تثير منظومة العدالة، وبشكل خاص المنظومة القضائية، أسئلة يومية ترتبط بإجراءات عملها ونجاعتها وأداء مختلف المتدخلين فيها وما يشاع حولها. كما تثير هذه المنظومة أسئلة أعمق وأعقد، منها ما هو دستوري ومنها ما هو تنظيمي. لكن أهمها في نظري، هو سؤال: كيف نعيد بناء الثقة بين هذه المنظومة والمواطن حتى يعود الأمل في أن تتمكن من إيصال الحقوق إلى أصحابها ونشر العدل بين الناس؟

يبدو هذا السؤال مركزيّا رغم أن أزمة الثقة ليست خاصة بالمنظومة القضائية بل تشمل علاقة المواطن بكل أجهزة الدولة وهي ليست حديثة بل قديمة حتى أنها أنتجت ثقافة تكرسها و ترفعها إلى مستوى البداهة وهي أزمة ملحّة اليوم أمام ما يبدو أنه غياب الرؤية عند أغلب الفاعلين في مجال إصلاح العدالة.

لا بدّ من التوضيح هنا أن العنوان يتحدث عن الثقة في القاضي وليس عن الثقة في القضاء. وهو أمر مقصود. فهو أولا يتجنب اللبس الحاصل مفاهميا بشأن الإستعمال المزدوج لمصطلح القضاء من أنه إشارة للسلطة وفي الوقت نفسه إشارة لمن يمارسها. وهو ثانيا عودة إلى الأصل باعتبار أن الإنسان يثق في الأشخاص قبل أن يثق في الإجراءات والأجهزة والمنظومات المعقدة. وهو ثالثا خروج بالنقاش إلى دائرة قلما يتمّ تناولها رغم مركزيتها، وهي الدائرة المتعلقة بمن يتم انتدابهم لتقلد السلطة القضائية.

لا بد كذلك من التدقيق أن الثقة في الشخص لا تكون إلا بمعرفته معرفة كافية تسمح بتكوين قناعات عنه، فلا يمكن أن تكون الثقة في غير المعلوم ثقة حقيقية، وأن الثقة تزيد و تنقص حسب سلوك الفرد وقراراته. ولكي تبقى مستقرة في المستوى الضروري لا بد أن تكون هناك إمكانية للمتابعة والإطلاع السهل على حيثيات الممارسة، مما يستخلص منه أن القضاة لا يمكن النظر إليهم كمجرد أفراد ضمن مجموعة تمارس السلطة القضائية بل ينظر إلى كل منهم باعتباره هو نفسه السلطة القضائية. فهذه السلطة يمارسها الأفراد أو الهيئات القليلة العدد ولا يمارسها كل القضاة مجتمعين مثلما يمارس الوزراء مجتمعين السلطة التنفيذية أو يمارس النواب مجتمعين السلطة التشريعية.

وطبعا غني عن القول أن القاضي هو قطب الرحى في كامل منظومة العدالة. فهو الذي له اتخاذ إدانة المتهمين وسجنهم. وهو من يقرر إفراغ الذمة المالية للمتقاضين أو ملءها وهو الذي يقضي بطلاق المرأة من زوجها وبحق الوالدين في حضانة أبنائهم من عدمها وغير هذا كثير. وهو في كلمة من يخول له القانون البت في كل ما يخطر على البال من نزاعات صغيرة كانت أو كبيرة. و في هذا كله هو يصدر أحكامه إما منفردا أو في هيئة صغيرة العدد غالبا ثلاثية وأحيانا خماسية.

فكيف تتحقق الثقة في القاضي، القاضي الفرد المعروف اسما لقبا ومكان مباشرة؟ وما الذي يترتب على تلك الثقة على مستوى عمل القاضي وعمل المنظومة القضائية؟

شروط الثقة في القاضي

يمكن الحديث هنا عن أمرين مهمين يحققان الثقة في القاضي لدى عموم الناس أولها الثقة من خلال كيفية إنتخاب القضاة والثاني الثقة من خلال شفافية عمل القاضي.

إنتخاب القضاة من أسس الثقة في القاضي
نؤكد هنا أننا نتحدث عن انتخاب القضاة بدلا عن المصطلح الشائع انتداب القضاة (والإنتخاب لا يكون بالضرورة مباشرا عبر الصندوق) باعتبار أن الفصل الثالث من الدستور ينص على أن "الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين أو عبر الإستفتاء". وهو ما يتجسد في فصول أخرى حسب نوع السلطة إذ يذكر الفصل 50 أن الشعب يمارس السلطة التشريعية عبر ممثليه بمجلس نواب الشعب... كما ورد بالفصل 71 أنه "يمارس السلطة التنفيذية رئيس الجمهورية وحكومة يرأسها رئيس حكومة" فيما ورد بالفصل 102 أن القضاء سلطة ... و أن القاضي مستقل لا سلطان عليه لغير القانون.

نحن إذا نتحدث في الحالات الثلاث عن سلطة يجب أن تكون منتخبة من الشعب. ولكن الانتخاب يمكن أن يكون مباشرا لأعضاء السلطة كما هو حال رئيس الجمهورية ونواب البرلمان ويمكن أن يكون غير مباشر كما هو الحال بالنسبة لأعضاء الحكومة وكذلك بالنسبة للقضاة من دون شك.

إن المنطق السليم يقتضي أنه أمام عظم الوظيفة القضائية وطابع السلطة اللصيق بها وأمام خطورتها وأمام الإستقلالية المصرح بها والبديهية للقضاة عن الجميع (بما فيه استقلالهم عن بعضهم) بما يجعل قرارهم نابعا فقط من ضمائرهم واجتهاداتهم، فإنه لا بد من التوصل إلى طريقة لانتخاب القضاة تحقق أمرين: أولهما الوصول إلى أفضل الأشخاص علما و كفاءة وسلوكا ووجاهة وثانيا تحقيق رضى الناس المسبق وقناعتهم بأن تكليف من تمّ اختيارهم للقضاء مدعاة للثقة والإطمئنان لأن تصل الحقوق لأصحابها. إلا أن المنطق السليم أيضا يجعل من الضروري الإبتعاد عن الانتخابات العامة عبر التصويت التقليدي لما يؤدي إليه ذلك الأسلوب من تسييس وتنافس وشعبوية لا تتفق مع طبيعة القاضي المفترضة.

ولذلك وصلت بعض الأنظمة المقارنة إلى شكل من الإنتخاب غير المباشر يقوم على تحديد المناصب القضائية الشاغرة وإعلان ذلك للعموم وفتح باب الترشح والترشيح لمن لهم أقدمية لا تقل عن 10 سنوات ممارسة في مجال من المجالات القانونية. وبعد تلقي الترشحات والترشيحات، يتمّ الإعلان عنها وفتح باب الإعتراض على الأسماء للقضاة المباشرين أو بقية المتدخلين في المنظومة القضائية أو المجتمع المدني. ودون شك، يمكّن هذا الأسلوب من التدقيق في الصفات الشخصية والسلوكية للمترشحين وفي مدى جديتهم المهنية وكفاءتهم العلمية والصناعية. كما من شأن اعتماد الشفافية العالية أن يفتح بابا واسعا لاقتناع الجمهور بأنه قد تم اختيار الأفضل لتقلد الوظيفة الأسمى.

الشفافية تؤمن تواصل الثقة في القاضي
يمكن تحقيق الشفافية في عمل القاضي بشكل عام من خلال كثير من الخيارات والإجراءات، منها ما هو جوهري ومنها ما إداري ومن ذلك مثلا:

  • الفصل الواضح بين النيابة العمومية و القضاء الجالس. وهو أمر معمول به في كثير من الأنظمة المقارنة وهو فصل بديهي باعتبار أن التعريف الحقيقي للنيابة العمومية كونها محامي الحق العام وليس من وظائفها البت في النزاعات إذ هي أصلا أحد طرفي النزاع في المادة الجزائية فضلا عن توليها لمهام مختلفة تجعلها أقرب للسلطة التنفيذية منها للسلطة القضائية مثل رئاسة الضابطة العدلية و تسييرها وتنفيذ الأحكام والرقابة على عمل السجون وغير ذلك. ومن مقتضيات هذا الفصل أن يكون داخل القضاء العدلي جسمان متمايزان عند الإنتداب والتعيين والنقلة وممارسة المهام، أحدهما النيابة العمومية والثاني القضاء الجالس. ولهذا الفصل دون شك كثير من الآثار الايجابية على تعامل المواطن مع المنظومة القضائية وفهمه لوظائفها.
  • التخلي عن الطبيعة الإستقرائية السريّة لعمل التحقيق وتعويضها بالمنظومة الإتهامية التي تساوي بين طرفي الدعوى العمومية وتمنحهما نفس الحقوق في إثبات الإدانة أو البراءة وتتركها شفافة أمام الجميع. فما دخلت السرية أمرا إلا أفقدته المصداقية.
  • من المهم أيضا جعل آليات التفقد لسير المؤسسة القضائية خارجية. فليس من السليم أن تسير المؤسسة نفسها ثم تراقب نفسها ثم تحمل نفسها المسؤولية. ولذلك من المفروض أن تكون إدارة التفقد القضائي منفصلة أولا عن المجلس الأعلى للقضاء ومكونة من بعض القضاة والمختصين في بقية مجالات الرقابة الإدارية والمالية مع ممثلين للمجتمع المدني، خصوصا وأنها تكتفي بتكوين الملفات واتخاذ قرارات العرض على الجهات التي لها تسليط العقوبات بينما تبقى السلطة في اتخاذ القرار للهيكل المعني ضمن المجلس الأعلى للقضاء الذي لا يجب أن يتحول لجزيرة معزولة عصية على الرقابة.  
  • من المهم كذلك الحرص السريع على رقمنة الأحكام والأعمال القضائية بشكل كامل ونشرها بما يمكن الجميع من الإطلاع عليها ويمكن الباحثين من تحليلها ونقدها بما يمكن من سرعة تطويرها.

هذه بعض الإقتراحات التي تجعل عمل القاضي شفافا وتحافظ على حبل الثقة قويا بينه وبين المجتمع وهو أمر نكرر طابعه المحوري في كل إصلاح منشود.

آثار الثقة في القاضي

إذا اخترنا أفضل ما في المجتمع من كفاءات أخلاقا وعلما وسلوكا وجدية لتقلد الوظيفة القضائية، وجب أن يرتّب على ذلك آثاره وأولها أن يمنح القاضي بشخصه وزنا يمكنه الإستجابة لدواعي انتخابه وثانيها أن تخفف الشكليات التي تكبل القاضي وتعطل عمله.

في إعلاء وزن القاضي الفرد
أما عن وزن القاضي الفرد فيجب التنويه هنا أن الأصل في القضاء أن يكون فرديّا بمعنى أن يبتّ قاض واحد في النزاع. ويبين تدقيق النظر أن القضاء الفردي لو تم اعتماده كمبدأ في الطور الإبتدائي خصوصا سيمكن من تحقيق مجموعة من الأهداف المجتمعة أبرزها:

  • تحفيز القضاة على الاعتناء بجودة الأحكام وعمق تسبيبها باعتبار أن كل حكم سينسب مباشرة لقاض واحد هو الذي أصدره مما سيجعله حريصا على صورته أمام الكافة وسيكون من السهل الملاحظة السريعة للقضاة المتفوقين من حيث التفقه في القانون والجدية في العمل خلافا لصورة القضاء الجماعي حيث يصعب التمييز بين قدرات أعضاء الدائرة.
  • أن تصدي القضاء كأفراد لمسؤولية إصدار الأحكام سيعمق ملكة الحسم في اتخاذ القرار وهي من الصفات التي لا بد أن تكون بارزة لدى القاضي.
  • أن تجربة قضاء الناحية مثلا تعد ناجحة ولم تلق رفضا أو انتقادا بل يلاحظ على نطاق واسع أن القضاة الذين تحملوا مسؤولية قضاء النواحي يتميزون بتكوين قانوني شامل ودقيق ولهم شخصية أكثر صلابة.
  • تسريع البت في الملفات من خلال توزيع الملفات المنظورة ثلاثيا على ثلاثة قضاة، كل منهم يقوم بمتابعة الإجراءات القضائية وإصدار الأحكام.
  • أن أفضل الأنظمة القضائية في العالم مثل النظام الأنكليزي تعتمد القضاء الفردي بحيث يمثل القضاة في تلك الأنظمة حجر الزاوية في الإستقرار السياسي والاجتماعي ولهم مساهمات قانونية وفقهية شديدة التأثير، وأن بعض الأنظمة العربية قد عادت لجعل القضاء الفردي هو الأصل مثل القضاء المغربي بمقتضى تنقيح دخل حيز النفاذ سنة 2011 وهي تجارب يمكن الإستفادة منها.
  • أن تكريس القضاء الفردي كمبدأ لا يمنع من ترك بعض الحالات الإستثنائية التي يكون فيها القضاء مجلسيا إذا أحوجت الضرورة لذلك مع إمكانية ترك سلطة تقديرية في ذلك لرئيس المحكمة الابتدائية.

إن اعتماد القضاء الفردي كمبدأ في الطور الإبتدائي يمكن أن يجمع مع المحافظة على القضاء المجلسي في الطور الإستئنافي وفي التعقيب مما سيضمن رقابة مختلفة تمكّن من تلافي الأخطاء والرقابة على الأحكام خصوصا في السنوات الأولى للتجربة.

في تخفيف الشكليات في عمل المنظومة القضائية
عادة ما يكون الشكل حمائيا خوفا من التسلط والإفراط في استعمال السلطة. إلا أن العديد من الإجراءات والشكليات تعيق عمل القضاء وتكبّله وتساهم في نقص فعاليته بما يتجه التخفيف منها ومن ذلك خاصة:

  • مراجعة التصنيف القانوني للعديد من المبادئ باعتبارها متعلقة بالنظام العام مثل الاختصاص الحكمي (لم يعد متعلقا بالنظام العام في فرنسا) مع التخفيف من إجراءات التقاضي في جميع المستويات والحـد من المـبـطلات والمسقطات.
  • مراجعة حالات الطعن بالتعقيب في اتجاه احترام حقيقي لكون محكمة التعقيب هي محكمة قانون فقط ترمي لتوحيد فهم النصوص واعتماد صيغ تخفف من حجم القضايا المنظورة أمام المحكمة.
  • مراجعة صيغ تحرير الأحكام في اتجاه التخفيف من شكلياتها والإستعانة بتجارب عديد الدول في ذلك.
  • حذف الجلسات التحضيرية لعدم جدواها على غرار ما هو معمول به أمام المحكمة الإدارية ومحكمة التعقيب وكذلك أمام التحكيم وإعادة الاعتبار لجلسة المرافعة باعتبارها المؤهلة موضوعيا لتوضيح مناطق الإختلاف بين الأطراف.
  • تطوير مركز الدراسات القانونية والقضائية ليقوم بدور أكثر فعالية في تحسين جودة العمل القضائي كتوفير الوسائل التي تمكن من جعل البحث العلمي جزءا من نشاط القاضي.

 

و يبقى القاضي-الفرد في نهاية كل تحليل هو الضامن الأصيل لحسن إصدار الأحكام و لثقة المواطن في وجود عدالة. وكل عناية ببقية تفاصيل المنظومة دون التركيز على شخص القاضي ستكون في الغالب عملية تزيين خارجية لا تنفذ إلى عمق و جوهر التأثير المرجو.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس