لم يتعرض القانون المحدث للهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي[1] للقواعد الموضوعية الناظمة لتأديب القضاة. فقد التزم القانون الصمت حيالها سواء في ما تعلق منها بسلم العقوبات التأديبية أو بتعريف الخطأ التأديبي أو بالتناسب بين الخطأ والعقوبة، بما ترك مجالا لانطباق أحكام القانون عدد 29 لسنة 1967 فيما تعلق بها[2]. غير أن الأمر يستشكل لكون القانون عدد 29 لسنة 1967 لم يتضمن بدوره مفهوما دقيقا للخطأ التأديبي إذ اكتفى في الفصل 50 منه بالتنصيص على أن "كلّ عمل من شأنه أن يخلّ بواجبات الوظيفة أو الشرف أو الكرامة يقوم به القاضي يتكون منه خطأ موجب للتأديب"، تاركا بذلك سلطة تقديرية واسعة لمجلس التأديب في تحديد مفهوم الخطأ التأديبي. وقد أدى غياب الإطار التشريعي والسريان المتزامن لنصين تشريعيين اختلفت فلسفة وضعهما لأن تحملت الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي مسؤولية صياغة فقه تأديب القضاء وهي مسؤولية لم تتم بعيدا عن رقابة القضاة والقضاء والرأي العام بما يعطي لمخرجاتها والمواقف منها أهمية خاصة.

وتكتسي التجربة بما هي فعل مؤسس تم في مناخ مرحلة انتقالية أهمية بالغة، بالنظر خصوصا لصعوبات التوفيق بين الحاجة لإعادة الثقة العامة في القضاء والقضاة مع ما يستدعيه ذلك من ضرورة إرساء آليات مساءلة صارمة وفعالة تقطع مع الصورة القاتمة التي ظهر عليها قبل الثورة، والحاجة لإعادة الثقة للقضاة وتوجيه رسالة طمأنة لهم خاصة بعد الإجراءات التعسفية التي شملت البعض منهم بمناسبة صدور قرارات الإعفاء سنة 2012. ولعلّ أهم ما ميز هذه التجربة، ظهور مفاهيم جديد للخطأ التأديبي، أملتها خصوصيات السياق الثوري وساهمت في بلورتها معالمها مخرجات الحوار الوطني حول مسار العدالة الانتقالية، ما أدى إلى ظهور  أشكال مستحدثة من الأخطاء وأسباب المؤاخذة التأديبية استندت فيها هيئة القضاء العدلي إلى السمعة الرائجة (1) مع ما يرافق ذلك من نمو غير مبرر للثروة (3) وثبوت عدم الحياد السياسي (2).

تردي السمعة الرائجة

برز من خلال بعض القرارات التأديبية مفهوم مستحدث للخطأ التأديبي يستند إلى السلوك العام للقاضي. وبدا جليا من خلال تقارير الردود على الطعون المرفوعة ضد القرار التأديبي، إقرار الهيئة مبدأ المؤاخذة التأديبية إستنادا إلى "السمعة الرائجة"، وثبوت تواتر مخالفة القاضي لما هو محمول عليه من واجب الإلتزام بالحياد والنزاهة على مقتضى أحكام الدستور[3]. فالثقة العامة في النظام القضائي وفي السلطة الأدبية للقضاة ونزاهتهم تكتسي أهمية قصوى في أي مجتمع ديمقراطي، على أساس أن "العدالة يجب ألا تقام فحسب ولكن يجب أن يُرى أيضا أنها تقام".

وورد في ردود  الهيئة في تفصيل مبدئها أن "القاضي على خلاف باقي موظفي الدولة يخضع لرقابة شعبية دقيقة ويؤاخذ كلما قام بما من شأنه إذكاء فرص التشكيك في نزاهته من وجهة نظر المراقب المعقول[4] ويعدّ مخلا بواجبات الوظيفة في صورة عدم أخذ الإحتياطات اللازمة لدرء الشبهات ووضع نفسه في شبهة اللوم والقدح بشكل يخلق رأيا عاما متواترا مشككا في نزاهته".

إلا أنه وبصرف النظر عن متانة التأسيس النظري لتردي السمعة الرائجة للقاضي كأساس للمؤاخذة التأديبية والذي لن يتسنى الوقوف عليها إلا بالوقوف على مدى صمودها أمام الطعون المرفوعة أمام المحكمة الإدارية، فإن الإشكال الرئيس يتمثل في سبل تقييم السمعة الرائجة والمعطيات المكونة لها ووسائل الإثبات المؤسسة للحكم سلبا أو إيجابا عليها، مع ما يستبطنه كل ذلك من مخاطر الإجحاف في صورة عدم إحاطة المسألة بضمانات إجراءات ووسائل إثبات صلبة. وربما استشعرت الهيئة هذه المخاطر فسعت إلى اعتماد حزمة من الأدلة (un faisceau d’indices) لتقييم سمعة القاضي موضوع التتبع التأديبي، فاعتبرت مثلاً أنّ "ما حام حول مسيرة العارض القضائية من أقاويل وإشاعات أضحى أمراً معلوماً تجسّد في جانب منه في تواتر الشكايات التي رفعت ضده وما أقر به المعني بالأمر مما تواتر على مسمعه من إشاعات مست من شرفه وإقراره بأنه أحاطت به هالة من الأقاويل والإشاعات غذتها كثير من الأوساط متضاربة المصالح في الوسط القضائي وخارجه" ، وعززت تلك القرائن كلها على تردي السمعة بما ثبت ماديا من نمو غير مبرر للثروة أو انتماء سياسي مفضوح.

عدم الحياد السياسي

عدّ القطع مع صورة القاضي التابع لسلطة الحكم أحد أهم استحقاقات الثورة التي تحملت الهيئة وزرها. فاعتبرت أن "التباس بعض القضاة بنشاط حزبيّ يعدّ إخلالاً صريحا بواجب الحياد المحمول على القضاة وفق أحكام الفصل 103 من الدستور ومخالفة لأبسط أخلاقيات القاضي[5]، وأن ذلك من الأخطاء الجسيمة الموجبة للمساءلة التأديبية."[6] وقد تكرس هذا التوجه في عديد القرارات التأديبية التي انتهت للتصريح بعزل قضاة المعنيين نُسب لهم الإنتماء لحزب التجمع الدستوري الذي كان حاكما قبل الثورة. فقد آخذتهم الهيئة بعد أن عدت انتماءهم الحزبي الصريح أو البارز في العلاقة بالنشاط الحزبي "زيغ(ا) منهم عن أخلاق وواجبات المهنة". وقد أكّدت الهيئة في ردودها على الطعون المنشورة أمام المحكمة الإدارية رفضها للإنتماء الحزبي الذي "يجعل القاضي المعني بالأمر غير قادر على أن يقدم مثالا للقاضي النزيه المخلص لرسالة القضاء ..". ومن هذا المنطلق، خلصت إلى القول "أن انتماء بعض القضاة للحزب الحاكم والنشاط صلب هياكله ووفق ما يخدم مصالح الحزبية والفئوية الضيقة، مثل تاريخيا مدخلا رئيسيا لضرب استقلال القضاء والقضاة كما مثل أحد ركائز النظام الإستبدادي وأذرعه بتمكينه تحت غطاء العدالة وحكم القانون من إلحاق المظالم بالأفراد والمجموعات، بما يجعل "ثبوت سعي القاضي للتقرب من ذوي السلطة وخدمة مصالحهم بأي طريقة أو وسيلة كانت من الأخطاء الجسيمة الموجبة للعزل".

النمو غير المبرر للثروة

لم يرسِ القانون التونسي إطارا تشريعيا عامّا يجرم النمو غير المبرر للثروة. إلا أن ذلك لم يحُلْ دون اعتماد الهيئة على هذا المفهوم، لا كسبب مستقل للمؤاخذة التأديبية وإنما كقرينة داعمة لما توفر من شكايات وما يتفشى من معطيات حول عدم نزاهة بعض القضاة المشمولين بتتبعات تأديبية. وقد استندت الهيئة في هذا السياق في أحد قرارتها التأديبية إلى أن تواتر الشكايات وتشابهها بخصوص تعمّد أحد القضاة الإرتشاء، ورغم أن الابحاث الجزائية برأت القاضي من تهم الإرتشاء إلا أن الهيئة انتهت لكون النمو غير المبرر لثروته يعد سببا كافيا لعزله. وذكرت الهيئة هنا في تبريرها لموقفها أنه "وأخذا بعين الاعتبار لكون هذا القاضي كان في بداية حياته المهنية متسوغا لمحل سكناه فضلا عما عرف عنه من مستوى معيشي مرتفع (train de vie)، فلا شيء يبرر امتلاكه ثروة عقارية هامة. لتخلص في النهاية لكونه بات غير مؤهل لأن يمثل ذلك للقاضي النزيه الذي لا يخشى ضعيف من جوره ولا يطمع قوي في استمالته وأضحى انتصابه للقضاء مجددا فيه نيلا من سمعة السلطة القضائية عموما ومبعثا على التشكيك فيها ومسّا من الاعتبار والثقة الواجبة فيها."

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]  قانون أساسي عدد 13 لسنــة 2013 مؤرخ في 2 ماي 2013 يتعلق بإحداث الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي.
[2]  الفصل 20 عدد من القانون الأساسي 13 لسنــة 2013 "تلغى جميع الأحكام المخالفة لهذا القانون الأساسي وتبقى أحكام القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة التي لا تتعارض مع هذا القانون الأساسي سارية المفعول."
[3]  الفصل 103 من الدستور التونسي: "يشترط في القاضي الكفاءة ويجب عليه الالتزام بالحياد والنزاهة، وكل إخلال منه في أدائه لواجباته موجب للمساءلة".
[4]  القيمة الثالثة من مبادئ بانغلور المتعلقة بتدعيم سلوك الجهاز القضائي: "على القاضي أن يكفل أن يكون سلوكه فوق الشبهات من وجهة نظر المراقب المعقول ويجب أن يعيد سلوكه وتصرفه ثقة الناس في نزاهة السلطة القضائية.".
[5] جاء بالمادة  14 العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من أنه من حق كل فـرد "أن تكون قضـيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة وحيادية". كما أكد المبدأ الثاني من مجموعة المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية على الدور الموكول للقضاء في "البت في المسائل المعروضة عليه بدون تحيز وعلى أساس الحقائق ووفقاً للقانون"،  بعيدا عن كل قيود التي تُفرض عليه وعما "قد تمارسه عليه أي جهة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو لأي سبب من الأسباب، من تأثير غير مشروع أو ترغيب أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات".
[6]  الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي المجتمعة بجلستها العامة المنعقدة يوم 15 جوان 2016 حول الحياد السياسي للقضاة.