لم تنقض ساعات من نجاح ثورة 14 جانفي 2011 حتى عادت الهيئة الشرعية لجمعية القضاة التونسيين إلى مقرّها لتعلن انتهاء زمن الإنقلاب الذي قاده نظام بن علي وبدء معارك كبيرة حول معايير استقلال القضاء، في مراحل عدة من المرحلة الإنتقالية، ومن بعد إقرار الدستور.

ورغم أن بعض هذه المعارك قد تحوّلت بفعل النزعة القطاعية للهياكل القضائية إلى معارك دونكيشوتية عبثية، ليس بوسع أحد أن ينكر أنها طوّرت أدبيات استقلال القضاء بشكل كبير في معرضها وبمناسبتها. وعلى الرغم من أهمية الخطاب الاستقلالي هذا في الوسط القضائي، فإنه بقي مجرّداً من أيّ نقاش يناظره  في زخمه حول الوظيفة القضائية في النظام الجديد وبشكل خاص حول تصورات القاضي لهذه الوظيفة. وقد بات تغييب هذا المعطى فاقعاً في ظل تطوّر الورشة الحقوقية ولا سيما بعدما أناط الدستور صراحةً بالقضاء مهمة حماية الحقوق والحريات. فقد بدا غريباً للغاية أن يعمد المجلس التأسيسي إلى إعلاء دور القاضي على هذا الوجه فيما يبقى هذا الأخير منهمكاً بالدفاع عن استقلاله، من دون التوقّف ولو للحظة عند الدور الجديد المعطى له. وللأسف، انعكس إنكفاء خطاب القضاة في ما يتصل بوظيفته على كيفية مُمارستها في العديد من القضايا الحقوقية البارزة، والتي بقيت غريبة عن تطلعات النص الدستوري وبأية حال عن انتظارات مواطني ما بعد الثورة.

و ما نريده في هذا المقال هو فتح النقاش حول الوظيفة القضائية، على ضوء التصوّرات الممكنة. فالآن وقد حصّل القضاة ما حصّلوه على صعيد استقلاليتهم بدعم شعبي، من المنتظر أن تتزايد انتظارات المواطنين منهم، وخصوصا في مجال حماية الحقوق والحريات، وعلى القاضي أن يكون مهيّئا للتفاعل بشكل يتناسب مع هذه الإنتظارات.

وبشكل عام، قد يذهب تصوّر الوظيفة القضائية في اتجاهات ثلاثة:

قاضي النظام

الأول، أن يتم تصوير القضاء على أنه جزء مكمّل لمنظومة الحكم. وفي هذه الحالة تكون سمة القاضي الأساسية أنه "قاضي نظام"، بمعنى أنه مقتنع وملتزم بقيم النظام أو إيديولوجيته ومصالحه الأساسية إلى حدّ التماهي معها. وهذا ما نلمحه بشكل خاص في الأنظمة الكليانية القائمة على مسلمات دينية أو إيديولوجية أو ربما فقط على التمجيد بشخص الحاكم كما كانت الحال بتونس طيلة حقبة الجمهورية الأولى. فسرعان ما تتطوّر في أنظمة كهذه مفاهيم غريبة تسوّغ للقضاة، أو على الأقلّ للذين يجدون في انسجامهم مع النظام مصعدهم الوظيفي نحو قمة الهرم القضائي، التفاخر بموالاته من دون تردّد. ووفق هذا التصور، تصبح وظيفة القاضي الأساسية خدمة الحاكم، في كل ما يتصل بصلاحياته، مع ما قد يستتبع ذلك من انخراط في أعمال القمع كلما بدا ذلك ضرورياً. بالمقابل، فإن وظيفة القضاء في حماية المواطنين تندرج في هذه الحالة ضمن الحماية التي يضمنها نظام الحكم لهؤلاء، فتتم تحت سقفه وبالإنسجام معه. ومن الطبيعي في ظل منظومة كهذه أن يرتهن المسار المهني للقاضي بموالاته للنظام والخدمات التي يقدمها له. فلا يكون مستغربا إذ ذاك أن ينتسب القاضي إلى الحزب الحاكم أو أن يثقل الأرشيف القضائي بالمحاكمات القمعية المعروفة نتائجها مسبقاً أو أن تتحول خطابات القضاة إلى خطابات تمجيد بالحاكم وبانجازاته. وهذا ما تشهد عليه الخطابات شديدة البلاغة والتي عهد كبار قضاة تونس إلقاءها بمناسبة افتتاح السنوات القضائية. ويخطئ من يظنّ أن هذا التصوّر ينحصر في أنظمة الاستبداد وينتهي بسقوطها. فقد علمتنا التجربة أن هذا التصور للوظيفية القضائية قادر على المقاومة وإعادة التكيف في أزمنة التحوّل أو الإنتقال، حيث يسعى قضاة اعتادوا على خدمة النظام الاستبدادي إلى الإنخراط في خدمة قيم النظام الجديد وإيديولوجياته. ويشكل مشروع الأخلاقيات القضائية الذي تم الإعلان عنه من قبل وزارة العدل في 2012 في ظل الحكومة التي بعثتها حركة النهضة خير مثال على هذا الأمر. فقد تضمن هذا المشروع إعلان موالاة من تولوا صياغته لنظام الحكم الجديد فكان مشحونا بعبارات تفترض إلتزام القاضي بأحكام الشرع. ومن أكثر العبارات المستخدمة دلالة على هذا التصور التزامه ب "تعظيم محارم الله" أو أيضا أن "لا سلطان عليه في قضائه لغير الله والقانون".

القاضي خادم القانون

الإتجاه الثاني وهو الأقرب إلى الواقع الحالي لتصورات القضاة. وقوامه اعتبار القاضي خادما للقانون. وهذا الإتجاه يتوافق مع إرث الثورة الفرنسية وفهمها لمبدأ فصل السلطات. فالسلطة التشريعية تتولّى التعبير عن الإرادة العامة، فيما تتولى السلطة التنفيذية تطبيقها والسلطة القضائية الفصل في النزاعات على هدي هذه الإرادة. وعليه، يكون القاضي مقيدا بالنص القانوني، وفق القاعدة الشهيرة أنّ لا اجتهاد عند وضوح النصّ؛ ويتعين عليه في حال الغموض أن يتحرى عن نية المشرع عند وضعه من دون أن يسعى في أي حين إلى استغلال هذا الغموض للإجتهاد بما يراه مناسبا. ومن هذا المنطلق، يتعين على القاضي تطبيق القانون مهما بدا له هجينا أو منافيا لقناعاته والإمتناع في كل حين عن الحلول محلّ المشرّع أو الخوض في إطار ممارسة وظيفته في أي من النقاشات الاجتماعية أو الحقوقية. فمن شأن أي خروج عن هذه القواعد أن يشكل إخلالاً بموجب التحفظ، وتعديا على السلطة التشريعية. وفيما يضمن هذا التصوّر استقرار القاعدة القانونية، فإن من شأنه بالمقابل أن يُحوّل القاضي تحت غطاء احترام القانون والنُطق به، إلى خادم وناطق باسم السلطة التي وضعته، وعمليّا إلى شاهد زور بشأن ما هو عادل أو غير عادل.

وبالطّبع، يصبح هذا التصوّر أكثر عُرضةً للإنتقاد في الفترات الانتقالية، حين تكون القوانين المعمول بها موروثة عن السلطة المستعمِرة بمعزل عن حاجيات المجتمع وتطلعاته أو عن نظام استبدادي تمّ نقضه كما حصل في تونس. فما معنى أن يستمرّ القاضي في هذه الحالات في النطق باسم القوانين الموروثة بعدما تمّ تعريتها من قرينة التعبير عن الإرادة العامّة، من دون أي مراجعة نقدية لها؟ بل ألا يؤدي ذهابه في هذا المنحى إلى إظهاره كسلطة رجعية تعيد إنتاج قيم النظام البائد، فيما يفترض به أن يكون أداةً لضمان نجاح العملية الإنتقالية ولتأسيس منظومة أكثر انسجاماً مع حاجيات المجتمع وقيمه؟

القاضي الرائد في مجتمعه

وهذا ما يحملنا إلى درس التصوّر الثالث، وقوامه أن يتولى القاضي وظيفة أساسية في استشراف الحلول الممكنة لتطوير المنظومة الحقوقية ككل وجعلها أكثر اتّساقا مع المبادئ العامة للعدالة والمواثيق الدولية. ومن أهم أسناد هذا التصوّر، المادة 49 من الدستور التونسي الجديد التي حمّلت القاضي مسؤولية حماية الحقوق والحريات، والأهم ضمان احترام مبدأي الضرورة والتناسب في كل ما يتصل بتقييد الحقوق أو الحريات الأساسية. كما من أسناده النقاشات الحقوقية الدائرة لتعديل التشريعات في أكثر من مجال، والتي تفرض على القاضي أن يتفاعل معها وأن يغنيها أو يدعّمها بحججه وأحكامه. وهذا الأمر لا يعني بحال من الأحوال أن يصدر القاضي أحكامه وفقا لمعتقداته الشخصية إنما أن يستخدم كلّ ما توفره له المبادئ القانونية وقواعد التأويل والإتفاقيات الدولية من وسائل –وهي كثيرة- لأقلمة القانون مع حاجات المجتمع التونسي وقيمه.

ومن شأن فهم الوظيفة على هذا النحو أن يجعل من القاضي واجتهاداته محوراً أساسياً في الحياة العامة ومسرحاً تنقل إليه القوى الاجتماعية العديد من قضاياها. فنشهد ورشة وربما نهضة حقوقية ليس فقط في كواليس الوزارات والبرلمان التي تبقى خاضعة لنفوذ الحاكم وللحظة السياسية وتحوّلاتها، إنما أيضا في أروقة المحاكم التي يفترض أن تكون متحرّرة أو على الأقل أقل ارتباطاًبهذا النفوذ. فتتحول الصناعة القانونية إلى صناعة تشاركية وتراكمية.فيكون بإمكان أي مواطن الإنخراط في هذه الصناعة من خلال مرافعاته داخل المحاكم.ويكون القضاة مدعوين للمشاركة في بناء الصرح الحقوقي، من خلال الحجج التي يضمنونها في أحكامهم، التي تخضع من ثم ليس فقط لتقييم القضاة الأعلى درجة ولكن أيضا لتقييم الفقه والمشرع على نحو يعزز الديناميات الاجتماعية الآيلة إلى استكشاف الحقوق وضمان استيعابها. ومن هذه الزاوية، يتحول القاضي من خادم للقانون إلى خادم للمجتمع أو رائد فيه، أو على الأصحّ، وبفعل تفاعله المباشر مع الحياة المدنية، إلى مرجع ومنبر للديمقراطية المباشرة وإلى مُختبر لاستخراج توجهات وقواعد جديدة. ومن شأن كل ذلك أن يؤدي إلى تعزيز مرجعية القضاء والثقة به.

هذه هي بعض التصورات الأساسية للوظيفة القضائية، والتي لم يعد من الجائز التغاضي عنها لأي اعتبار. فمن جهة، ثمة حاجة للتنبه إزاء أي انزلاق نحو إعادة إنتاج تصورات تعيد القضاء إلى بوتقة النظام الحاكم. ومن جهة أخرى، ثمة حاجة لضمان الشروط اللازمة لتمكين القضاء من أداء الدور الذي أناطه به الدستور والأهم لاستشراف الوظيفة التي تضمن له استعادة ثقة الناس بمرجعيته وبأدائه. ويتطلب هذا الأمر فتح عدد من الورش، بدءا من الدراسة الجامعية إلى دروس معهد القضاء مرورا بصياغة شرعة للأخلاقيات القضائية، تشكل في عمقها شرعة لحقوق المواطن.

ولا يرد على ذلك أن الكفاح لتكريس استقلالية القضاء (والذي يتواصل بدرجات متفاوتة منذ 2011) لم ينتهِ، وأن تطوير تصور الوظيفة القضائية يأتي في مرحلة لاحقة. فعدا عن أن حرب استقلال القضاء في ديمقراطيات ما تزال هشة كتونس لا يفترض بها أن تنتهي، فقد آن الأوان أن ندرك أن فرص نجاح هذه الحرب لا تتحقق باحتلال هذا الموقع أو ذاك، إنما بكسب تأييد الناس، الذي يبقى بالضرورة مرتبطاً بثقتهم بالقضاء وبحسن أدائه. فلنعد إذا توجيه البوصلة.

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس