تولت جهات أمنية تونسية بتاريخ 23 و24 ماي 2017 اعتقال ثمانية من أصحاب الرساميل جمع بينهم تضخم ثرواتهم وشبهات الفساد المالي التي تحوم حولهم قبل الثورة ومن بعدها. فاجأت الإعتقالات القضاء العدلي الذي سارع الناطق الرسمي باسم النيابة العمومية بالمحكمة الإبتدائية بتونس سفيان السليطي إلى تأكيد عدم علمه بأمرها. فكان أن كشفت وزارة الداخلية التونسية في بيان صدر عنها بتاريخ 25-05-2017 أن الإعتقالات ليست إلا وضعا تحت الإقامة الجبرية تم اتخاذه وفق الأمر المنظم لحالة الطوارئ المعلنة بتونس[1] وأنه اتخذ "حماية للأمن العام ولمكافحة الفساد". يومين فقط بعد هذا التاريخ، عقد رئيس لجنة المصادرة "منير الفرشيشي" ندوة صحفية أعلن فيها إصدار لجنته قرارات لمصادرة أملاك ثمانية أصحاب أعمال[2] تبعا لثبوت استفادتهم ماليا من علاقتهم بأصهار رئيس الجمهورية الأسبق زين العابدين بن علي[3]. وكان أن تعلقت المصادرة بذات أشخاص المعتقلين ووردت في ذات زمن اعتقالهم. أعلنت من جهتها المحكمة العسكرية في ذات اليوم على تعهدها بأبحاث تحقيقية "ضد أحد المعتقلين"[4].

لم يهتم الخطاب الرسمي بالتهم المعلنة والتي تعلقت بجرائم على علاقة بالأمن العام واتجه لتأكيد أن القرارات التي اتخذت تندرج في إطار حرب الحكومة على الفساد. وبرر في هذا السياق وزير أملاك الدولة مبروك كورشيد الإعتماد فيها على إجراءات استثنائية بكون "الإمكانيات الحالية للمؤسسات القضائية لم تخوّلها القيام بهذ الإجراءات، لافتقاد تونس للأدوات التشريعية لمقاومة الفساد على غرار قانون الكسب غير المشروع"، مضيفاً أن الدولة انتظرت قدوم أدلة من جهات. وهذا لم يحدث للأسف، فقامت بالأمر وفق القانون بمبادرة منها"[5].

لم يلتفت الرأي العام لما شاب الإعتقالات من غموض لجهة خلفياتها. كما لم يهتمّ بالإعتراضات التي صدرت عن بعض الشخصيات القضائية والحقوقية والتي أدانت اعتقال أشخاص من دون إذن قضائي، أو عارضت تعهد القضاء العسكري بمحاكمة مدنيين. ووجدت حملة الإعتقالات وقرارات المصادرة صدى إيجابيا لدى المواطنين الذي اعتبروها مدخلا لحماية تونس من الفساد الذي استفحل بعد الثورة عوض أن يتراجع مداه[6]. قبل بالتالي الرأي العام التونسي طوعيّاً بأن يضحّي بما تضمّنه الدستور التونسي من حماية للحريات الفردية في سبيل النجاح في معركة بات يعدّها مفصلية ضد الفساد.

ويفسّر هذا الموقف بكون الفساد المالي للشخصيات المعتقلة لم يكن خافياً كما لم يكن تعمدهم استعمال مالهم الفاسد في شراء الولاءات في الإعلام والسياسة والقضاء محجوباً. إنما كان معلوما أن تلك الشخصيات - بفعل قربها من مواقع القرار السياسي- باتت ذات حصانة خاصة تمنع كل تتبّع جدّي لها في القضايا التي تلاحقها. وتاليا، يعود تراجع الوعي الحقوقيّ في تحديد الموقف من إجراءات الحكومة لما يظهر من فشل في اضطلاع مؤسسات الدولة المكلفة بمكافحة الفساد، ومنها القضاء وهيئات مكافحة الفساد، في تحقيق دورها.

ويخشى هنا أن تؤدي جرأة الحكومة على أصول المحاكمات وترحيب المجتمع بهذه الجرأة لتراجعات مستقبلية في مجال المكتسبات التي أسس لها الدستور التونسي والتي من أهمها تقديس الحرية الفردية وحماية الملكية الخاصة.

وقد يكون من المهم في سياق هذه المطالبة بإصلاح المسار ضمانا لحق المعتقلين في شروط المحاكمة، التنبيه لكونه لا يتصور أن تتحول المبادئ الحقوقية لثابت مفهومي في مجتمع لا يثق في قدرة قضائه على حمايته من كل الأخطار. ويؤمل بالتالي من القضاء التونسي أن يخوض معركته في الدفاع عن اختصاصه من خلال إخضاع أدائه لنقد موضوعي يكشف سبب فشله في تحقيق تقدم حقيقي في قضايا الفساد، خصوصا منها تلك التي جدّت بعد الثورة وتعلقت بأشخاص بات لهم نفوذ سياسي علاوة على نفوذهم المالي.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]  ورد بالبلاغ "تعلم وزارة الداخلية بأنّه عملا بقانون الطوارئ وخاصّة الفصل 5 من الأمر عدد 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي 1978 الذي "خوّل وضع أيّ شخص يعتبر نشاطه خطيرا على الأمن والنظام العامين تحت الإقامة الجبرية في منطقة ترابية أو ببلدة معيّنة"، تمّ إتخاذ قرارات في الإقامة الجبرية في شأن عدد من الأشخاص على أساس ما توفّر من معطيات تثبت إرتكابهم لخروقات من شأنها المساس الخطير بالأمن والنظام العامين، وهذا إجراء ذو صبغة تحفظية ومحدّد في الزمن أملته الضرورة في إطار حماية الأمن العام ومكافحة الفساد، وينتهي بانتهاء حالة الطوارئ. كما تؤكّد الوزارة على حرصها على التقيّد بالضمانات المكفولة للأشخاص المعنيين بمقتضى الدستور والتشريع النافذ خاصّة من حيث توفير ظروف الإقامة الملائمة والإحاطة الصحية اللازمة ".
[2] تشمل القائمة كل من منجي بن رباح و كمال بن غلام فرج وشفيق الجراية وياسين الشنوفي ونجيب بن اسماعيل وعلي القريوي وهلال بن مسعود بشر ومنذر الجنيح وهم رجال الأعمال الذين تم اعتقالهم سابقا.
[3] مباشرة في إثر الثورة، صدر المرسوم عدد 13 لسنة 2011 مؤرخ في 14 مارس 2011 والذي يتعلق بمصادرة أموال وممتلكات رئيس الجمهورية الذي خلعته الثورة زين العابدين بن علي وأفراد أسرته وأصهاره وبعض المقربين منه. ونص فصله الأول على أن "تصادر لفائدة الدولة التونسية ... جميع الأموال المنقولة والعقارية والحقوق المكتسبة بعد 7-11-1987 والراجعة للرئيس السابق للجمهورية التونسية وزوجته ليلى الطرابلسي وبقية الأشخاص المبينين بالقائمة الملحقة بهذا المرسوم وغيرهم ممن قد يثبت حصولهم على أموال منقولة أو عقارية أو حقوق جراء علاقتهم بأولئك الأشخاص".
[4] ذكرت وكالة الدولة العامة لإدارة القضاء العسكري – أي الجهة المشرفة على الإدعاء العام بالمحكمة العسكرية - في بلاغ صدر يوم 26-05-2017  أن النيابة العسكرية  توصلت بشكاوى ضد شفيق جراية  مبناه انخراطه في ارتكاب أفعال من شأنها المساس من أمن الدولة. وقد قررت فتح بحث تحقيقي ضده وبناء على ذلك قرر قاضى التحقيق العسكري إصدار بطاقة ايداع في حقه وتأجيل سماعه لحين حضور محاميه.
[5] تصريح مبروك كورشيد، برنامج ميدي شو يوم 26-05-2017 إذاعة موزاييك أف أم.
[6] كشف سبر آراء أجرته مؤسسة سيقما كونساي المتخصصة أن 7،5 فقط من المستجوبين عارضوا الإيقافات. في المقابل 52,8 بالمائة أكدوا ثقتهم في صدق الحكومة فيما شكك في ذلك 38,4%، يراجع مقال حسن الزرقوني: 5.7% من التونسيين يعارضون حملة الإيقافات الأخيرة، 26-05-2017، موقف الصحفيين التونسيين بصفاقس.