تجمهر يوم 13-04-2017 أمام مجلس نواب الشعب التونسي عشرات من جرحى الثورة وأسر شهدائها مطالبين بسحب قضاياهم من المحاكم العسكرية وعرضها أمام الدوائر القضائية المتخصصة بالنظر في الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. لم يثر الإحتجاج ردود أفعال هامّة رغم كونه ورد في توقيت يطرح فيه السؤال السياسي حول حقيقة إلتزام الدولة التونسية بمسار العدالة الإنتقالية على خلفية الجدل الدائر حول مشروع قانون المصالحة الإقتصادية.  

للوهلة الأولى، يبدو اختيار المحتجين للمجلس التشريعي مكانا لتجمعهم مستغرباً. فالجهة التي تختصّ بالنظر في مطلبهم هي هيئة الحقيقة والكرامة دون سواها. فقد أجاز القانون  المتمم لقانون العدالة الإنتقالية لهذه الهيئة أن تسحب قضايا شهداء وجرحى الثورة من المحاكم العسكرية وتعيد نشرها أمام الدوائر القضائية المتخصصة، علاوة على قدرتها على إعادة نشر القضايا التي صدرت فيها أحكام باتة. ولكن الإمعان في واقع هذه الدوائر يكشف سدادة التوجه إلى المجلس التشريعي.

فبمراجعة الفصل الثامن من قانون العدالة الإنتقالية، يتضح أن المشرع الذي أحدث هذه الدوائر المتخصصة بالمحاكم الإبتدائية المنتصبة بدوائر محاكم الإستئناف، لم يتصور إجراءات الطعن في مقرراتها وذلك خلافا للفصل 108 من الدستور الذي نص على أن تلتزم القوانين باحترام مبدأ التقاضي على درجتين في كل المحاكمات. ومن شأن هذه المخالفة أن تكشف عدم دستورية إجراءات نظر الدوائر المتخصصة. ورغم ذلك، لم تجد رئاسة الحكومة مانعاً من إصدار الأمر عـدد 2887 المؤرخ في  08-08-2014 المحدث لتلك الدوائر. كما عمدت الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي إلى إجراء تشكيلات قضائية بتلك الدوائر بتاريخ 13-11-2015. وفيما أبدت هيئة الحقيقة والكرامة حماسة في تركيز هذه الدوائر وتكوين قضاتها، فإنها امتنعت بالمقابل عن إحالة أي من القضايا لتلك الدوائر بداية من الشهر الرابع لسنة 2016. وقد يكون مردّ هذا الإختيار غير المعلن أن الهيئة  لم ترغب في أن يتبين الرأي العام الخلل الذي لحق بقانونها الأساسي على مستوى مسار المحاسبة القضائية. ويرجح  بالتالي أن تكون هيئة الحقيقة والكرامة قد اختارت التضحية بأحد مسارات العدالة الإنتقالية بتعلة الخوف من استغلال الأحزاب السياسية المعادية لمسار العدالة الإنتقالية لأي طلب تعديل لقانونها لضرب صلاحياتها.

وبعيداً عن حسابات هيئة الحقيقة والكرامة، إلتزمت هيئة القضاء العدلي بالحفاظ على تشكيلة قانونية للدوائر القضائية المتخصصة التي كانت تعلم أنها معطلة فتولت في إثر كل حركة قضائية تعيين قضاة جدد بتلك الدوائر لتعوّض من نقل منهم أو تمّت ترقيته أو بلغ سنّ التقاعد. وكان يؤمل من هيئة القضاء العدلي وهي الأكثر بعداً عن الحسابات السياسية أن تقترح إصلاحا تشريعيا، إلا أنها لم تبادر إلى ذلك. وفي الجهة المقابلة، كان يتعيّن على الحكومة باعتبارها جهة إقتراح مشاريع القوانين أن تبادر للإصلاح دون أن تنتظر من يطلب منها ذلك. لكن يبدو أنها تجنّبت ذلك بعدما وجدت أن الخلل الحاصل يخدم مصالحها، باعتباره يؤول لتعطيل مسار ترغب في مراجعته.

وعليه، طغى الصمت على الإشكال الدستوري نتيجة اختيارات متعددة وحسابات متعددة أيضا. وبنتيجة ذلك، باتت المحاسبة شعارا يرفع مع وعي من يتمسكون به ومن يعارضونه على حد سواء أنه شعار مفرّغ من مضمونه لتعطل آلياته. ويكشف هذا الواقع الذي يرفض الجميع الحديث عنه أن عائلات شهداء الثورة وجرحاها لم يضلوا في وقفتهم الطريق، ولكنهم كانوا وحدهم من يطالبون بإصلاح يعون بحكم طول تجربتهم صعوبة تحقيقه.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس