قضت المحكمة الإبتدائية بتونس بتاريخ 30-12-2000 بسجن منصف المرزوقي عاما كاملا مع النفاذ بتهم على علاقة  بنشاطه الحقوقي والسياسي. وقرر المرزوقي يومها ألا يستأنف الحكم الصادر في حقه مبدياً إستعداده لقضاء العقوبة ودعا حينها كل من يُتهمون في قضايا سياسية وكل من يتطوعون للدفاع عنهم لعدم الترافع مستقبلا أمام قضاة التعليمات لكي لا تطيل مرافعاتهم أمد لعبة وصفها بالمغشوشة. فاجأ هذا الموقف السلطة السياسية التي اضطرّت لأن تعطي النيابة العمومية أمراً باستئناف الحكم، وهو استئناف انتهى بأن أصدرت محكمة الإستئناف بتونس  سنة 2001  حكماً يُسعف المرزوقي بتأجيل تنفيذ العقاب البدني وذلك رغم تغيبه عن الطور الإستئنافي. فأكد الحكم القضائي غير المألوف صحّة تشخيص الطبيب المرزوقي لأمراض القضاء في تلك الحقبة. عشر سنوات بعد ذلك التاريخ، كانت الثورة التونسية ليصبح بفضلها المرزوقي رئيسا للجمهورية التونسية من نهاية سنة 2011 إلى موفى سنة 2014.

كان المرزوقي قبل الثورة من أهمّ الناشطين السياسيين الذين اهتمّوا بالقضاء، وأكّدوا الحاجة لإصلاحه وكان بعدها من الشخصيّات التي ساهمت في نحت النظام السياسيّ القائم الآن والذي لازال القضاء في ظلّه يبحث عن مقومات اضطلاعه بدوره الاجتماعي.

بدا لنا في المفكرة القانونية من المهم سؤال هذا السياسي المفكر عن المسألة القضائية في الجمهورية التونسية الثانية بحثا من خلاله عن المطلوب اليوم  من القضاء في ساحة البناء الديمقراطي.

تقييمكم للوضع القضائي التونسي اليوم:

أجد القضاء التونسي اليوم أقرب ما يكون لمريض بدأت تظهر على محياه علامات تبشر بشفائه وإن كان ما يزال عليلا. وأتمنى للقضاء الشفاء التام وأنا اعتبر ذلك ممكنا لتقهقر العامل الخارجي المسبب للعلة ولتنامي العامل الداخلي للشفاء. ما اقصده بالعامل الخارجي الضغط الذي كان مصلتاً على القضاء ويمنعه من أن يتطور. وقد أدى سقوط النظام الإستبدادي بتونس لانتهاء الضغط الخارجي مبدئيا وليبقى واقعا أشلاء استبداد تتمثل في شركات سياسية ودوائر مالية. ولا يمكن لهذه الأشلاء أن تكون بذات قوة المنظومة الرهيبة التي كانت سائدة والتي منعت استقلالية القضاء. أما العامل الداخلي والذي يعدّ حسب رأيي  المحدد في تعافي القضاء، فيتمثل في التزام القضاة بشرفهم المهني وشرفهم الشخصي. وقد لاحظت كمتابع أن هذا الالتزام يتحسن شيئا فشيئا، وهذا يبشر بكون القضاء سيتطور  لتصبح شجرته دوحة تظلل علينا وتحمينا. لقد كنا في ظل غياب استقلالية القضاء بفعل النقص في الإلتزام بالشرف المهني لدى قضاة دولة الإستبداد كاليتامى بحيث كنا عرضة لكلّ انتهاك.

ما قولكم في الرأي القائل بكون الإستقلالية تشترط لقيامها توفر ضمانات استقلالية القضاء؟

بالنسبة لي أي منظومة بما في ذلك منظومة القضاء يرتبط إصلاحها بالواعز الداخلي لأعضائها وهذا هو الأهم. وعموماً في أي مجتمع، هناك جملة من المنظومات التي تتحكّم في حياة المجتمع وهي مترابطة عضوياً ويؤثر بعضها في الآخر. فلا يرجى مثلا من منظومة تعليمية فاشلة أن تنتج قضاة أكفاء ولا يمكن لمنظومة سياسية  استبدادية أن تسمح بقيام قضاء مستقل. ولتغيير مجتمعنا نحو الأفضل يجب أن تتعافى كل المنظومات. وألاحظ أنه بالنسبة لنا في تونس، بدأت المنظومات الثقافية والسياسية والقضائية تتعافى وهذا يخدم استقلالية القضاء. ويحتّم هذا التعافي على القضاة أن ينتهزوا الفرصة لفرض أقصى قدر من استقلاليتهم فلا شيء اليوم يمنعهم من ذلك إلا إرادتهم. اليوم لا شيء يمنع القضاة من الإستقلالية إلا أنفسهم فهم من سيختارون بين الاستقلالية أو بين استبدال سيد بسيد.

ولأننا في وضع إنتقالي، نلاحظ في عمل القضاء مؤشرات تدلّ على تطور الإستقلالية فيما هناك مؤشرات أخرى معاكسة. وهذا يعكس الداخل القضائي حيث توجد قوى تدفع للأمام وقوى جذب للخلف. وهنا أقول لقضاة تونس: "اليوم هي فرصتكم لفرض استقلاليتكم  بانتهازكم ضعف المنظومة الإستبدادية. أيها القضاة، عليكم أن تحموا استقلاليتكم بأنفسكم. ففي حمايتكم للديمقراطية حماية لإستقلاليتكم. فإن عاد الإستبداد، ستكونون أول ضحية له لذلك عليكم أن تحموا الديمقراطية التي جلبت لكم الإستقلالية".

هل دافعتم عن هذا الموقف لما كنتم رئيسا للجمهورية؟

أكيد دافعت عن رأيي هذا وكنت أطالب بأقصى حد من استقلالية القضاء بما في ذلك استقلالية النيابة العمومية. دافعت عن نيابة عمومية مستقلة تشعر الطبقة السياسية بمجملها سواء كانت في السلطة أو المعارضة أنها تحت رقابتها. وقد كان يقال لي هل تريد أن ترسي دولة قضاة، فكنت أجيب يجب توفير شروط الإستقلالية الكاملة للقضاء، لأنه أياً كانت سلبيات هذا الاختيار، فإن إيجابيته المتمثلة في فرض دولة القانون أهم بكثير.

بمجرد تسلمكم لمهام رئيس الجمهورية التونسية، أصدرتم عفوا خاصا شمل كل المحكومين بالإعدام وتمثل في استبدال عقوبتهم بالسجن المؤبد وهي قرارات عفو  عرضتكم لانتقادات كبرى.

قدم لي العاملون معي في أول يوم لي بالقصر الرئاسي 220 مطلب عفو لأشخاص صدرت في حقهم أحكام نهائية بالإعدام ورفض زين العابدين بن علي العفو عنهم، كما رفض إصدار الأمر بإعدامهم. أنا اعتبر هذا اللاقرار تعذيباً بكل معاني المصطلح. لذلك ودون تردد، أصدرت عفوا عنهم جميعا وذلك طبعا مع علمي أن 99 بالمائة من التونسيين يساندون عقوبة الإعدام وأنهم لن يتفهموا هذا العفو بيسر وقد يضر بمصالحي كسياسي.   ولكن أنا ارفض التضحية بمبادئي من أجل مكاسب سياسية.

رفضكم المبدئي لعقوبة الإعدام، هل يمكن أن نفهم مبرراته؟

عموما أنا ارفض قطعيا الإعدام لثلاثة اعتبارات يهمني تفصيلها لقرائكم وهي الآتية:

أولا: أنّها عقوبة تستعمل أساسا لتصفية الخصوم السياسيين، وهو أمر نتبينه باستقراء التاريخ وبالنظر في محيطنا. وأنا أقدر أن تسعين بالمائة ممن حكم عليهم بالإعدام على مر التاريخ  كانوا خصوما للحاكم. ويكفينا هنا النظر في عقوبات الإعدام التي تصدرها المحاكم المصرية لنقيم الدليل على قولنا هذا.  

ثانيا: إن نسبة 10% من عقوبات الإعدام التي تصدر في جرائم غير سياسية تشكو بدورها من إشكالية كبرى. ففي المجموعة الكاملة من تلك الفئة من أحكام الاعدام وبعد تنفيذها، يتضح دوما أن نسبة منها كانت نتيجة خطأ قضائي بما يطرح السؤال عن العمل حينها وقد أدى خطأ إلى موت بريء بغير حق.

ثالثا: أن عقوبة الإعدام لا تؤدي لتنقيص معدلات الجريمة خلافا لما يعتقد البعض. وخير دليل على ذلك أن دولا كالمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية والصين تنفذ مئات الأحكام بالإعدام سنويا. ورغم ذلك، لا زالت معدلات الجريمة مرتفعة فيها. في المقابل، نجد أن الدول التي ألغت هذه العقوبة كالبلدان الإسكندنافية لم تعرف إرتفاعا لمعدلات الإجرام بها بل بالعكس ونتيجة تطور سياسيتها العقابية انخفضت فيها معدلات الجريمة.

 وهنا ولهذه الاعتبارات مجتمعة، أريد أن أتوجه للقضاة التونسيين خصوصا والعرب عموما بطلب مراجعة موقفهم من الإعدام بأن أسألهم: "هل يقبلون أن يعدم شخص بريء بحكم قد يكون مؤسسا على خطأ قضائي؟ هل يقبلون بهامش خطأ في أحكام الإعدام التي تصدر عنهم تصل حسب تقديرات متعددة إلى 5%؟ أنا كطبيب لو طرح علي ذات السؤال فيما تعلق بلقاح قد يشفي ولكنه يؤدي لوفاة نسبة مهمة ممن يحقنون به، فاني كنت سأقول أن نسبة الخطأ كبيرة ولا يحق لي التضحية بكل أولائك الأبرياء. وهنا أرى من الضروري الغاء عقوبة الإعدام.

أدى نقاش مشروع القانون الأساسي عدد 70/2015 المتعلق بالمخدرات والقانون المنقح للقانون عدد 52 المتعلق بالمخدرات والذي صادق عليه مجلس نواب الشعب بتاريخ 25-04-2017 لأن عرفت الساحة السياسية التونسية جدلا كبيرا حول تصور أسلوب التعامل القانوني مع  مدمن المخدرات. ما رأيكم  في الموضوع؟

أوضح بداية أني مع عدم التسامح مع مروجي المخدرات. وخلال مدة ممارستي لصلاحيات رئيس الجمهورية، لم أكن اسند العفو في أربع جرائم هي: ترويج المخدرات، الإعتداء على قوات الأمن والجيش، الفساد، الإغتصاب. فيما تجاوز ذلك كنت أسند العفو.   

بالنسبة لمستهلكي المخدرات، أنا أعتقد أنهم مرضى يستحقون العلاج لا العقاب. العقاب يجب أن يسلط على من يستغلون مرضهم في جمع الثروات. وأنا أدعو بهذه المناسبة  القضاة عموما للإجتهاد على حد ما هم قادرون عليه للإبتعاد عن العقوبات السجنية، لأن السجن مدرسة للجريمة والسجون الآن مكتظة. يجب أن يكون الإلتجاء للعقوبة السجنية مقتصرا على الحالات التي تفرضها الضرورة. وهنا ألاحظ أنه من غير المقبول أن تتضمن 75% من الأحكام التي تصدر عن محاكمنا عقوبة سجن. يجب إعطاء مكانة أكبر للعقوبات البديلة.

هل يعني هذا أنكم تطالبون بإصلاح شامل للسياسة الجزائية التونسية؟

نعم. هذا أكيد المجلة الجزائية التونسية متخلفة جدا وتمت صياغتها لمجتمع متخلف وفقير، ويجب أن تراجع بشكل جذري في اتجاه فرض سياسة عقابية جديدة تقوم أساسا على العقوبات البديلة كالعمل المجتمعي أو نشر الأحكام. يجب أن نجتهد في التجديد في العقوبة وبمناسبة صياغة المجلة الجديدة، يجب أن تلغى عقوبة الإعدام.

ما رأيكم كطبيب وحقوقي من فحوص البكارة والفحوص الشرجية خصوصا بعد أن أصدرت عمادة الاطباء التونسيين مؤخرا بلاغا دعا الأطباء لتجنب تلك الفحوصات.

أني أعارض هذه الفحوصات الشرجية وفحوص البكارة تماما، لكونها فحوصاً تنتهك حرمة الإنسان وأقدر ايجابيا بالتالي موقف عمادة الأطباء التونسيين الرافض لهذه الفحوص. هذه الفحوص لا يقبل أخلاقيا أن يجريها الأطباء. وبالمناسبة، يتعين على كل قاضٍ يحترم أخلاقيات مهنته أن يرفض إعتماد هذه الفحوص. فمن غير المعقول أن يرفض القضاة الإعتماد على التسجيلات المسربة (التي تم الحصول عليها بشكل غير شرعي) في إطار إلتزامهم بمبدأ نزاهة الإثبات الجزائي ويقبلون الإعتماد على فحوص البكارة والفحوص الشرجية رغم أنهما متشابهان في علتهما.

كنتم في بداية الحوار معكم قيمتم إيجابيا تطوّر الأداء المهني للقضاء التونسي. سؤالي لكم الآن عن تقييمكم لأداء القضاء في المشهد العام عند ممارستهم لحقهم في التعبير وفي الدفاع عن مصالحهم المهنية وعن استقلاليتهم، هل أن خطاب القضاة الإستقلالي مقنع؟

أظن للأسف أن الخطاب القضائي غير مقنع. أنا مثلا شعرت خلال فترة ممارستي لسلطة الحكم أن مفهوم الاستقلالية تحول لدى جانب من القضاة إلى تصوّر لاستقلالية ضد السلطة. في الواقع، الاستقلالية ليست ضد السلطة أو معها، ولكنها استقلالية عن السلطة والسلطة بكل أنواعها. فلا يقبل أن يتحول القاضي إلى ناشط سياسي أو يصنف مع حزب أو ضد حزب آخر. على القضاة أن يحرصوا على التمييز بين عملهم في الساحة العامة على القضاء والنشاط السياسي وأن يحذروا من إبراز مؤشرات تدل على سقوطهم في فخ الصراع السياسي. فسقوط القضاة في هذا الصراع يدعم موقف من ينادون بالحذر من القضاة ويعارضون إستقلالية القضاء بدعوى الخوف من دولة القضاة. أنا أدعو القضاة إلى إنضاج تجربتهم، لكي ننجح في بناء دولة القانون والمؤسسات.

هل من كلمة أخيرة تودون توجيهها للقضاة وعموما لقراء المفكرة القانونية؟

همّي في كلمة الختام أن أتوجه بتحية خاصة للقضاة المصريين في مواجهتهم لمنظومة الإستبداد. كما أدعو القضاة التونسيين والعرب إلى تحمل مسؤولياتهم الكاملة في بناء النظام الديموقراطي الجديد. هذا النظام الذي يعد القضاء ركيزته الأساسية. وعلى القضاة ألا يخضعوا لمنظومة الإستبداد، كما عليهم أن يتنبهوا لكي لا يجذبهم الغرور القطاعي لأن يسقطوا في دولة القضاة.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس