بمجرد مباشرة الهيئة الوقتية للإشراف العدلي لعملها، كلف مجلسها  لجنة من أعضائه ضمت قضاة وغير قضاة بمهام صياغة نظامها الداخلي، تنفيذاً للفصل الأول من قانونها. صادقت الهيئة لاحقا على هذا النظام الداخلي بتاريخ 18-02-2014. إلا أنّ الهيئة تعاملت مع نظامها على أنه وثيقة داخلية تنظم عمل الهيئة والعلاقة بين أعضائها، فلم تنشره. وقد منع هذا الأمر إمكانية إستخدامه في فرض رقابة خارجية على مقرراتها. ويبدو من المهم اليوم، في وقت يتعين على المجلس الأعلى للقضاء وضع نظامه الداخلي، أن ننشر نظام الهيئة ونخضعه لقراءة نقدية بهدف إستخلاص العبر.

وقبل المضي في ذلك، تجدر الإشارة إلى أن النظام الداخليّ للهيئة استعاد في عددٍ من أحكامه نصّ القانون المحدث لها والتزم في عدد آخر منها بما نصّ عليه هذا القانون، فيما تعلق بآليات اتخاذ القرار صلبها. أما أحكامه التي تشكل الإضافة النوعية، فهي الأحكام التفصيلية التي سعت لتنظيم ما لم يتعرض له التشريع. ومن أبرز تلك الاحكام، تنظيم اللجان الداخلية للهيئة وتفصيل آليات إتخاذ القرار بالهيئة.

اللجان الداخلية: هيكلة متطورة  وتفعيل متعثّر

أحدث النظام الداخلي ثلاث لجان قارّة علاوة على مؤسسة الناطق الرسمي باسم الهيئة. وهذه اللجان هي الآتية: 

  • لجنة الحركة القضائية والتي عهد لها بالإعداد المادي للحركة القضائية الدورية،  
  • لجنة الإستشارات والتشريع وهي مكلفة بإعداد دراسات وتوصيات بخصوص إنتداب القضاة وتكوينهم وتنظيم ملتقيات ودورات تكوينية ذات العلاقة بالشأن القضائي،
  • لجنة النجاعة والجودة والتي تختص باقتراح الإجراءات التي تطور أساليب العمل القضائي كما ترصد الصعوبات التي تعوقه وتقدّم الحلول الكفيلة بتذليلها.

ويلاحظ هنا أنه وباستثناء لجنة الحركة التي كان عملها منتظما وفاعلا، فإن بقية اللجان القارة لم يتم تفعيلها بصورة ناجعة ودائمة. فلم تباشر لجنة الإستشارات صلاحياتها. أما لجنة النجاعة فاكتفت باعداد مشروع برنامج حول التقييم القضائي لم يتسنَّ فعليا اعتماده لغياب القوة الإلزامية التي كان يجب أن تُمنح له بالنظام الداخلي ذاته أو بالقانون.

الناطق الرسمي

عدّ الفصل الخامس من النظام الداخلي الناطق الرسمي من ضمن هياكل الهيئة. وحدّد الفصل 19 منه صلاحياته  فهو "يصرّح بقرارات الهيئة ويمضي بياناتها ويعبّر عن مواقفها لدى وسائل الإعلام". وبدا جليا منذ البداية أن الهيئة التي قبلت بحق الرأي العام في متابعة نشاطها توجهت لضبط حدود هذا الحقّ من خلال إنصرافها أولا عن إستحداث مكتب إعلامي وثانيا تحديدها لمهام  الناطق الرسمي بشكل غير ملائم مع ما كان ينتظره القضاة.  وقد ساهم غياب الهيئة إعلاميا في ظهورها بمظهر العاجز عن الدفاع عن خياراتها ومقرراتها خاصة تلك التي تتعلق بالحركة القضائية أو القرارات التأديبية.

تنظيم العلاقة بين الأعضاء يمنع تحول الإختلاف إلى خلاف

ضبط الفصل الثالث من القانون الأساسي المحدث للهيئة نصاب إنعقاد مجلسها والنصاب الواجب لاتخاذ قراراتها. لكنه ترك أمر تنظيم الدعوة لعقد جلساتها وإدارتها لنظامها الداخلي. وقد تولى النظام الداخلي في هذا الإطار تمييز صلاحيات رئيس الهيئة وبيان صيغة إتخاذ القرارات. وقد مكّن تفصيل هذين الغرضين من تجنيب الهيئة الإشكاليات التي عرفتها هيئات أخرى وانتهت لتصدعات داخلية.

رئيس الهيئة: مكانة مميزة دون تسلط

أسند الفصل 12 من النظام الداخلي لرئيس الهيئة مهمة تمثيلها. كما نص على أنه من "يسيّر أعمالها ويسهر على احترام نظامها الداخلي ويدير مداولاتها ويتولى الإعداد للجلسة العامة وضبط جدول أعمالها". ومنحه الفصل 13 صلاحية تعيين "موعد الجلسة العامة ودعوة الأعضاء لها...".

في موازاة ذلك، حرص النظام الداخلي على الحدّ من صلاحيات الرئيس الموسّعة حتى لا تكون منفذاً للإنحراف بها نحو الإنفراد بالرأي. فعزّز دور أعضاء الهيئة بإسنادهم صلاحية الدعوة إلى عقد جلسة عامة بواسطة ستة من أعضائها في صورة تسجيل امتناع الرئيس عن الدعوة. كما أوجب على الرئيس عرض جدول الأعمال عند مفتتح كل جلسة عامة للتداول مع إمكانية طلب تعديله بمقتضى قرار من أغلبية الأعضاء الحاضرين.

وفي إطار الحد المؤسساتي من سلطة رئيس الهيئة، استحدث النظام الداخلي منصب نائب له خوله ذات صلاحيته في حال عدم حضوره أو تعذر ممارسته لصلاحيته. فنص الفصل 16 منه على أن نائب الرئيس يتولى جميع مهامه. ويلاحظ في هذا الإطار أن النظام الداخلي حرص على منع التصادم بين الرئيس ونائبه بأن حدد صور ممارسة النائب لصلاحيته. كما يلاحظ أن النظام الداخلي امتنع عن إسناد نائب الرئيس الصوت الترجيحي الذي أسنده القانون لرئيس الهيئة وذلك لاعتبار أن هذه الميزة لا يمكن إسنادها إلا بموجب نص قانوني صريح.

المداولات: التوافق مبدأ، والتصويت السري آلية بتّ

أرسى النظام الداخلي مبدأ مفاده أن القرارات تُؤخذ بالتوافق أولا، وعند إنعدامه بالتصويت السري. ويذكر هنا أن اعتماد قاعدة التصويت السري كانت محلّ انقسام بين الأعضاء عند مناقشتهم لمشروع القانون الداخلي.  

فمن جهة، نادى شقّ أول باعتماد التصويت العلني. وكانت حجته في ذلك أن الوضع الجديد الذي يعيشه القضاء يستوجب أن يتحمل كل عضو بالهيئة مسؤولية إختياراته. فالتصويت العلني ولئن كان يحدّ من حرية العضو، إلا أنه يتّسم بالشفافية والشجاعة ويحدّ من الإختيار المبني على المحاباة.

ومن جهة ثانية، دافع الشق الثاني والذي آلت إليه الغلبة، عن سرية التصويت. وقد برر هذا الشقّ موقفه بكون التصويت السري يرفع الإحراج عن الأعضاء وأن السرية تحترم حرية الإختيار وتحول دون الخضوع  لضغوط باقي الأعضاء، فضلا عن كونها تحول دون تسريب اختيارات العضو لخارج الهيئة.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس