ينتظر المجلس الأعلى للسلطة القضائية في المغرب بعد تنصيبه رهان أولي كبير من شأنه أن يشكل إمتحاناً حقيقياً له أمام كثرة الإنتظارات والآمال المعلقة عليه في مجال ترسيخ استقلال القضاء. يتعلق الأمر برهان إعداد المجلس لنظامه الداخلي  الذي أحال عليه القانون التنظيمي رقم 13-100 المتعلق بذات المجلس[1]. فما هي أهمية هذا النظام الداخلي أولا؟ ومن ثم، ما هي المقاربات المتاحة أمام المجلس ليتمكن من كسب أول رهان له والإستجابة بالتالي للإنتظارات والآمال المعقودة عليه؟

أهمية النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية

كما سبق بيانه، أوجب القانون التنظيمي للمجلس عليه وضع نظام داخلي للمجلس، الذي يعرض حكماً على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته للدستور قبل بدء العمل به[2]. والإحالة إلى المحكمة الدستورية إنما تعكس تقدير المشرع لأهميته واحتمال تأثيره على وضعية مؤسسة المجلس أو القضاة مهما بلغ هذا الأثر. فهذا النظام لا يهتم فقط بالجوانب الإدارية والتقنية والمالية للمجلس، كما قد يتبادر للذهن، وإنما احال عليه القانون التنظيمي بخصوص إقرار بعض المعايير المتعلقة بوضعية القضاة والمتقاضين على نحو يوضح مدى إعمال بعض المبادئ العامة كالشفافية والحكامة وغيرهما.

فمن الأمور التي أوجب القانون التنظيمي للمجلس تضمينها في النظام الداخلي، تحديد "الهياكل الإدارية والمالية للمجلس وعددها واختصاصاتها وتنظيمها وكيفيات تسييرها" (المادة 50) و"آليات نشر أشغال المجلس" (المادة 60) والمدة المانعة من تسجيل "القضاة الذين صدرت في حقهم عقوبة الإقصاء المؤقت عن العمل" في لائحة الترقية التي يعدها المجلس بشكل دوري  (المادة 74) وشروط الإنتقال من محكمة إلى أخرى (المادة 77) وكيفية تدبير ومعالجة الرئيس المنتدب للمجلس لتظلمات وشكايات المواطنين (المادة 86).

وقد أضافت إليها المادة 56 من القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، مسألة تنظيم حق القاضي  في "الاطلاع على آخر تقرير تقييم الأداء الخاص به، وذلك قبل متم شهر يونيو من السنة الموالية لإنجاز التقرير".

وتجدر الإشارة إلى أنّ ثمة نقاشاً حالياً بين قضاة المغرب حول إقتصار النظام الداخلي للمجلس على مواد الإحالة أو إمكانية إضافة مقتضيات أخرى ولو من دون الإحالة، شرط أن لا تخالف مواد القانونين  التنظيميين المشار إليهما سلفاً. وهي مسألة، سيعمل المجلس على حلها تحت الرقابة البعدية للمحكمة الدستورية.

المقاربات المأمولة من المجلس في إعداد نظامه الداخلي

فضلا عن أهمية النظام الداخلي بحد ذاته، فإنه يشكّل أول وثيقة مادية صادرة عن المجلس الجديد والتي تم انتظاره لمدة فاقت خمس سنوات. وبالتالي، فإن التحدي أمام هذا المجلس يكمن في مدى قدرته على التلاقي مع النفس الإصلاحي الذي يعيش على إيقاعه القضاء المغربي مند مدة. فبعدما نجح القضاة بتحقيق جزء هام من طموحاتهم الإصلاحية المتمثلة بدفع السلطات التنفيذية والتشريعية إلى إقرار قوانين تنظيمية ضامنة لاستقلال السلطة القضائية، يشكل تحدي إنجاز النظام الداخلي اليوم تحديا قضائيا داخليا. والنجاح في هذا التحدي يفرض على المجلس أن يغلّب ثلاثة مبادئ دستورية أساسية في عمله، وهي مبادئ الحكامة والشفافية والتشاركية:

  • حكامة النظام الداخلي: 
    مبدأ الحكامة في المغرب أصبح دستوريا بمقتضى الفصل الأول من دستور 2011. وبالتالي، فإن على جميع المؤسسات الرسمية الإحتكام إليه في كل أعمالها سواء كانت تنفيذية أو تشريعية أو قضائية. ومن تجليات هذا المبدأ على صعيد المجلس في موضوع النظام الداخلي أن يقوم بتحديد الهياكل الإدارية والمالية بشكل يستجيب لحاجياته الفعلية وأن يتم الاحتكام إلى آليات تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص في اختيار المشرفين على هياكل المجلس برمتها، ومنها على الخصوص منصبي الأمين العام للمجلس والمفتش العام للشؤون القضائية. فرغم أن القانون التنظيمي للمجلس حدد أنهما يعينان من طرف الملك  باقتراح من الرئيس المنتدب بعد استشارة المجلس[3]، فإن ذلك لا يتنافى إطلاقا مع قيام الرئيس المنتدب بإعلان الترشح للمنصبين ووضع شروط الكفاءة المطلوبة والقيام بمقابلة لتقييم الكفاءة مع كافة أعضاء المجلس وحتى إمكانية الإستعانة بخبراء في التوظيف. فإذا تمّ حصر الأسماء، يقدم الرئيس المنتدب للملك ترشيحه قصد إصدار ظهير التعيين وفق القانون.
    ونفس الأمر يجب أن ينطبق على كل الوظائف داخل المجلس أو تلك التي أناط القانون إختيارها من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو رئيسه المنتدب.
     
  • شفافية النظام الداخلي:
    يقصد بإعمال مبدأ الشفافية في النظام الداخلي للمجلس بشكل عام قيام هذا الأخير بتكريس شفافية عمله عن طريق إقرار مقتضيات تسهل على القضاة وغيرهم من المواطنين متابعة عمله. وهذا الأمر يفترض تنظيم نشر جدول أعماله ونتائج أشغاله عقب كل إجتماع وتكليف أحد أعضائه بالتواصل مع الإعلام وتقديم  تقارير سنوية ونشرها بوسائل سريعة وحديثة وتمكين القضاة من الإطلاع على وضعياتهم الإدارية كلها بوسائل حديثة وعن بعد. كما أنه يفترض سن مقتضيات فعالة لطرق التظلم والتشكي سواء أمام القضاة أو المتقاضين بشروط معقولة واتخاذ مبادرات تستهدف التخليق والتحسيس به في مجال العدالة بشكل عام والتفاعل مع الأحداث الجارية في الساحة الوطنية التي تهم القضاء وعدم ترك الفراغ الذي ينتج عنه ضرب سمعة القضاء وزعزعة ثقة المتقاضين وإقرار مقتضيات تتماشى مع القانون الخاص بالحق في الحصول على المعلومة والنفاذ اليها.
     
  • التشاركية في النظام الداخلي:
    إن مبدأ المقاربة التشاركية هو الآخر منصوص عليها دستوريا وواجب على السلطات العامة سلوكه في مشاريعها وقرارتها. وعليه، فإن المجلس يجب أن يبرهن للقضاة وللرأي العام أنه احترم هذا المبدأ الدستوري المهم من خلال اعتماده لمبدأ التشاور مع الجمعيات المهنية الممثلة للقضاة ولمن يرى فائدة في استشارته في إعداد النظام الداخلي ولو من دون وجود نص يلزمه بذلك. فالنص الدستوري أسمى من أي قانون آخر وواجب الإتباع. كما أن على هذا النظام الداخلي أن يكرّس في صلبه هذه المقاربة التشاركية  وذلك عن طريق إقرار نص عام يجعل من الجمعيات المهنية الممثلة للقضاة شريكا أساسيا في أشغال المجلس وقراراته باستثناء ما جعله القانون بشكل واضح إختصاصا حصريا له، حفاظا على حقوق أطراف معينة. ونفس المبدأ يجب أن ينطبق على تعامل المجلس مع هيئات لها علاقة بالقضاء.


وختاماً، نؤكد أن إعمال هذه المبادئ ووجود تطبيقات لها في النظام الداخلي الذي يعده المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب في هذه الآونة، من شأنه أن يكريه ربح هذا الرهان الأولي ويحقق الآمال المعقودة عليه ويفتح المجال للإشتغال بأريحية في العديد من الملفات التي تنتظره.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] - المادة 49 من القانون التنظيمي  رقم 13-100 المتعلق بالمجلس  الاعلى للسلطة القضائية المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6456 وتاريخ 14 -04- 2016.
[2] - المادة 49 من  القانون التنظيمي رقم 13-100 المذكور قبله.
[3] - المادتان 50و 53 من القانون التنظيمي رقم 13-100 المشار اليه قبله.