[10] تضمن تقرير اللجنة التأسيسية حول باب الحقوق والحريات أن صياغة الفصل المتعلق بالحق في الحياة عرف انقساما بين أعضاء اللجنة كان موضوعه عقوبة الإعدام التي طالب جانب من أعضاء اللجنة بإلغائها فيما تمسك بها جانب آخر ودعا شق ثالث لترك أمر الحسم فيها للقانون، ص. 39.
[11] الفصل 22 من الدستور الحق في الحياة مقدّس،لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون.                                                                
[12] معطيات إحصائية وردت بملف مجلة ليدرز حول عقوبة الإعدام، 23-05-2013.                                                       
[13] أكد القاضي فريد بن جحا الناطق الرسمي باسم محكمة الإستئناف بالمنستير إصدار خمسة أحكام إعدام عن محكمته إلى حدود الشهر الرابع من سنة 2017.
[14] سنة 2013 خلص سبر آراء إلى أن 27 بالمائة فقط من التونسيين يساندون إلغاء عقوبة الإعدام، سبر آراء أجرته مؤسسة 3 س، وقد نشرت نتائجه بمجلة ليدرز عدد ماي 2013.
[15] قال سمير ديلو وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في سنة 2012 والذي يحسب سياسيا على حزب حركة النهضة في مداخلته أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف بمناسبة الاستعراض الدوري"توقفنا عن تنفيذ عقوبة الإعدام وسنواصل ذلك ولن ينفذ أي حكم بالإعدام بالإضافة إلى أن تم تحويل كل عقوبات الإعدام إلى عقوبات بالسجن المؤبد، وسيتواصل ذلك لاحقا".